لما اختار " عبد الملك بن مروان " حسان بن النعمان قائدا على جيوش افريقية امره ان يقيم مع عسكره - بادىء ذى بدء - فى مصر حتى ينتهى من مشكلة " ابن الزبير " فلما انتهى منها ، كتب اليه يطلب المسير الى افريقية وقال له : " انى قد أطلقت يدك فى أموال مصر فأعط من معك ومن ورد عليك ، واعط الناس واخرج الى بلاد افريقية على بركة الله وعونه ( 1 ) ، فخرج الى افريقية فى جيش هائل ، وانضم اليه " هلال بن ثروان اللواتى " - في افريقية - ومعه عدد آخر من المسلمين البربر
كان يهدف الى محاربة الروم في " قرطاجنة " ، فلما وصل الى " القيروان " سأل اهل " افريقية " : من أعظم الملوك بها قدرا ؟ قالوا : صاحب " قرطاجنه " دار ملك افريقية . . فسار " حسان " حتى نزل فى " ترشيش " على شاطىء البحر . وهناك استطاع أن يدبر أمره فى احكام خطته لحصار " قرطاجنة " ونجح فى الحاق الهزيمة بالروم فيها .
ظل البيزنطيون يتحينون الفرصة - بعد هزيمتهم في قرطاجنة وسقوطها فى ايدى المسلمين لاسترداد هذه المدينة ، فأدرك حسان " أن هذه المدينة لو تركت هكذا فانها ستشكل خطرا على الفتح الاسلامى لافريقية ، ولهذا رأى من المصلحة لجيش المسلمين أن يهدمها فأمر بهدمها وتخريب عمرانها
وفى سنه 78 ه اعد الامبراطور " ليونتيوس " حملة بحرية بقيادة البطريق " يوحنا " أغارت على قرطاجنة ونهبتها وقتلت من بها من المسلمين !
فى هذه الاثناء كان قد انسحب بجيشه الى ( برقة ) منتظرا الامدادات التى وعده بها الخليفة " عبد الملك بن مروان " بعد انتصار الكاهنة - بجيشها - عليه وأسرها لثمانين من رجاله ، وقد استمر - فى برقة - منتظرا هذه الامدادات ثلاث سنوات وذكر ابن عذابى : " أنه أقام بها - أى ببرقة خمس سنين " ( 3 ) .
استطاع " حسان " بهذه الامدادات - التى كانت ضخمة - أن يلحق الهزيمة الساحقة " بالكاهنة " ويقتلها سنة 82 ه ، واستمر فى زحفه على " قرطاجنة " لتطهيرها من البيزنطيين مما اضطر هؤلاء الى الفرار بحرا ، واسترد " حسان " المدينة
شعر " حسان " وهو فى قرطاجنة - هذه المرة - أنه من السهل على البيزنطيين أن يفاجئوه - دائما - بالهجوم عليها من البحر ، ولهذا رأى أن يقيم تجاهها مدينة عربية اسلامية تشرف على مدخلها فلم يجد مكانا مناسبا الا ترشيش تلك القرية القديمة التى كان قد نزلها هو وجيشه ودبر فيها خطته بالحكمة لحصار " قرطاجنة " أول مرة ، وهي تبعد نحو 12 ميلا شرقي قرطاجنة . ويصلها بها طريق رومانى
ولما شرع فى تأسيس مدينته - التى هى تونس - فى هذا المكان - الذي هو ترشيش - ، اتصل بعبد الملك بن مروان مباشرة ، يطلب منه أن يزوده بجماعة من الاقباط ليستخدمهم فى تأسيس دار لصناعة الاسطول ، فكتب عبد الملك الى أخيه عبد العزيز يأمره أن يوجه الى ألف قبطي بأهله وولده وان يحملهم من مصر ويحسن عونهم حتى يصلوا الى " ترشيش " - التى هى تونس - . وقد أقام " حسان " فى هذه المدينة دارا للامارة وثكنات للجند المرابطة وحفر اليها البحر . كذلك فانه نجح فى جعلها ميناء بحريا هاما وقدر لهذه المدينة الصغيرة أن تصبح أعظم ثغور افريقيا بعد ذلك بثلاثين عاما على يدى عبيد الله بن الحبحاب فقد نمت واتسع عمرانها وأقبل اليها الناس يستوطنونها .
وموقع تونس حسن جدا من الوجهة الاقتصادية ، فهى على المخارج من أواسط جمهورية تونس ، وفى موضع جد خصيب ، قريبة من البحر والسواحل
الاوربية ، ولم يكن لها فى عهود الوندال والبييزنطيين شأن كبير ولكنها بعد الفتح الاسلامى خرجت الى النور وسجل اسمها فى صفحات التاريخ بوصفها المدينة الاسلامية التى ورثت بعض مفاخر قرطاجنة ، ثم سرعان ما أخذت تنافس القيروان .
ولسنا نعرف عن هذه المدينة - فى هذه الفترة - شيئا محققا وكل الذى نتبينه ظنون يشوبها الابهام عن أصل مختلف الشعوب التى نزحت اليها فقد نزلها تجار وعمال نصارى ثم أخذ سكانها يتضاعفون بمن اسلم من اهلها ومن انضم اليهم من الجند العرب
والمسجد الجامع هو أول بناء اسلامي شيد للعبادة وقد ظل قبلة أهل المدينة قرونا ، وهو الجامع المعروف " بجامع الزيتونة " وقد سمى كذلك نسبة الى القديسة زيتونة التى عاشت زمن الوندال ( 4 )
وتقول بعض الروايات : ان الذى شيده هو " ابن الحبحاب " ، الذى جدد ايضا " دار الصناعة " .
ويمكن القول : إن تونس لم تكن كالقيروان فى انتظام نشأتها فقد نمت فجأة وتهيأت لشأنها الجديد الذي أملته الظروف وارادة فاتحها البعيد النظر ولم يكن ذلك طفرة ولكن تم على مراحل
اشتهرت مدينة " تونس " ابان القرنين الثالث والرابع الهجريين باتساع تجارتها كما اشتهرت بصفة خاصة بتدريس الفقه وعلوم الدين ، فكان فيها - قبل أن يرتفع صيت القيروان - علماء مبرزون ساهموا بدروسهم في نشر الاسلام بين ربوع البلاد منهم المحدثان : بن زياد " و عباس بن الوليد الفارسي وقد صنف أبو العرب التميمي في مستهل العهد الفاطمي رسالة مفيدة فى طبقات هؤلاء العلماء التونسيين الاول ، كذلك أضيفت الى المسجد الجامع بنايات دعت اليها الضرورة كما ادخلت عليه تعديلات هامة فى عصر الاغالبه ، وكان من اليسير تشييد الابنية الدينية وغيرها فى تونس ، نظرا لامكان جلب بقايا " قرطاجنة " ، التى هدمت - وكانت قريبة منها من حجر ومرمر وعمد وتيجان
كانت تونس مركز معارضة السلطان المنبعث من القيروان ، فنراها اشتركت فى معظم الفتن التى أخمدها عمال الامويين والعباسيين ثم أمراء الاغالبة ، وقد رأى ابراهيم الثاني ( الاغلبي ) ، أن يضبط أمورها بنقل بلاطه وحكومته اليها سنة 281 ه ، وشيد لهذا الغرض عددا من المبانى منها " القصبة " ولكن قفل راجعا الى " رقادة " بعد عامين اثنين ، ولم تكن الاسباب قد تهيأت بعد لكى " تصبح " قصبة افريقية .
جاء خلفاء الفاطميين فتعمدوا اهمال مدينة " تونس " بجعل قصبتهم " القيروان " أو " المهدية " التى انشؤوها ، وقد شهد " ابن حوقل " بما كانت عليه " تونس " من ازدهار فأطنب فى الاشادة بوفرة غلاتها ، وحسن موقعها وثراء أهلها ورى البساتين التى حولها بالطواحين المائية ( 5 ) ، وزاد " البكرى " تفاصيل أخرى فذكر الاسوار والخندق والابواب الخمسة التى هى :
باب الجزيرة فى الجنوب ، وباب قرطاجنة فى الشرق وباب السقائين و باب فى الغرب ، وباب البحر . . كما أعجب بأسواقها العامرة وحماماتها وبالمسجد الجامع وكثرة زادها من الفواكه والسمك ولم يفته ان يذكر فخارها ( 6 ) .
وظلت " تونس فى أمن ورخاء حتى غزاها العرب الهلالية ، فطلبت الامن ودخلت فى طاعة " الناصر الحمادى " صاحب القلعة فأرسل اليها عامله . عبد الحق بن خراسان الصنهاجى سنة 451 ه الذى سرعان ما جاهر باستقلاله وتأسست بذلك أول دولة تونسية .
مكنت هذه الدولة لنفسها قرنا من الزمان الا عشرين عاما حتى غزاها الموحدون بعد ذلك بقرن على التحقيق ، وجار عليها أول الامر " الرباحية " من بني على ، فصالحتهم تونس على جزية سنوية لتأمن غاراتهم ، ولكن عكر صفوها في الوقت نفسه شبوب الفتن والاحزاب المتنافسة ، والتنابذ بين الاحياء المختلفة ، ومع ذلك فقد بدأت تجارتها فى البحر تنفق فى هذا العهد المضطر فانتظمت تجارتها مع ايطاليا وغيرها من دول البحر المتوسط وتمت ، فأدى ذلك الى رخاء لم يكن في الحسبان
وقد كان لبني خراسان أنفسهم نصيب كبير فى ترقية مدينة " تونس " وازدهارها فحصنها أحمد - وهو أعظم امرائهم - وبني الاسوار وشيد القصر وربما كان المسجد المعروف - بجامع القصر - متصلا به فى أول الامر
هذا وتحددت هيئة " تونس " عندما قامت ضاحيتاها الكبيرتان : باب سويقة وباب الجزيرة ، وهما يمتدان شمالى المدينة وجنوبها ، وأخذ شأنها يعظم حتى أصبحت قصبة افريقية وقد ظل هذا حالها منذ عهد عبد المؤمن سنة 554 ه الى وقتنا هذا واندمج تاريخها السياسي فى تاريخ جمهورية تونس
وفي ظل الحفصيين تمتعت بالامن والرخاء وزيادة المنشآت المختلفة ، التى من أهمها " جامع السلطان " ومسجد القصبة الذى كانت مئذنته على النمط الموحدى الخالص ، وخزانة الكتب التى بددها ابن اللحاني ثم مدرسة " الشماعية " بالقرب من سوق الشماعين القديم ، وكانت أول مدرسة فتحت فى شمال افريقيا والمدرسة التوفيقية ومدرسة المعرض في سوق الكتبيين وقد بنيت مكان فندق كان يؤمه شاربو الخمر .
وقد أسبحت تونس في القرن التاسع الهجري قريبة الشبه بتونس الحالية حيث امتدت من الشمال الى الجنوب ، وكانت تنحصر بين القصبة من ناحية الغرب وبين باب البحر من ناحية الشرق ، وهذا الباب يفتح على دار الصناعة ومنها الى البحيرة وفي منتصف هذا المرقي وفي وسط المدينة يوجد المسجد الكبير وتفتح أبوابه على الاسواق الجديدة المحيطة به .
كانت تجاور باب البحر عدة فنادق يتوزعها تجار النصارى فلما ضاقت بهم هذه البقعه بادروا إلى بناء حي صغير خاص بهم خارج الباب ( وهو الصورة الاولى للحى الاوربى ) وكانت الدور تبنى متلاصقة لافسحة بينها ولا رحبة للأسواق والمحافل .
أما الاحياء الخارجية فهي أحدث عهدا وأقل زحاما وفيها رحبات واسعة يبيع الناس فيها ويشترون ، ويحمى كل حي من هذه الاحياء سور خارجي ينتهى عند القصبة .
وقد اعتزت " تونس " بمن خرجتهم من الفقهاء والادباء والعلماء الذين ازداد عددهم على مر الايام وكانت للمسلمين المهاجرين من الاندلس مشاركة قيمة فى النهوض بدراسة الادب وفقه المالكية منهم : ابن الابار وابن الغماز وقد وفدوا من بلنسيه وبنو عصفور من اشبيليه ، وكذلك بنو خلدون اجداد ابن خلدون مؤرخ افريقية الاشهر
وكان القرن العاشر الهجرى ، فاستقرت أمور تونس سياسيا ولهذا نرى أن حركة البناء قد نشطت نشاطا ملحوظا فأبو فارس وحفيده أبو عمر عثمان ( من بني مرين ) انشأ خزانتى كتب وبعض المدارس وبيمارستانا اسلاميا فيها وعدة زوايا فى الاحياء الملحقة ويتضح من قرائتنا للمراجع المختلفة أن التجارة آخذه بأسباب الرقى فى هذا الوقت حيث كانت " تونس " على اتصال مستمر بأوربا وكانت بها الاسواق العديدة : للزيت والخضر والفحم الحجرى وللنحاسين ولصانعي السلال
وكان القرن الحادى عشر الهجرى يسوده الاضطراب فأصبحت المدينة من أغراض الترك والاسبان فى حروبهم الطويلة ، وفر أهلها - فى جمع واحد - أمام النصارى
وعندما رحب " الداى عثمان " بعرب الاندلس ، عقب خروجهم منها بعد طرد فيليب الثالث لهم ، أخذت العمارة في الازدهار ، وأقام أهل الحضر من الاندلسيين فى حيين اثنين من تونس " هما : شارع الاندلس جنوب غربى المدينة وحومة الاندلس بالقرب من موضع الحلفاوين . . والاندلسيون هم الذين ادخلوا صناعة القلانس الحمر الى تونس
وفي أواخر القرن الحادى عشر وبداية القرن الثاني عشر الهجريين سادت القلاقل السياسية واحتل أهل الجزائر تونس مرتين وصحبت ذلك فتن سفكت فيها الدماء ولم تكن الاسوار من المناعة بحيث ترد هجوما عنيفا ولم يتبع في بنائها قاعدة من قواعد التحصين
وجاء الاحتلال الفرنسى سنة 1881 م فاحدث تطورات خطيرة فى تونس كان لها أثرها فى " دفع الحركة الوطنية التونسية " الى استمرار الكفاح والنضال ضد وجوده . . مما أدى فى النهاية الى حصول تونس على استقلالها الوطني ( * ) .

