الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

فى النقد :، أنفاس الربيع

Share

وصل الى يدى ديوان الشاعر - طاهر زمخشرى - الذى سماه " انفاس الربيع " وهذا الديوان طبع في دار الكتاب العربي بمصر ، ويقع فى مائة وخمس وستين صفحة من القطع المتوسط اوما فوق المتوسط والطباعة انيقة الى حد ما ، وهذا الديوان هو الثالث بالنسبة لما انتجه الشاعر من قبل ، وقد كان الاول " احلام الربيع " صدر على ما اذكر فى السنين الاولى من عشرة السبعين والثلاثمائة بعد الألف والثاني " همسات " وقد صدر في عام ١٣٧٠ إذا لم تخني الذاكرة .

وقد اهدى الشاعر الديوان الذي بين يدى الآن الى المحسن مؤسس مدارس الفلاح بمكة وجدة - محمد على زينل - ثم نجد كلمة شكر موجهة المعالي الشيخ محمد سرور الصبان الذي غمر الشاعر بفيضه واغدق عليه من خيره ورعاه .

وبعد ذلك نصل الى المقدمة التى كتبها الاستاذ السيد ( حسن كتبي ) بعنوان " شخصية باهرة " وتقع فى ثمانى صفحات وكلها عبارة عن اطراء وثناء على الحاج . محمد على زينل رضا مؤسس الفلاح ، ولمحة تاريخية سريعة عن الجهود التى بذلها

هذا الرجل في سبيل التعليم في مكة وجدة فى الايام الاخيرة اني كان التعليم مقضيا عليه في عهد الحكومة التركية ، والبعثة التى ارسلها الى الهند لتتعلم على حسابه الخاص الى آخر ما انفقه هذا الرجل من مال وما بذله من جهد فى سبيل نشر العلم والثقافة بقدر ما استطاع .

والواقع ان هذا جهد مشكور بالنسبة لهذا الرجل الذي انشأ هذه المدارس ، وبذل الكثير من ثروته حتى اضطرته الحال في بعض الظروف الى الاستعانة بحلى زوجه وبيعه لينفق قيمته على هذه المدارس كما فهمت من المقدمة نفسها . . ونحن لا ننسى هذا الفضل للمؤسس الاول ، ولكن أمامنا أو بأيدينا ديوان شعر فما علاقة هذه المقدمة التاريخية بهذا الشعر ؟ . . وقد عرفنا ان المقدمات

توضع من اجل البحث فيما نشر في الكتاب الذي يقدم له ، وهي تعنى بالمديح في اكثر الاحيان وبالتعليق من المقدم وشئ من النقد والملاحظات التى تبدو للمقدم حين يطلب اليه ان يقدم لكتاب ما وحين يقرأ هذا الكتاب ليقول رايه فيه بصراحة او مجاملا . . ولهذا فانا استبعد علاقة هذه المقدمة بهذا الديوان وان

كان الديوان نفسه قد اهدى الى الحاج محمد على زينل نفسه ، وانا لا اسأل الشاعر عن الاهداء لأنه حر فى نتاجه يقدمه الى من شاء وكيف شاء ومتى شاء ، وانما اتساءل عن علاقة المقدمة بالشعر ، ولكان ينبغي ان تعنى به كما نعرف .

  وهذا الديوان لم يتناوله احد بالنقد ولعل نقادنا فى شغل عنه أو تظن الادب كله ، ولعل لهم أعذارا : أو انهم قنعوا من النقد وما يجره من خصيومات قد يطول بها المجال وتتطور الى بأن يخرج النقد عن مقاييسه وحدوده المألوفة التى بينبغى ان يقف عندها وان لا يتعداها . . وكذلك فظن العقد الصحيح لا يغضب احدا ولا يسخط احداووان كان المؤلفون الاقلية لا تمبلغ البضعة فى أى شعب من شعوب الارض يغضبون من النقد ويضيقون به اشد الضيق لأنهم

يرونه احباطا لنتاجهم وتقويضا لما يشيدون ، ويرون كذلك انه يقلل من معنويتهم ويحط بما نالوه من حسن الصيت والاكبار من قومهم وممن يعرفهم من غييرهم ، وهذا رأى لا يقول به انسان ينتج للحياة التى يعيش فيها ويتأثر بما يبرم فيها من احداث . والانسان من حيث هو

انسان عرضة للخطأ مهما تحفظ ومهما حرص ، ولا بد للخطأ من اصلاح ولا بد لصاحبه من النصح لئلا يتكرر وقوعه في الخطأ ، وعلى يبرد . ويوحد فى الخطأ ، وعلى خذا الاساس فانى لم اقرأ سوى كلمات محدودة وهي عبارة عن ثناء على الشعر ولم اقرأ نقدا يصرف عني هذا العب وارجو الا يضيق

الاستاذ الشاعر بهذا النقد الذى لن يخرج عن مقاي النقد الصحيح السليم . .

ونصل الى الشعر فنجد فى الصفحة " ٩ " قصيدة بعنوان " دعاء " وهذا مطلعها :

الهي خطايا عدها ليس يحصر

    يضيق بها الاحساس مني وازفر

وأنا لم أجد في صدر هذا المطلع الذي ينبغى ان يكون مرآة للقصيدة ، لم اجد الجرس الموسيقى ولم اجد الروح الخفيفة ترفرف عليه ، بل وجدت تنافرا يصدم الأذن بين كلمتي - آلهى خطايا - ويتكرر هذا الثقل فى الخمسة الاببيات الاولى من القصيدة نفسها . . ويقول في البيت السادس من هذه القصيدة :

واطلقت للنفس الأثيم زمامها

   فصارت على شهواتها تتحسر

يقول الشاعر في صدر هذا البيت انه اطلق لنفسه زمامها ، ثم يقول فى عجز البيت نفسه ان نفسه صارت تنحسر على الشهوات التى وقعت فيها ، وهذا تناقض واضح . فما دام قد ترك للنفس زمامها فهى تسعى جادة ما امكنها الجهد الى ارتكاب الخطايا والوقوع فى

الشهوات . . وانما هى تتحسر على الشهوات . . وانما هى تنجسر على الشهوات إذا تركتها وثابت الى رشدها وتابت الى ربها ، أما إذا كان زمامها مطلقا فهى منغمسة فى الشهوات من غير جدا فى هذا الفهم الذى فهمته انا وخالفت الشاعر فيه . ويؤكد هذا الفهم الذى اثبته هنا قول الشاعر فى البيت السابع :

الى ان رمت بي في متاهة ضلة

   وراحت بآثمي الخطي تتعثر

ونحن البشر كلنا آثام ، وقانا الله شرور أنفسنا . . ويقول فى البيت الثامن :

اواصل سعي كل مافي جوانحي

   ذنوب وفي الخدين دمع محير

والنصف الاول من هذا البيت ركيك اذ لا انسجام بين - أواصل سعى وكل مافى جوانحى - ونحن محتاجون الى رابط يربط هاتين الجملتين ببعضها . . والبيت التاسع :

وجئت وفي الاعماق مني ندامة

    لما فات ، لكن هل على الذنب اؤجر

     ان صدر هذا البيت منسجم متسق ، ولكن عجزه ردىء والتنافر ظاهر فى هذه الحروف الثلاثة المتصلة ببعضها اتصالا مباشر الا يفصل بينها شئ وهي : لكن ، هل ، على 0٠ . والبيت العاشر :

ومابى ايام على مذبح الهوى

   نحرت ، ولكن ما اسر واستر

وأنا اعلن اننى لم افهم من هذا البيت كثيرا أو قليلا .. . والبيت الحادي عشر :

اتيت ذليلا ارتجى منك عزة

     وما ذنى الا الشقاء المقدر

كان ينبغي ان يرجو الشاعر من ربه العفو أولا لانه اقترف سيئات على ما ورد في القصيدة وعلى اية حال فالبيت جميل الى حد ما والبيت الثاني عشر جميل أيضا وهو :

اتيت كسير النفس ارجوك منعة

   وانت كريم المن تاسو وتجبر

والبيت الاخير من هذه القصيدة التى تبلغ سبعة عشر بيتا هو :

وهذا دعائي يا مجيب وأننى

      لراض لما تقضى وما انت تامر

وعجز هذا البيت غير منسجم لا سيما هذه الجملة - وما انت تأمر - والقصيدة في معناها جميلة ، وهي تذكير للنفس بالخطايا التى تقع فيها عادة والرجوع بها الى غفار هذه الخطايا ورجاء الى شملها بالعفو والغفران . واذا تركنا هذه القصيدة نجد فى الصفحة " ١٣ " قصيدة بعنوان - طلعة اليمن - ومطلعها :

اين يممت في ركابك يمن

     يملأ الأرض غبطة والسماء

والنصف الاول من البيت الثالث هو :

غبطة بهجة حبورا ويمنا

وهو عبارة عن كلمات مرصوفة ليس لها معان شاعرية . .. والبيت الخامس :

خلف استارها طل من سحاب

    ملا " القيم " و " النقا " انداء

وكلمة - طل - تنطق بكسرتين في الآخر في هذا البيت ليستقيم الوزن والذى اعرفه ان كلمة " طل " مشددة اللام . وكلنا يعرف ان الطل يسقط من السحاب ولكن الشاعر يفسر لنا ما نعرفه ، ولعله حشو لأكمال تصف البيت فحسب . . والبيت الثامن :

واذا الشعر والشعور عيون

     تتساعى الى السماء ارتقاء

اما كون الشعور عيونا فهذا شئ محتمل ومعقول . . واما ان الشعر يكون عيونا فهذا شئ لا يقبله العقل الا اذا كان لدى الشاعر تفسير له لانعرفه فارجوأن يدلنا عليه . والنصف الآخر من هذا البيت ختمه بكلمة - ارتقاء - ونحن نعرف ان التسامي الى السماء ماهو الا الارتقاء لا الهبوط ولكن الشاعر يأتي بهذه الكلمة الاخيرة من أجل القافية فقط ولم يراع المعنى . وكذلك لم افهم معني لهذه الكلمات من البيت الحادي عشر :

- يسل عزها مضاء - والبيت هو :

حاملا فوق متنه طلعة اليمن

    مليكا يسل عزما مضاء

والبيت الثالث عشر :

ويبارى براحتيه الهوامي

   ويجارى بغيضه الأنواء

ولعل كلمة - غيض - كتبت خطأ والصحة فيض ، ولكنى لم اجد فى الديوان جدول الخطأ والصواب لأستدل به على ذلك ، والبيت الرابع عشر :

لا مديحا اصوغ منه قريضي

    دع مديحي وسائل الانباء

وما ادري لمن يوجه هذا الخطاب الذي يبدأ من - دع مديحي - ولم اجد قبله من يعود عليه وكذلك بعده والبيت العشرون مكسور وهو :

فمشت في عروقنا نشوة الغبطة

   تتساب من شعورنا اصداء

فهناك حروف زائدة في - التفعيلة الاخيرة من البيت ، والقصيدة من " بحر الخفيف " . . والبيت الحادى والعشرون :

تملا الخافقين رجعا ولحنا

   يلهم الشعر والقوافي غناء

والمعنى يعود على كلمة - نشوة - التى في البيت الاول ، والذي اعرفه ان الشعر والقوافي هما اللذان يوجدان الغناء اذا ائتلفا ونظما ، والبيت الثالث بعد العشرين :

مهج صغتها فكانت قصيدا

فكيف يصح صوغ هذه المهج حتى صارت شعرا يقرؤه الناس ؟ وكيف وصل الشاعر الى المهج حتى صاغها ؟ وهل يصح هذا المعنى ؟ انا لا اعتقد ذلك ، ولو ذكر هذه المهج بالوصف لكان اصح معنى ، وهذا قريب من قول شاعر النيل المرحوم " حافظ ابراهيم " :

خمرة قيل انهم عصروها

     من خدود الملاح في يوم عرس

فما هى هذه الخمرة إذا لم تكن دماء تتقزز من ذكرها النفس وان كان موسياها جميلة وصداها اجمل بالنسبة للتصوير لا المعاني . والبيت الخامس والعشرون :

بك باليمن في ركابك بالتقوى

       بنعماء صافحت سراء

لست أعرف معنى لهذا البيت . . والبيت السابع والعشرون :

حاسر الرأس في غمار الملبين

     تريد الغفران منه عطاء

فكلمة " عطاء " جاءت هنا سدادا

للبيت وقافية له . وما معنى تريد الغفران منه عطاء ؟ وهل يكون غير ذلك الشئ الذي لا يحتاج الى تفسير وتفسيره على هذه الصورة يعتبر ابتذالا يحط من مكانة الشعر ، والبيت الثالث والثلاثون :

ومن الفعل ان رحمت نفوسا

     جاش فيها الهوى تريد اللقاء

والنصف الآخر من هذا البيت ركيك والثقل فى جملة - تريد اللقاء - والبيت الرابع والثلاثون :

هاجها الشوق والحنين زمانا

     وإلى ان قدمت طابت مساء

والنصف الاخر من هذا البيت ثقيل أيضا على النفس . . والا فما معنى : ( والى ان قدمت طابت مساء) ؟ ان هذا التعبير لا يخرج عن مجال النثر العادى . . والبيت الاخير من هذه القصيدة التى تبلغ سبعة وثلاثين بيتا :

هاتفا باسمك الحبيب لتحبا

     قدوة الشب والشباب سواء

وكلمة ( هاتف ) تعود على الكون والبيت الذي قبل هذا هو :

فاغمر الكون بالحبور وصافح

    مهجا نظمت فكانت نداء

والمعروف عند النحاة ان الضمير يعود على اقرب مدلول ، والقريب هنا - المهج - ثم ما ادرى ما هو التنظيم الذي اجرى على المهج حتى صارت نداء ؟ وما المقصود بالنداء وما معناه هنا ؟ لست ادرى ولا اعرف معنى لمهج نظمت وصارت نداء . . ولعل الاستاذ الزمخشرى يحل هذه الالغاز ان كان للالغاز مجال فى هذا الشعر او في هذه القصيدة بالذات .

وفى صفحة ١٦ " نجد قصيدة بعنوان " موكب الاعياد ومطلعها :

يا ساكني " وج " اشواق تنادينا

   الى حماكم فهاجت بعض ما فينا

اظن ان اهل اللغة لا يسوغون هذه الجملة : " فهاجت بعض ما فينا " وهل الاشياء التى ينطوى عليها جسم الانسان وحواسه كلها مؤنثة حتى توصف هذا الوصف ؛ ولكن الشاعر يفعل هذا ليستقيم له الوزن فقط . ولو قال - اهاجت - أى ان المعنى يعود على الاشواق لسلم من هذه الرداءة فى التعبير . والبيت الثاني :

وذكرتنا الليالي غير عاببسة

    تضاحك الروض من اصداء شادينا

وكلمه الليالي التى اتى بها الشاعر معرفة خطأ اذ ليس بين قارىء القصيدة والشاعر صلة حتى يعرف القارىء ما كانت تلك الليالى ولو قال - ليال - لكان اصح اذ لا حاجة للتعريف هنا وللتعريف شروط معروفة في كتب النحو . . والبيت الخامس :

ايام نلهو وعين الدهر تحرسنا

     وكاسنا الصفو ، والافراح ساقينا

ولم أعرف معنى لجملة : " والأفراح ساقينا " وما هى الا جملة مكملة للوزن ومسددة للقافية ، وهل الافراح ادوات تتحرك فتسقى الشاعر ورفاقه كؤوس الصفو ؟ . . والبيت التاسع :

فيها النسائم تسرى بالشذا عطرا

     تنافس الورق تغريدا وتلحينا

أما كون النسائم تسرى بالشذا والعطر فكلام معقول وجميل . اما كون النسائم تنافس الورق فى

التريد والتلحين فهذا مالا استسيغه ويقول :

لكن تلك الليالي عندما عصفت

      بثت شجونا من الالام تذوينا

وحرقتنا بنار من لواعجها

      وحملتنا اللظي المشبوب راضينا

ولا نقول كما قال الشجى لها

      "التنائي بديلا من تدانينا "

! والشجى الذى يذكره الشاعر هنا هو صاحب نصف البيت الأخير من هذه الأبيات الثلاثة وهو الشاعر الاندلسي ذو الوزارتين وصاحب القصيدة المشهورة التى انشأها في حب ولادة " بنت المستكفي " ، انه ابن زيدون - ومطلع هذه القصيدة :

أضحى التنافي بديلا من تدانينا

     وناب عن طيب لقيانا تجافينا

وهي قصيدة رائعة ولو كان هنا مجال لوقفت مع القارئ عليها في دراسة لا تمل ولكن ليس هذا مجالها وأرجو ان يكون ذلك في فرصة اخرى وبعد الفراغ من دراسة هذا الديوان ، وكذلك سأعني ان شاء

الله بقصيدة ابن زيدون الاخرى التى مطلعها :

ما على ظني بأس

         يجرح الدهر ويأسو

وقد نظم هذه القصيدة السينية فى السجن وبعث بها الى صديقه الوزير الكاتب - ابي حفص بن برد -

وقصيدة الاستاذ الزمخشرى موكب الاعياد هذه جميلة وقد قرأتها وطربت لها ، وهى وحدة لا تتجزأ وعلى القارىء ان يرجع اليها فى الديوان فيقرأها ولو كان في هذه المجلة متسع بعد نشر هذه الدراسة لأثبت هذه القصيدة التى تبلغ السابعة بعد الثلاثين من الاببيات ويكفى ان هذا الموضوع يشغل صفحات من مجلة المنهل ولعلى لا استحق هذه الصفحات كلها لان للكتاب الآخرين نصيبا فيها ينبغي ان ينالوه ، ولعلهم احق مني به لانهم رواد هذه المجلة من قديم ، أما أنا فحديث عهد بها وان كانت صلتى مع صاحبها الفاضل قديمة بالنسبة لتاريخ حياتي الادبية . ( للبحث صلة ) عبد الفتاح ابو مدين

اشترك في نشرتنا البريدية