١
( فى استطاعتى ان اسلب من القارىء قلبه فارية الحبه قبة ... ) (( لسان حال المازنى ))
ابراهيم المازني الذى نتحدث عنه القراء ونضعه بادىء ذى بدء فى هذا الميزان ، هو كاتب من أعلام ادباء العربية فى مصر ؛وشاعر من اواسط الشعراء فى هذا القطر .. اخذ اقرانه ( وهم الاساتذة العقاد والرافعى وفريد رفاعي وطه حسين وحسين هيكل والزيات؛ وعزام،وزكى مبارك ، وعنان الخ )طريقا وسلك هو من دونهم طريقا آخر ، كان طريق اولئك الجد والرزانة ، والاستقصاء فى البحث الادنى والعلمي، وكان طريقه الهزل والفكاهة والمجون ، ومحاولة خلق اجواء مرحة ضاحكة مستبشرة فى الادب العربى المعاصر
واذا نجح زملاؤه فى طريقهم ؛ فما خاب المازنى ولا اخفق فى طريقه فلقد در عليه الربح الوفير ، واسبغ عليه رداء فضفاضا من الصيت الذائع والاسم اللامع .. واذا كانوا قد حلقوا فى سماء التحقيق باجنحتهم القوية الجبارة فلقد ذرع المازنى ارض الله بقلمه السيار، فما كاد يترك شاذة ولا فاذة، مما هو ملقى على سطح هذه الارض من النوافه والبسائط الا وقد اغرم بالبحث فيه واللف فيه والدوران ...
ولقد كتب المازنى نثرا وشعرا كثيرا ،وملأ اعمدة (( الصحافة )) المصرية كلا ما كثيرا وأنت اذا نخلت هذا الكلام الكثير بغربال التمحيص والنقد التزيه الحصيف، تجد جله مكررا معادا ،خاليا فارغا؛ ولقد استل المازنى من هذا الكلام الكثير في انهار الصحف ؛ اهم كتاباته وقصائده فى نظره ،فاخرجها للناس تآ ليف
رائجه مسبوقة بالشهرة الطائرة يجد فيها مئات القراء متعتهم ولذتهم ،وشهوتهم ونشونهم .. ولم يستبد المازنى لهذا اللون من التأليف استبداده بالمرج والمجون والفكاهة والظرف بل ان زملاءه الآخرين هم مشاركوه فى هذه المنوال السهل المفيد
ولقد أشغل المازنى ، اذهان القراء بأدبه زمنا طويلا واحتل من أنفس كثير منهم مكانة خاصة سامية ، وبنى وهدم مقرظا وناقدا، وكان فى كل ما كتب وما يكتب (( مركوبا)) بعفريت العاطفة وكان قصصيا ، تستهويه المرأة ويجذب قلمه (( الحب )) ويغمره روح الفكرة السطحية النائية من العمق والسمو المملوء بروح اللطف والدعاية . . وللمازنى مزية خاصة فى كل ما كتب ... وتلك هى ادخال روح الحياة فى الموضوع الموات وتكبير الحقير وابرازه فى المظهر الخطير فادبه (( مجهر )) سينمائى قوى الاشعاع ، يظهر ما يبحث فيه من الاشياء فى اشكال أضخم من حقائقها وحدودها، اضعافا مضاعفة .. وهذا اقتدار ما فيه شك وبراعة محمودة مافيها ريب (وان من البيان لسحرآ) .
ولو ان ابراهيم المازنى مر بقطة تلهث اوشاة تثغوا وحجر صغير فى قارعة الطريق لاستطاع ببراعته ان يحبر لك القصص الطوال والمقالات العراض فى هذه الأشياء !! وهكذا يستطيع الكاتب الساحر ابراهيم المازني ان يسلب من القارى قلبه ، فيريه من الحبة قبة ... ولا شك ان هذه (( الشعوذة )) الادبية اللطيفة هى سر نجاحه وفوزه واشتهاره ...
وللمازنى كتب هى : ديوانه ، وحصاد الهشيم ، وقبض الريح ، وصندوق الدنيا ورحلة الحجاز؛ وهذه المؤلفات كلها مطبوعة ،وجلها ، إذا راجعت الى الصحف تجدها مقالات نشرت فى أزمان مختلفة ، ولذلك لا تلمس فيها وحدة الموضوع وانما تتلمس فيها وحدة الاسلوب والروح ، فكل اسلوبها شهى ، وكل روحها مرح وفكاهة ، تعلو حبا الى مرتبة السخرية في بعض جوانب الحياة من أقرب جانب !!
وكان المازنى بحكم تمرده على روح الجد والرزانة ؛ وما يمت اليهما بصلة استنقل اعباء هذا الشعر العربى الذي تشيع فيه الرزانة في كل اجزائه ، حتى فى نسيبه وغزله .. ومن ثم هجر هذا الشعر هجرا جميلا ؛منذ أمد مديد.. واكتفى عنه بالنثر المتسع للدعابات والفكاهات ، والعبث والمجون ، والغرام والفنون ...
ومن ثقوب نظر المازنى ان ادرك ، لأول وهلة من حياته الادبية : ان روح البحث العميق الجاد الزاخر بالتحقيق،تنقص مواهبه،بقدر ما هى متكاملة فى ادمغة زملائه ، فهو لهذا استدرك الموقف فى بداية رحلته الادبية وصار يتفحص الاساليب حتى عثر على هذا الاسلوب المرن المريح، الموافق لرغباته المشبع لنهماته وبما فيه من حيوية غريبة وملكة زاخرة ، استطاع ان يلفت اليه الانظار ، من خلال ((حشائش)) هذا الادب المنبوذ الذى كان الادباء المجددون يتجافون عنه ازدراء له لانهم يرونه ساقطا ميتا ، وهكذا استبدال المازنى دونهم بهذه ((الغنيمة)) الباردة التى تمت بسبب الى فن (( الزير سالم )) والف ليلة وليلة )) وقد اخرج منها فنا محبوبا جديدا ، ولله فى خلقه شؤن ...
اذن فالمازنى هو (( وحيد )) عصره فى هذا الادب البسيط الذى لا تدور رحاه على فكرة علمية جليلة ، أو نظرة ادبية عميقة أو مبدأ خلقي سام ، فهذه المقالات وهذه القصص ، التى يفيض بها قلم )) المازني كما يفيض (( النيل )) من منابعه ، يدخل فى أكثرها القارى بلهف ، ويخرج منها فى مرح ولكنه اذا فكر وقد يدرك انه خرج كلما دخل ، فاما فكره فخلو ، واما عيناه فمنهوكتان..ومااحرى القارى المنهوك القوي بمتاعب الحياة وهمومها ان يستأنس بهذا اللون من الاب المسلي ، الذى يقتل الوقت والهم معا .
والحقيقة ان المازنى قد بلغ فى أدبه الى رتبة من البراعة يحق له ان يفخر بها فقد استطاع ان يلعب لعبة ((اللف والدوران )) فى دائرة من الكون ضيقة بسيطة
محدودة؛ومن اجادته هذا الفن من التمثيل خيل الى (( النظارة )) والقارئين انه ياتيهم كل آن بجديد وانه يركض من أدبه ؛فى افاق واسعة مبتكرة . اذن فالمازنى يأخذ من القراء اكثر مما يعطيهم ، ويعدهم ويمنيهم .وما يعدهم ويمنيهم الاغرورا .
واذا كان الاساتيذ : العقاد وطه وهيكل وعزام واحمد أمين وعنان أشر بو بروح البحث العميق الذى يروضون به افكار قرأنهم فى عنف واجهاد ليسموا بهم الى اجواء بعيدة من التفكير الرفيع ، المعيى للقريحة فما احوج (( جمهرة )) القراء الى أديب فكه يريحهم من عناء التحليق ومشاق مسايرة المنقبين ويماشيهم فى دنياهم ويمتعهم (( بحلوا )) اللهو المفرحة المنعشة واذا فليكن المازنى فارس هذا الميدان وليكن هذا الكاتب اللبق الذى يفر الى (( مسرح)) ادبه النظارة والمجهودون والمكدودون ...
ولقد كنت ومازلت أقرأ للمازنى منذ سنوات عديدة فآمنت فى قراءتي له بنظرية عامة ازاء ادبه العام، وتلك هي ان المازني يجيد كل الاجادة اذا كتب فى النقد الهزلى ، ويجيد كذلك جدا إذا وصف جوانب الحياة الاجتماعية السطحيه اما اذا حاول الغوص على الحقائق فسرعان ما يخونه ملكته ؛ ويخور قواه ويفقد توازنه وهنا يعتريه الخفقان والدوار ، فيفشل في مهمته كل الفشل وينهزم على خط مستقيم
اما اجادته فى النقد الهزلى ؛فليس ابلغ شاهدا لها من مقالاته المنشورة فى كتابه : (( قبض الريح )) التى نقد فيها الدكتور طه حسين ، وأنا اشهد ان واحدا من هذه المقالات وهى المعنونة ب (( طه ومجنون ليلي )) سما فيها المازنى سموا يستحق من أجله أن يوضع فى مصاف الادباء الخالدين وقد ساعفته روحه المرحة الفكهة الى ضرب الدكتور طه حسين تلك الضربة القاضية فى أهم نظرياته عنده ؛ وهى التشكيك في كل شئ ، من طريق هذه النظرية نفسها ... وحق ما اقول :
إذا قلت انه على كثرة ما حاول الادباء والعلماء هدم نظرية الدكتور هذه تحطيمها بين يديه؛ فانهم لم يوفقوا الى (( قذفها )) بمثل هذا (( الديناميت )) النساف الذى قذفها به المازني فتركها هشيما تذروه الرياح ...
واما اجادته فى وصف الجوانب الظاهرية من الحياة واستعراض فصولها فيتمثل فى قصصه الكثيرة المنشورة فى كتبه وفي الصحف ... ومن امتعها اقصوصته (( الطالع )) المثبتة فى كتابه(( خيوط العنكبوت )) فلقد وفق فيها الى استعراض مظهر مؤثر من مظاهر الحياة المصرية ان لم أقل الشرقية فى حوار رائع فكه قصير؛أداره بينه وبين فتاة مصرية حول الطالع . وهذه الاقصوصة قد غمرتها روح الفكاهة ؛ والتندر ، وعليها مسحة من الغزل المرح !!
أما اسفاف المازنى حينما يحاول سبر غور فكرة أدبية او علمية أو اجتماعية او سياسية بصورة جادة ، كما يقتضيه المقام فيدلك عليه امران : -
أولهما الموازنة بينه ، فى هذا الشأن وبين زملائه السالف ذكرهم ، فهم بحكم اتجاههم الجدى، اذا كتبوا فى البحث الجدى دببا كان او علميا ، يرقون الى عل ؛ وهو اذا حاول ان يقتفى أثرهم تدلى الى أسفل !
وثانيهما مقالاته الجادة، وهى على ندرتها تخليط ؛ لا يجد فيها روح البحث المشبع القوى الزاخر بمعانى الابتكار والرجولة ، وهى خلو ( والحلة هذه ) من روح المازنى الفكهة الطروب ،ولذلك يجىء هذا الصنف من كتابات المازني بثراء نظما غثا باردا ساهما .. اقرأ مقله (( خطب فلسطين )) بمجلة الرسالة .. انك ان فعلت استبانت لك حقيقة ما ارتأيناه .
وانا لا ألوم المازني في هذا المرح الذى اصطنعه لنفسه ، فانه محسن بهذا الى لغة العرب كل الاحسان ، فالتنويع فى الادب ،والتخصص فى شتى نواحيه؛ هما سر حياته ، ورمز خلوده، وناموس نهوضه .. وانما ألومه حينما يحن الى الجد
أو حينما يتكلف البحث الرزين ،وهو العالم حق العلم بان طريقهما مسدودان أمامه ، وأنه لن يوفق فى اجتيازهما ؛ لانهما لا يوافقان ميوله ولا يشايعان مشربه وعواطفه . ولمثله قال أحد حكماء الشعراء من قديم :
اذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه الى ما تستطيع
على أن المازنى قد يستطيع أن يقيم علي الحجة ، فهو كاتب أمتهن الكتابة للصحف ، فهو من هذه الباحية مسير (( لا مخير )) يدعوه صاحب الصححيفة ان (( يطبخ )) له موضوعا معينا فى وقت محدود ،فيتكلف (( تركيب ))المقاله او القصة ايا كان لونها ، تارة نشيطا ؛ وتارة منهوكا والمقالة مقبولة على كل حال؛ بحكم الطلب والرغب ، واللزوم ؛ اما هو فيتأرجح ؛ فى حالتى النشاط والسآمة بين السمو والسقوط ؛ والجد والهزل .. قال المازنى في هذا عن نفسه فى مقال كتبه أخيرا بعنوان : (( الكتابة وحالات النفس )) (١) ما نصه : -
(( فقد غدوت كالثور المشدود الى الساقية ، وعيناه معصوبتان حتى لا يدور رأسه من كثرة الدوان والان وكلما وقف ليستريح صاح به صاحبه (( عا )) ولمسه بالعصا والسوط فيتحرك الثور ويستأنف الدوران لأنه اخف مؤنة واسلم عاقبة من الوقوف . وكذلك أرانى فى حياتي .. - وكثيرا ما اشعر انى مدفوع الى الكتابة وانى لا املك التحول عنها أو ارجاءها فاجلس إلى المكتب وليس فى رأسى سوى الاحساس العام الثقيل بالحركة وبانها يوشك ان تتمخض عن خاطر معين أو خالجة بينة ويكون القلم فى يدي فى تلك اللحظة فأخطط به على الوقوف وانا حائر ذاهل )) .
ومن الانصاف ان نعترف بان المازنى فصيح قدير على تطويع اللغة العربية لاغراضه ، فهى بين يديه (( مطاط )) لين مرن يلعب به كيفماشاء !
ولى رأي فى أدبى المازنى: القديم والحديث ، فان للمازنى عندي أدبين قديما
وحديثا ؛ وهذا الرأى هو ان ادب المازنى القديم اروع وازكى من ادبه الحديث فتمد ضربه داء (( الاعياء (( الذهنى اخيرا ؛ ولعل هذا من جراء انسياقه طائعا ومرغما الى الدوران واللف فيما بين اعمدة الصحف الشديدة الرغبة فى استغلال كتابته لذيوع شهرته الادبية القديمة .. وكثرة اللف والدوران من شأنها أن تفقد حاسة النشاط ، واذا فقد النشاط سقط النتاج واعتراه الضعف والشلل والإنحلال ، يدخل الثور فى دائرة الساقية نشيطا مملوء العضلات بالقوة ثم لا يزال يكدح ويدور حتى تضمحل قواه ويتبدد نشاطه تدريجيا ؛ فيظل يدور مرغما ، فى حركة ميكانيكية خائرة ليس له فيها كبير عناية ، ولا قوي عزيمة ...
وفي المازنى القديم صراحة فى النقد لاذعة ، يكيل لاصدقائه ان كان له اصدقاء غير الاستاذ العقاد ،بالكيل الذى يكيل به لاعدائه ... اما المازنى الحديث فقد ترك النقد واشوا كه جانبا ،وانصرف بكليته الى سبك الافاصيص والنوادر للجرائد والمجلات ،والنقديجر على اليفه المشاكل ويقض شوكة مضجعه..اما هذه الاقاصيص والحكايات فهى على انها تجئ عفو خاطر المازنى تدر عليه الجوائز والمكافآت؛ وما تستتبعه من مناسبات ومجاملات .
واذا راح الدكتور هيكل يضرب في الآفاق ، ليخرج للناس كتابا (( فى منزل الوحى )) واذا مضى أحمد امين في البحث قدما ليجلو للناس ((ضحي الاسلام)) واذا سما الرافعى فى اجواء البحث وراء الخيال العاقل والعقل الخصب المتخيل لينزل للناس ثمار (( وحى القلم)) فالمازنى لا يعنيه شئ من هذا الجد المضنى، والبحث القاتل ، هو يسير في هذه الشوارع والازقة ، ويستخرج من قططها (١) ووجع قلوب ابنائها (٢) ومن يدسها (٣) وسياراتها المسروقة (٤) وذوات اثوابها الارجوانية (٥) قصصا ومقالات ينال بها من الحظ السعيد والصيت البعيدما لايطمع
ان يناله كثير من الجادين المنقبين ..
ولو كنت مما يحق له ان يمنح الالقاب فى الأدب :للقبت المازنى بـ (( أمير الأدب الفكاهي )) واظن ان اغلبية قرائه يوافقوننى على هذا التلقيب.
أما كتيب المازنى: (( رحلة الحجاز )) فهو مفخرته فى فنه ، فقد كان فيه موفقا كل التوفيق،سواء فى تقريظه ونقده،وفكاهته وملاحظته ،وحسن استعراضه المفعم بروح الدعابة والمرح .
وادب المازنى على الاطلاق سخيف الموضوع،قميئه هزيله؛ لطيف الاسلوب فصيحه جذابه ؛ وهذا الاسلوب اللطيف الفصيح الخلاب هو الذى تماسكت به (( ذرات )) أدب المازني أمام جمهرة القراء ، وقد يمر القارىء بمقالات وقصص للاستاذ المازني يلوكها ولا يستسيغها الذوق السليم ، ومع ذلك ترى القراء مندفعين الى تمجيدها وتقديسها ، ويعتبرونها (( المثل الاعلى )) أو (( العالى )) على الأقل للأدب الحى الجديد فى اللغة العربية ؛ وما أشبه حال هذا النوع من الادب الفاتر الساحر بالدنيا التى قال عنها المتنبى : -
تفانى الرجال على حبها وما يحصلون على طائل
ومن يدرى : لعلى اقتبست هذا المعنى من روح المازنى نفسه ،

