الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "المنهل"

فى الميزان, من تراثنا الخالد، (( ٢ )), ابو عبد الله ابن بطوطة، الرائد العربى الخالد، صفحة من طموحه ومغامراته، يرتلها كتابه (( تحفة النظار فى غرائب الامصار ))

Share

( ٣ )

ياشباب الاسلام ! خذوا درس الطموح السامى والمغامرة الحازمة من سيرة هذا الشاب المغوار !

عنايته بنباتات القارات

ومطالع سفره يجده (( موسوعة )) هامة تحتوي فيما تحتويه ، اشجار القارات التى وصل اليها ، ونباتاتها وحبوبها ؛ فهو يعنى بوصف كل هذا ، وصفا فنيا رائعا مستكملا اسباب الوضوح من كل الاطراف ، كأنه خبير زراعي فنى ذكر ( العنبة ) بالهند وضبطها بفتح العين وسكون النون بعدها باء مفتوحة فهاء ، و وصف تطور ثمرتها نيئة ومستوية ، ووصف طعمها فى كلتا الحالتين ، ونوه بمنافعها وكيفية

استعمالها فى الهند ، ووصف شجرتها وصفا فنيا صحيحا وسرد فهرستا لاشجار أخرى ونباتات تنبت بالهند ، ومضى يحدثنا عن كيفية زراعتها وطهيها والمواقع التى تزرع فيها وكذلك صنع فى نباتات كثير من اقاليم القارات التى جلبها فى فى آسيا واوربا وافريقية الشمالية .

شجاعته وشهامته

ومن اسعتراضه أحاديث غزاوته للكفار مع سلاطين المسلمين فى بلاد الهند والمليبار والاندلس ندرك أن شرايينيه ممتلئة بدم الشجاعة والنجدة ، والشهامة والحمية الاسلامية ، فما يغامر فى الحروب الا من كان كذلك ، خصوصا اذا لاحظت انه غريب ، لا ناقة له ولا جمل ؛ ولقد أصيب ابن بطوطة بجراحات فى هذه الحروب ونجا من الاعداء باعجوبة ، وناله شئ عظيم من التعب وذاق طعم العري والبرد والجوع والخوف ، ولكن ذلك كله لم يثنه عن خوض غمار الحرب كلما اهاب به داعى الواجب والاقدام لا يقتل صاحبه ان قدرت له حياة والجبن والخور لا ينجيانه من مخالب الموت إذا جاء الاجل . ولهذا سلم ابن بطوطة طيلة مغامراته الحربية ، ولم يلحقه (( عقاب )) الموت الا بعد ما القي عصا التسيار !

صراحته واعتداله

وابن بطوطة مأخوذ بالاعجاب بملكين من ملوك الاسلام فى عصره ، هما السلطان محمد شاه ملك الهند ، والسلطاي منسى موسي ملك مالى ؛ واولهما اعظمهما عنده ، ولقد خصص له عشرات الصفحات فى كتابه سرد فيها مناقبه وكرمه الخارق وعظمة ملكه وعلو همته ولم ينسه اغداق هذا الملك الكبير عاليه غوث الاكرام ان ينتقده فى جوره وعنفه وفتكه البالغ بمن يشك فيه وناهيك بما لطخ به صحيفة حياته الا وهو تخريب (( حاضرة )) ملكه العظيمة (( مدينة دهلي )) ونفيه اهلها

اجمعين ، وقتله شخصين كانا آخر من بقى فيها بعد صدور أمره الجبار بالنفي العام وهما أعمي ومقعد ، وانما تخلفا لعجزها عن المسير !

دهاؤه وكياسته

وصاحبنا من دهاة الرجال ، يقدر المواقف ، ويعطى لكل وقت حكمه يدلك على ذلك تلك المحاورة (( السياسية )) التى جرت بينه وبين ملكة الصين الترركستانية فقد خاطبته بالتركية بقولها : (( خوش ميسن يخشى ميسن )) وقال أن معنى ان هذا الكلام : كيف حالك ؟ كيف انت ؟ واستدعت دواة وقلم له فكتب البسملة . فقالت له : ما هذا فقال لها ( تنكري نام ) أى اسم الله . فقالت : ( خوش ) وقال ان معنى خوش جيد . ثم قالت له : (( انها تنوى غزوا الهند واضافته لمملكتها . فقال لها : افعلى ! فها انت تسمعه يوافقها على رغبتها وعزمها ولا يقف منها موقف المخالف المفشل لانه أدرك بثاقب بصيرته ، انه فى قبضتها وانه لا يملك لعزمها ردا ان هى عزمت ، وبمجرد احساسها ادنى ميل منه الى ملك الهند تفترسه هذه ( الغول ) الغائلة . واذن فالمسالمة والموافقة المكبوتة اخف الضررين واقرب الجانبين الى النجاة خصوصا مع ملاحظة كونه انما وصل اليها فى طريقة الى ملك الصين حاملا معه رسالة السلطان محمد شاه ملك الهند الذى تتوعده هذه المرأة الملكة الجبارة

اكتشافاته العلمية

ولقد عنى ابن بطوطة فيما عني به بالتجول فى بلاد الصين واستكشاف احوالها الاجتماعية ونظمها السياسية وله فى الصين اكتشافان علميان ، فاما أولهما فهو اعلامه باستعمال الصينيين ورق النقود المعروف ب ( البنكنوت ) فلقد عقد فصلا مستقلا فى كتابه عن هذا الورق وكيفية استعماله ودار طبعه ونظمها وفائدة هذا الورق ، وكشف عن اقتصارهم فى المعاملة عليه دون الذهب والفضة ؛ فان مقرهما الرسمي هو ( مصرف الدولة ) حيث يحفظان به بمثابة المال الاحتياطى

نظير ما تفعله دول اوربا فى العصر الحاضر ، فهذا الصنيع من الصينيين يبرهن على ان الشرق استاذ الغرب فى كل شئ حتى فى الاحتكار . قال ابن بطوطة :- (( ذكر دراهم الكاغد التى بها يبيعون ويشترون

(( واهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم . وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه وانما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد . كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان ، وتسمي الخمس والعشرون قطعة منها ( بالشت ) وهى بمعنى الدينار عندنا . واذا تمزقت تلك الكواغد فى يد انسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا فأخذ عوضها جددا ، ودفع تلك ، ولا يعطي على ذلك اجرة ولاسواها لان الذين يتولون عملها لهم الارزاق الجارية من قبل السلطان وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الامراء . واذا مضى الانسان الى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شئ لم يؤخذ منه ولا يلتفت اليه حتى يصرفه بالبالشت ، ويشتري به ما اراد )) اهـ .

فهذا الوصف لورق النقود فيه من دقة التسجيل الفني ما ينم عن مبلغ عبقرية ابن بطوطة فى وصف ما تقع عليه باصرته ، وبحسبك انه ينطبق تماما على هذا الورق الى هذا العصر فى عموم انحاء العالم !

واما الاكتشاف الثانى من اكتشافاته الصينية فهو تسجيله لمبلغ انتشار الفن التصويري هناك ، فنية وسياسية واجتماعية ؛ فمن ذلك قوله انه ما دخل هو وصحبه مدينة فى الصين وعاد اليها الا ورآى صورته وصور اصحابه منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة فى الاسواق ؛ واذا هى لا تخطئ شيئا من ملامحهم وزيهم . قال وذلك عادتهم فى تصوير كل من يمر بهم ، وتنتهى حالهم فى ذلك إلى ان الغريب اذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثوا صورته الى كافة البلاد وبحث عنه بمقتضاها فحينما وجد شبه تلك الصورة اخذ ! سبحان الله ! وهل وصل الغرب الغرب فى مدينته الحاضرة وآلاته المصورة الا الى

هذا ! ما اعظمك يا شرق ! ولكنك نمت وركنت الى الراحة ، فأخذ الغرب تراثك وجمع محصولك وادعي بعد ذلك انه كل شئ وانك كنت ولا تزال لا شيء ونظام المصادرة المعمول به لدى الدول الآن ! هذا أيضا كان مطبقا فى ! حكومة الصين . والاصل فيه لديهم كما هو الاصل فيه الآن : مصادرة البضايع المهربة أو الممنوع دخولها الى البلاد ، وقد كانوا يأخذون المهرب بشدة ما لها نظير وبقسوة لا هوادة فيها . يدلك على ذلك نقد ابن بطوطة العنيف لهم في ذلك !

مزاياه الفكرية

ومن واجب الرائد الحصيف سعة الفكر ، وانشراح العقل ، واستيعابه لكل ما يمر عليه من العادات والتقاليد ، ليتمكن من وصفها وصفا عادلا شاملا غير متحيز لها ولا عليها الا بالقدر الذى يخل بدينه ومروءته وشرفه وارومته ، فانه يتجنبه ويبتعد عنه بعيدا . وهكذا حال ابن بطوطة فانه كان متسامحا مع العناصر واقوام الذين وصل الى بلادهم فى اقطار الارض . وهذا الصنيع مكنه من نبث اسرار ونشر حقائق مستورة ما كان لغيره ان يصلها . اضف الى هذه المزية : مزية جلده واحتماله المكاره وطول الغربة زهاء عشرين عاما . (( المدينة المنورة ))                    ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية