أن تغمض عينيك وتسوح . . وتهيم شراعا مطلقا الى غير غاية
أن تسكت هدير الحاضر باشارة منك . . بلمحة من وجدانك فيسلس لك ويلين كأنه القط الصغير عند قدميك فى وداعة وسكون . . قد انطوى على ذاته حتى لا تشعر بوجوده ، وتطامن أصغر ما يكون الحلم ! الحلم ملاذك الأخير !
لكأن الزمن توقف . . لقد خفت نبضه الثائر الصاخب . . وكأن تيار النفس كف عن اطراده وفيضانه .
لقد تراجعت أمواجه وانقلبت الذات ينصب بعضها فى بعض كأنها النهر انعكس مجراه قد شاقته أمومة الينابيع
ها قد وقعت فى شباك الماضى . . فى أسلاكه الشديدة الرخوة . . أرود أعماقه وأسبح كما أشاء فى أغواره
وأطوف ثم أطوف كأنى أدور حول ذاتى لا أريم . . سجينا مرسلا فى ملكوت لا حد له
ما أبدع أنوار الحلم كأنها الوجوه المشرقة الوضاءة تزيد فى فتنتها الحجب الرقيقة والاقنعة الشفافة !
يا لها عتمة ثرية خصبة تزخر بالصور والاطياف . . نبعا فائرا . . غيثا هاطلا ينغمس فيه كيانى أتشمم برده ونداه . . وأمرح فى سيله الدافق مرح الصبى الغرير !
انى أحس دبيب النسغ يعلو هبوطا . . وتمتد الجذور وتتمطى ، وتغوص أعمق فأعمق ، تعتنق التربة الام فى لهفة النائى الغريب رفعت عنه حرقة اليتم ومرارة الحرمان
لقد هبطت ذاتى الى ذاتى تتنسم الحياة . . كالنبتة البحرية تنتعش وتزدهر فى ظلمة الاعماق
لقد اتحدت بالجذور . . ان أنا الا جذور صادفت القرار
أنا الآن فى القسم . . بالمدرسة . والساعة أجمل ما تكون . . عشية ربيع . . سماء لطيفة رقيقة الغيوم ، وكأنى غائب عن هذا المكان بل أنا فى الحقيقة حاضر غائب وقريب بعيد
هؤلاء الفتية والفتيات قد انكبوا على الدرس أمامى . . لكأن حدود ذواتهم انفرجت وتراخت اتساعا وشمولا فاذا أنا أرى من خلالهم وجوها عديدة لا حصر لها . . وجوها معروفة مألوفة وأخرى لا اكاد أتبينها .
أأشخاص تميزت ملامحهم وهيآتهم وتفرد كيانهم ! ؟
بل رموز حية حفلت كثرة وتعددا . . حضور جماعى زاخر تداخلت وامتزجت فيه الوجوه والتبست الصور والاطياف فى دوامة باهرة الاشعاع تتردد بين الحاضر والماضى وتنبثق منهما معا !
بساط عجيب اشتبكت فيه الخطوط والالوان وتسامت اشراقا وانسجاما . . كذا نسيج الماضى معان متداعية موافقات غريبة وأصداء متجاوبة .
هؤلاء التلامذة يشملهم بصرى كتلة بين النكرة والمعرفة مزيج منهما . . شخصية مشاعة غريبة مأنوسة ، أتحسس من وراءها كيانا غامضا مترامى الاطراف بعيد القرار ، تطالعنى منه أجيال وأجيال أنا الآن فى هذه اللحظة بالذات حافزها المشترك والمشرف عليها الوحيد
وعبثا تحدجنى نظرة تشع ذكاء ويحاول وجه وسيم ان يتميز ويبرز بين الحاضرين ، ويستأثر بلفتة عطف دون الجميع ، يريد ان يجذبنى ويشدنى اليه . . سرعان ما استعيد حريتى وعدالتى وحيادى الابوى بين هذه الجماعة المتكاثرة المجهولة . . فى رحاب هذه الاسرة المحببة الصديقة .
ها انا كما كنت ، بفضل اخوانى ، لا تفاوت فى الوجود . . تمام الاستواء وتمام التجدد . . شباب لا يبلى ولا ينضب تملأنى لذة فريدة قاسية هى طعم الديمومة العابرة والخلود المتناهى المجدد .

