تحصلت على نسخة من هذا الديوان منذ سنوات عندما كنت طالبا بالمدسة الثانوية وقد قرأته بشوق وحرارة لانني وجدت فيه دفئا وروحا حزينة يترنم بها بلبل من بلادى العزيزة وعدت هذه الايام اليه فظهرت لى اثناء قراءتى له بعض الانطباعات الجميلة وبعض الملاحظات التى كان من الواجب تلافيها فى ديوان مثل هذا الديوان وفي تجديد مثل هذا التجديد . فالشاعر لم يبك سلمي وليلي ولم يبدأ قصائده بمثل هذه الغزليات بل نجده يطرق الهدف ويصور الصور الحية التى يريدها في خيال بديع وملكة جبارة تدل على سرعة البديهة والطبيعة الشعرية التى يفتقر لها بعض
شعرائنا . فالشعر ليس الوزن كما يقولون فقط بل ان الوزن والتفعيلات من دعائم الشعر الصحيح والعاطفة وقدرة تصوير هذه العاطفة هما عنصران اساسيان ايضا . العاطفة الصادقة هي الشعر . هي التعبير الحي الذي يجعلك تحس وتلمس ان يدا خفية تربت على كتفيك وتقول لك هناك صور الشاعر المنظر بصورة بديعة وهنا اجاد وهناك يجب ان يقول غير هذا . وشاعرنا الذي نتحدث عنه من النوع الرومانتيكي والكلاسيكى فى آن واحد . جديد في تصويره محافظ على مقومات الشعر وهناك رمزية خفيفة ينفس بها عن ماسيه ونفسيته المتألمة وبعد هذه المقدمة القصيرة نتناول الديوان من مقدمته :
مقدمة الديوان :
هذه المقدمة كتبها الاستاذ الشاعر عبد السلام هاشم حافظ وهو زميل وصديق لشاعرنا الاستاذ محمد هاشم رشيد ولكنها جاءت مقتضبة لم توف الديوان حقه من التمحيص بل انها عبارة عن تصوير مختصر لتطور الشعر في الشرق العربي . والحقيقة
انه يجب ان تكون هذه المقدمة بغير هذا الشكل يجب ان تصور لنا الشاعر كما هو من ديوانه ، من خيالاته ، من صوره ، من عاطفته ، من نفسيته ، من كل هذه العوامل مجتمعة . . فمقدمات الدواوين الشعرية خاصة يجب ان تحلل وتدرس وتستشهد وتنتقد ايضا . وما هى الا دليل يسير معه القارئ فربما ان القارئ لا يستطيع ان يفهم كل شئ من المساوىء او المحاسن الموجودة مثلا داخل الديوان لانه ليس من اختصاصه ان يدرس ذلك وبذلك تكون فكرته عن الديوان وصاحبه محدودة ، اما إذا جاءت المقدمة دراسة تحليلية وافية فانها تجعل القارئ يقبل على الديوان ويستطيع ان يستجلى ما فيه . ويعجبنا بهذه المناسبة فى بعض الدواوين ان نجد الاشخاص الذين كتبوا مقدماتها ينتقدون الناظم فلا يتركون جليلة ولا صغيرة له الا ذكروها على ضوء معرفتهم .
الديوان نفسه :
رغم ان الديوان يحتوى بين دفتيه على قصائد من نوع مختار وعال جدا الا ان
ذهبت بجمال هذه الالواح التى ابدعتها الاخطاء المطبعية الكثيرة والطباعة الرديئة عاطفة الشاعر العاطفي . . وغلاف الديوان نفسه يجب ان يكون غير هذا . اما الصور الموجودة داخل هذا الديوان فسوف نذكر التعليق عليها عند مناقشة قصائده .
الشاعر من خلال ديوانه . .
الشاعر هنا نفس حزينة وامل طوحت به الحوادث وزهرة ذوت قبل اقتطافها تكاد جميع القصائد تكون صورة معبرة عن نفسية متأثرة بهذه الحياة وقلب جرىء تكاتفت عليه الأيام .
قصائد الديوان :
بعد مقدمة الديوان قصة السراب بقلم الشاعر نفسه واستطيع هنا ان اسميها صورة شعرية استطاع ان يوضح فيها ما فى قصائد الديوان جميعها فهى صورة طبعية مليئة بالاخيلة والصور المعبرة انها شعر ولا شك ولنقرأ معه هذه الاسطر من قصة السراب) : " كان كالعليل الحائر ينتقل من فنن الى فنن ومن زهرة إلى زهرة ثم يعود مع الليل الى عشه المتواضع ليصبح على جناح الاحلام فوق الزهور والأفنان ويطوف على حنايا الروض يبحث عن أمله المفقود وحلمه الضائع " . ان هذه العبارات جاءت كالشعر ولذا رأيت ان اجعلها من قصائد الديوان ويجب ان اجعلها تحت عنوان الشاعر من خلال ديوانه لما تصور لنا من فترة عصيبة فى حياة هذا الشاعر . انها صورة صحيحة لا تكلف فيها جاءت كالشعر وليست من الشعر ومن خلال تكملة قراءة هذا الفصل نفهم من ذلك ان الشاعر كان حائرا ومعذبا وتحطمت جميع اماله ثم عادت
الحياة اليه بنعيمها وفردوسها وسكنت آلامه وأطل الربيع على عشه المتواضع ثم عادت عليه الحياة ببؤسها فكرها وتحطم قلبه واصبح كالفراشة يرفرف بجناحيه باحثا عن طريقة الى النجاة .
والآن ننتقل الى القصيدة الاولى فى الديوان وهي بعنوان ( انا) . يقول فيها :
انا فى لجة الحياة شعاع
مشرق النور رائع اللمحات
عمى الناس عن سناه فأمسى
ضائعا فى مسارح الظلمات
ثم اخذ يتحدث عن نفسه انه نبع وروض وببلبل وساقي الغرام للندمي ولكن كل هذه المميزات ضاعت وذوت برام من لا يقدرها وامام نكبات الحياة ومصايبها . وها هو فى البيت الثاني من البيتين اللذين اوردتهما آنفا يصور حالته وكيف ان الناس هنا قد عموا عن هذا الشاعر وسناه وروائعه الجميلة حتى أمسى ضائعا في الظلمات . وكأني به يقول : ( ليس هنا من يقدر فنى وشدوى )
وننتقل الى قصيدته الثانية التى هي تحت عنوان : ( قلبي ) وكاني به قد انشدها فى الفترة التى كانت السعادة تحوط قلبه وتضفى عليه ثوبا قشيبا من ثيابها فها هو يقول :
يا ويح قلبي نال . . اقصى المنى
وذاق خمر الحنان
ففيم يشكو الزمان ؟
كلمات عذبة وصور خيالية بديعة سهلة الفهم كبيرة المعنى . تصوروا مع مقطع (أقصى المنى ) وما فيه من معنى لو حاولنا تفسيره انها السعادة المتناهية والروحانية المطمئنة ، لا شكوى من الزمان ، ولا تذمر وهو هنا يلوم قلبه الذى لا يفتا يشكو ويتألم مهما تكن سعادته لان سعادته لا تدرك
فسعادته قيثاره والحانه . . وايمان شاعرنا قوى بربه وهو يخاطبه بقوله :
عرفتك يا رب سر الخلود
وكنه الجمال وروح الوجود
عرفتك حين طوانى الظلام
وعانقني شعلة من غرام
وامسيت فى لجة مستهام
احدق فى الكون والكون نام
فايمانه العميق يعرف قدرة الله في كل شئ وفى كل ساعة من ساعات فرحه والمه . ثم نجد الشاعر في قصيدة : ( من انت ) يتجاهل الوجود فيقول :
من انت انى قد جهلت الوجود
وعشت فى الارض كانبى سجين
وهو هنا يخاطب محبوبته المجهولة التى شبهها بموجة النور ونور القمر والشعاع . والبدر لا فتنة فيه إذا لم يكن لآلاؤه من صدرها الناهد . انها صور بديعة عندما يقول لها :
وانت ما انت اذا لم يكن
هذا الشعاع العذب من جبهتك
والبدر ما البدر ؟ إذا لم يكن
لألاؤه من صدرك الناهد
ولكنني اجدني أهمس له لماذا جعلتك هذه المجهولة تجهل الوجود وتبقى سجينا فى هذه الارض الرحبة فالمحبوب عندما يكون على وفاق مع حبيبته لا تضيق عليه الارض ولا يبقى سجينا بل الدنيا لا تسعه كلها .
ثم نجده في قصيدة ( ابسمى ) يخاطبها ايضا ويصور لها جانبا من آلامه ويصف لها جراح قلبه الدامية ويعود فيقول : انني غريب عن الوجود . . لانه لا يعرف الهناء الا لديها . وكأني بها ما زالت مصرة على صده وهجرانه فهو فى القصيدة يتجاهل الوجود وهنا يتجاهل وجوده فيقول :
وكئيب اهيم فى ظلمة السجن
ونور الحياة فى مقلتيك
كغريب عن الوجود لانى
لست القى الهناء الا لديك
ثم يتوسل اليها ان تبتسم . وما اعجب هذا التوسل وما ابدعه حين يقول :
فابسمى بسمة الحنان وكوني
فى هجر الحياة عشى وأيكى
انها صورة بديعة يحسد عليها شاعرنا العاطفي الرقيق وهنا تظهر عاطفته الصادقة كما قلت فى المقدمة ، عندما تبتسم محبوبته ، فتكون الجنة والروضة الغناء التى يلجأ اليها عندما يشتد عليه هجير الحب وتحرق قلبه نيران الهوى الشريف .
وعندما يوجد اناس تسكرهم الكؤوس ورحيقها نجد شاعرنا هذا لا تسكره الا من احلامه : انه وزهوره والحانه وانغامه وامانيه يقول :
ورحيق الخلد فى كفى فخذ
رشفة من شفة لكاس وهات
قلت : دعنى بين احلامي فما
خمرتي ( ١ ) غير الجفون الساحرات
في سناها خفقت روحى كما
يخفق البلبل بين الزهرات
وشدا قلبي بألحان المنى
وتهادى فى رفيف النغمات
وفي قصيدته ( زورة ) نجده يصور حالة الفتاة التى تنظر الى حبيبها خلسة من خلال الشرفة كيلا يراهما الناس وتطيل النظر اليه الساعات الطوال لا يثنيها عن ذلك البرد الشديد ولا السهر الطويل وحبه وحبها عنيفان وعاطفتهما شديدة ولكنها سرعان ما
تبتئس عندما لا تجد معشوقها فى الشرفة كعادته فلا تسعها الدنيا من القلق وتسأل نفسها عن السبب هل نسيها ونسى عهدها القديم ام ماذا ؟ وهل هو مريض ؟ ثم تسعى للقائه فيتم اللقاء وتعاتبه ويشرح لها موقفه ثم يقول لها فى رنة حزينة :
فكفكفى الدمع من عينيك واغتربى
فهدهدية بمعسول الاناشيد
انا الذى عشت فى اهلى وفى وطنى
كاننى هائم فى ظلمة البيد
انها المصيبة المتناهية ان يعيش احدنا غريبا هائما فى وطنه وبين ذويه . ولكنني كما قلت فنفسية الشاعر ومآسيه صورت له ذلك وقد صورها فى قصيدة : ( انا ) وهي أولى قصائد الديوان :
نعم البلبل لا يغني الا في روضه ، والزهر لا يبق الا في حقله ، والندى لا يجمل الا على زهره ، والشعر لا يعذب الا اذا كانت له دواعيه واسبابه ، وهذا مبدأ شاعرنا نفهم ذلك من ابياته :
ايها اللائم لا تعتبر فلم
يذهب الدهر بانغامى ولحنى
اننى ما زلت نايا . . خالدا
مستطار الروح مشبوب التمنى
غير ان الناى لا يشدو . . بلا
شفة تسكب فيه ما يغنى
ثم يقول :
غير ان العود لا يشدو إذا
لم يكن ما بين احضان المغني
وكأني به قد انشدها ايضا ، لينفس بها عن حالة من حالاته النفسية عندما كان الالم يطوح بشراعه والعواصف تقذف به ذات اليمين وذات الشمال ، بين اليأس والامل .
ثم ننتقل الى قصيدته ( تحت الظلال ) وهي قصيدة جميلة بها خيالات لطيفة
وعبارات ممتازة بدون تكلف ولكن لفت نظرى الصورة والرسم الذى كتب تحته هذا البيت :
باسما تمرح فوق العشب او تحت الظلال
بيت جميل والصورة عبرت عن غير مضمونه . . عن صورة عارية فالتى تمرح فوق العشب ليست هكذا ولا التى تمرح فى الظلال مثل هذه وليس الجمال الا فى الطبيعة الحقيقية انما جاءت هذه الصورة متكلفة لا تعبر عن معنى القصيدة . انا لست رساما ولكن هذا رأيي . فلعل احد الرساعين من ابناء وطني يطلع على الديوان ويعطينا رأيه .
والدبوان ملء بالقصائد الحميلة كما قلت ومنها : " فى ارجوحة القدر " ، " اللحن الخالد " ، " الطبيعة الخرساء " والرسم الموضوع فى هذه القصيدة لا اعلم من اين استقاه الرسام فليس فى القصيدة بيت يدل علم هذا الرسم وان دل على جزء منه .
ومن القصائد الجميلة ايضا :(أذكريني) ( هل تذكرينى ).
وفي الديوان قصيدة من الشعر المرسل عنوانها ( الشعاع المتوارى ) وهى جميلة ولولا ضيق المجال لنقلت للقارئ صورة منها ( ٢) . وقصيدته ( وراء السراب ) التى اخذ منها عنوان الديوان ليست الا قطعة شعرية جميلة بها عذوبة وسلاسة ، وفيها يخاطب قلبه وكأني به قد ألف المآسى فى النهاية حيث يقول :
اسفا يا قلبي المخدوع كم تطلب ريا
وترى فى الظلمة الدكناء فجرا شاعريا
ان ماضى حبنا الزاهى دفناه سويا
فدع الاحلام انى عدت أحيا واقعيا
هنا ينجرف شاعرنا مع الواقع ويترك اوهامه وأمانيه ويطمع فى ان يحققها عن طريق الواقع الذي يعيش فيه يعيشه ويعيش فيه معه الناس . واعتقد انكم لستم في حاجة الى ان احدثكم عن هذا الواقع .
ثم قصيدته ( ليلة الميلاد ) ميلاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من اروع قصائد ديوانه وكذا وكذا قصيدتاه : ( فلنهاجر)( ضحايا الانسانية) .
ونعود الى قصيدته ( لا يا فؤدى ) التى يقول فهيا :
لا يا فؤادى حسب روحى الاسى
وحسبك النار التى فى الضلوع
فكفكف الدمع فان الهوى
احقر من ان يستدر الدموع
والحقيقة ان الهوى الحقيقي هو الذي يستدر الدموع الحارة والصادقة لا كما يقول شاعرنا ، ولكنى اعتقد ان هذا من شدة بلواه
فهو يريد ان يسلى نفسه وقلبه والا فلماذا يخاطب قلبه بقوله :
وفيم تبكى وتبث الشجون
وتندب الروض الذى صوحا
ولو ان الهوى احقر من ان يستدر دموع المحب ما بكى فؤاد شاعرنا وبث شجونه لو كان مقتنعا بان الهوى احقر من سكب الدموع وانما الشاعر يغالطنا بهذه الصورة ، فهو يريد ان ينفس عن نفسه ويوهمها ان حبه لا يستحق ان يبكى عليه وهذه صورة معبرة عن درجة متناهية من الالم المبرح بقلبه .
واخيرا آمل ان يقرأ الاستاذ الشاعر محمد هاشم رشيد هذه النبذة البسيطة عن ديوانه بصدر رحب وان يعيد طبعه بحلة قشيبة خالية من الاخطاء المطبعية والمجاملات الادبية ونحن فى انتظار ديوانية اللذين ابدى انهما تحت الطبع في آخر ديوانه لنعيش مع عواطفه وروحه الرقيقة ساعات جميلة فهو بلبل من بلادى وان لم اقل احسنها فهو من اصدقها وأكثرها خيالا وعاطفة .

