الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

فى مستهل العام الخامس والعشرين

Share

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين ، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته اجمعين ، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين

اما بعد فانه بهذا الجزء تدخل مجلة " المنهل " عامها الخامس والثلاثين ، وان صاحبها ورئيس تحريرها - كاتب هذه السطور - ليحمد الله تعالى ، ويشكره ويثني عليه بما هو أهله ، حيال ما انعم به ووفق اليه ، من استمرار صدور هذه المجلة طيلة هذا الأمد المديد من الزمن ، الذي تهاوت فيه زميلات لها كانت اقوى منها قوة واعظم مادة ، واوفر واردات . وفي الوقت ذاته نرجوه جل وعلا وهو اكرم مرجو ، ان بوفق الى استمرار هذا الصدور فى جورحب مؤنس ، حتى يصل المنهل الى مستوى المجلات العالمية ذات الاثر الايجابي السديد ، فى نشر علم مثمر ، وفي نشر بيان مزدهر وفي توجيه صائب وراشد . واراني في هذا الموقف اتمثل مرة اخرى بقول الشاعر :

كما احسن الله فيما مضى                                  كذلك يحسن فيما بقى

واني وان كنت المس مباشرة وجوه النقص ، ووجوه الضعف ، ووجوه القصور فى هذه المجلة بسبب ضعف الموارد المالية ، فانني مع ذلك الاحظ وجود بعض المزايا فيها ، ومن بين هذه المزايا ان هناك خيطا دقيقا قويا من انسجام يربط بين الاعداد الماضية والاعداد الحاضرة ، فانت حينما تقرا اوائل الأعداد ، وتقرأ الى جانبها بعض الأعداد الحديثة تشعر بوجود هذا الرابط المعنوى بينهما ، ولا بد انك إذا امعنت النظر تدرك انك كمن يقرأ كتابا ضخما ذا أجزاء متسلسلة ، وذا موضوعات منوعة ولكنها منسجمة الهدف والغايات والاتجاه .

طموح المنهل وتقديره لمشجعيه

وكان المنهل وما يزال ذا طموح فى ان يصبح ذات يوم مجلة مرموقة تتلقفها القلوب قبل الايد لتتناول الافكار المتسامية منه غذاءها الروحى الذى يمدها بطاقات مهمة من علم وبشحنات زاخرة من توجيه سديد يرتفع بهما فكر القارىء الى القمم .

وللمنهل خطوات في هذا الميدان ، ونحو هذا الهدف . وهي وان كانت قصيرة المدى ووئيدة السير فانها ماضية على كل حال صوب ذلك الهدف البعيد البعيد . . ومن سار على الدرب وصل .

والمنهل يقدر من الصميم ، ذلك العطف النبيل الذى يلقاه دوما من حكومة جلالة الملك ( فيصل ) المعظم رائد البلاد الميمون الطالع ، وقائدها الحكيم الملهم ، والناهض بها الى ذرى المجد والعلم ، والأخذ بيدها الى الحياة الحافلة بمباهج التقدم القويم ، والنهوض الاشم العميم

كما يقدر المنهل ايضا روح التشجيع الطيبة التى يستقبل بها من قرائه ومشتركيه والمعلنين فيه ووكلائه في انحاء البلاد وفي خارجها .

كما يقدر رجال الفكر الذين اسهموا ويسهمون بنشر انتاجهم على صفحاته سواء اكان هذا الانتاج شعرا أم نثرا .

التحسين والتطوير

وبالمناسبة فقراؤنا لا بد انهم لمسوا ويلمسون ما ادخلناه وندخله - باستمرار - على مجلتهم من ألوان التحسينات ، وافنان الترقيات في انتاج وفي اخراج . .

ففي حقل الانتاج ركزت الموضوعات ، ونوعت ، وجعلت شاملة لكثير مما يغذي تفكير القراء . .

وفي حقل الاخراج ، ضخمت الإعداد حتى صار العدد الواحد بوازي في حجمه وعدد صفحاته اربعة اعداد سابقة ، كما صار الاكثار من الرواسم ( الاكلشيهات ) الخطية الجميلة الجذابة ، وادخلت على عناوين المقالات وعلى القصائد تحسينات جمة ، ونشرت الصور الأثرية فى الاعداد ، ولونت بعض الصفحات . . وقد تمكنا فى السنة الماضية سنة ١٣٨٨-١٨٦٨-١٩٦٩ م من وضع فهرست عام لموضوعات اعداد السنة المذكورة واسماء كتابها وشعرائها والمراسلين فيه . . مما يمكن القارئ ويسهل له الرجوع الى ما يريد مطالعته من موضوعات اعداد تلك السنة وابوابها ومعرفة كتابها وشعرائها .

وقد اعطينا التصحيح مزيدا من العناية . . ومع ذلك فاننا نعلم ان هناك اغلاطا مطبعية طفيفة ، لا بد ان تقع . . والجد والدقة والاستمرارية كل اولئك كفيل بازالة ما تبقى او يتبقى من هذه الاغلاط ، ان شاء الله .

ومن التحسينات التى ادرجناها فى المجلة ، هذه الاستطلاعات المصورة الماثل فيها ما وصلت اليه البلاد في مدنها وقراها من تقدم شامل .

ومن احدث هذه الاستطلاعات استطلاع ( وادى لية)  المنشور فى هذا العدد بالذات .

وجذبا لانتباه القارئ راينا ان تكون هذه الاستطلاعات موجزة ومركزة ، عملا بالحكمة القائلة : ( خير الكلام ما قل ودل )

أدب الحاضرة وأدب البادية

وتنشيطا للحركة الادبية قد حرصنا على ان نجمع بين طرفي ادب الحاضرة وادب البادية . . فنحن نعرف ان للبادية ادبا خاصا بهم نشط عندما ركد ادب الحاضرة فى قرون الجمود والتخلف وربما كان قد تولى مهمة اثارة العواطف ، وربما تجاوز ذلك الى تسجيل بعض مهم الحوادث ، بلهجته الخاصة العامية - الساذجة التى يعيها وعيا كاملا ابناء البادية ويطربون لها .

وهدفنا فيما يختص بنشر ادب البادية هذا هو هدف مزدوج ، ومنه ما هو تسجيل حوادث تاريخية خاصة وعامة حفل بتدوينها شعر البادية وتناقلته الاجيال وربما فات التاريخ وأدب الحاضرة تسجيلها ، لانهما كانا في هجعة طويلة المدى اذ ذاك ، ومنه ما هو تنشيط حركة الفكر نفسها لدى البادية فالحركة خير من الركود ، على كل حال ، وهذا اللون من ادبهم الشعبى لا يخلو من جمال مستتر وراء تعاببرهم العربية الاصيلة التى قد لحقها او لحق جلها التحريف ولكنها تمت بصلة قوية الى امها الفصحى .

ولسنا مطلقا ممن يرى او يريد ان يطغي جانب ادب البادية المتركز في شعر البادية وقصصها الملحونين على جانب ادب وشعر اللغة الفصحى ، وانما نشجع نشر هذا الادب الشعبى بلونيه الشعرى والقصص ليكون في ذلك نوع من اثارة وتوجيه غير مباشر الى ضرورة ارتفاع مستوى هذا اللون من الشعر والأدب العامي تدريجيا حتى يصل الى مستوى فصيحهما وصحيحهما ، بحكم انتشار الثقافة والوعي في ابناء البادية والحاضرة على السواء . .

ثم في هذا النشر لأدب البادية على صفحات مجلة سيارة نوع من تقريب وجهات النظر والفهم بين شطري الأمة : البادية والحاضرة ، فى لهجة وفي مفاهيم وفي تاريخ .

ومن يريد طغيان شعر البادية الشعبي ، على الشعر العربي الفصيح او احلاله محله ، او مساواته به في المكانة والذيوع ، والاستعمال فهو صاحب فتنة هوجاء وربما كان من حيث لا يدري مع اولئك الذين عرفناهم يشجعون هذه النزعات بادىء ذي بدء فى اطار مساعيهم الخفية والجلية لواد الفصحى تدريجيا واحلال العامية محلها نكاية بلغة القرآن وبالقرآن المجيد نفسه وبالدين الاسلامى اساسا . .

ونحن مع تشجيعنا للشعر الشعبى والقصص الشعبى لا نرتضى مطلقا ان ينافسا او يخاصما او يكونا ندين مظاهرين للشعر العربى الفصيح ، والأدب الشعبى الفصيح  . فللغة الفصحى العربية مكانتها السامقة ، وتقدمها المعترف به ، والسعي وراء دعمها بكل الامكانات وخاصة فى ادبها الرفيع الشأن ما كان منه شعرا وما كان منه نثرا على السواء هو واجبنا بادية وحاضرة على السواء .

ونحن مع تشجيعنا للشعر الشعبى والقصص الشعبى فيما ننشره في المجلة منهما وعنهما مدركون وواعون تماما لتلك الحقائق ، ونقف وراءها تماما . . كما هو ملموس فيما نشرناه وفيما ننشره من هذين اللونين وعنهما . . وهذه حقيقة اردنا ان تعرف على جليتها فقلناها هنا بوضوح :

أدب الشيوخ وأدب الشباب

و " المنهل " يقدر ادب الشيوخ وخاصة الرواد من هؤلاء الشيوخ . . اولنك الذين فتحوا الطريق المسدود ، وكونوا شيئا من لا شئ . . وكما قيل : ( الفضل للمتقدم) وفي الوقت نفسه يقدر المنهل ويشجع كذلك بكل ما فى وسعه ادب الشباب الصحيح الهادف السائر في طريق التقدم بالإدب وبالحياة وبالنمو الفكرى والتطو الاجتماعى الى الامام . .

ويرى " المنهل " الخير كل الخير في اندماج هذين الادبين مع بعض ، أو سيرهما على الاقل فى خطين متوازيين متضافرين على رفع مستوى الأدب نفسه والفكر والمجتمع الخاص والعام . . في اطار دافىء ومشرق من التمسك بالاخلاق الاسلامية الفاضلة فى شخص وكيان الادب ذاته  وفي التزام لخط السير العربي الاسلامي القويم ، فى توسعة محيط هذا الادب واندياح دائرته الى شتى الآفاق الاسلامية . . حتى لا تؤخذ على غرة الآفاق الاسلامية الواسعة المتنائية ، ببهرج الأدب المستورد الذي يهدم بدلا من ان يبني ويبلبل بدلا من أن ينسق ، ويفرق بدلا من ان يجمع ، ويضل بدلا من ان يهدى ويظلم بدلا من ان ينير . . ويضر بدلا من ان ينفع . .

ومن أجل الالتزام بهذا المبدأ فى اندماج الادبين معا ، او سيرهما على الاقل فى خطين متوازيين ليتضافرا على اضاءة السبيل امام مواكبنا الصاعدة يسلك المنهل الخطة التى يراها امثل لتحقيق هذه الغاية النبيلة ، بتقدير الجانبين ونشرهما معا جنبا الى جنب فى كل عدد . ومن أجل هذا الالتزام الواضح بالتألف بين شقي بناة الادب وشداته ، يشيح المنهل عن اولئك الذين جعلوا ديدنهم وخز ادب الشيوخ وطعن ادب الشباب ببذل المساعى لتوسعة الهوة بينهما حتى لا يتلاقي الجانبان بحال من الاحوال وحتى يكونا حربا على بعضهما ، وحتى تسود بينهما حرب طبقات تزداد ضراما ، يضعف بها الجانبان معا ، ويخوض حاضرنا ، ومستقبلنا الادبي ظلاما دامسا ، واضطرابا مقلقا .

ولتقدير المنهل لأدباء الشيوخ تراه يحتفي بانتاجهم النير المثمر ، وينشره ، ويشيد به وبهم ، حتى يستمروا فى ارسال اشعاعاتهم على دروب مسيرتنا الصاعدة .

وهو اذ يفعل ذلك فانما يرمي من ورائه الى تصعيد ادبنا وتصدير تراثنا الفكرى الى الى داخل بلادنا والى خارجها . . وليس هذا الامر ببدع ولا مستغرب ، وليس فيه نشاز او انحراف . . او شدوذ . . فبالامس القريب ، وبالتحديد في اصيل يوم الخميس

الموافق ٢٤ من الشهر الماضى - ذى الحجة ١٣٨٨ ه - مارس ١٩٦٩ م راينا تونس الشقيقة الناهضة تقوم بعرض الكتب التى الفها رواد الفكر ورجال الادب والعلم من شيوخها وشبابها المعاصرين ، تقوم بنشير هذه الكتب المنشورة نشرا حديثا جميلا موفقا فى تونس الخضراء ، ثم تقوم بعرضها فى أول معرض كتب تقيمه فى مدينة جدة او تقيمه مدينة جدة ، تعريفا بنهضتها واشادة بحملة اعلام الحركة العلمية والادبية الاحيائية فى وطنها من شيوخ وشباب وتصديرا لادبها وعلمها الى خارج تونس . . وقد تصدر هذا الاحتفال العلمي الشيق ، بهذا العرض الجميل الذي لعله أول عرض كتابي لدينا تصدره معالي وزير المعارف السعودي الشاب الهمام ، الشيخ حسن آل الشيخ وقد شاهدنا فيه كل ما يسر ويدل على حيوية وانبعاث .

عود على بدء

وقد داب المنهل كذلك منذ نشأته على تشجيع ادب الشباب وادب الناشئة اخذا  باضباعهم الى النمو والى القوة في ممارسة ألوان هذا الأدب وممارسة فنونه القيمة فى شعر ونثر .

والقراء يذكرون ان " المنهل " كان قد فتح منذ بدايته بابا خاصا لهؤلاء سماه (منهل التلميذ ) و ( منهل الناشئة )  وقد تطور هذا الباب وادمج فيما بعد في أبواب المجلة ، وسرى فيها سريان الروح في الجسد ، وظل قائما موجودا في كل عدد وقد احيط بهالة من التشجيع الدائم . . ولا يزال كذلك حتى اليوم ، وانك لترى هذا الباب التوجيهى شائعا بصفة دائمة فى كل عدد ، إذ تجد هنالك شيئا من انتاج هؤلاء الشداة من ناشئة وشباب ، رفدا لهم وتنشيطا لهم . ولا نذيع سرا إذا قلنا ان رئاسة التحرير تلاقي بعض عناء لذيذ دواما حيال تنسيق هذا الباب ومحاولة رفع مستوى كتابه وشعرائه تدريجيا حتى يكون لهم شبه مدرسية تأخذ بإنتاجهم الى الإمام.

ونحمد الله تعالى فقد اتت خطة المنهل هذه خير الثمار فراينا نفرا من الناشئة الشداة قد التزموا النشر في المنهل وهم صغار المحصول والانتاج من الناحية الادبية ثم ما لبثوا ان كبر محصولهم الأدبي وقوى انتاجهم الادبي واصبحوا من مشاهير رجال الفكر والأدب لدينا شعرا ونثرا .

وبعد فهذا ما كان يحول فى تفكيرنا اردنا ان نبوح به لقرائنا بوضوح ، وليس كالوضوح الواعى المتزن ما يدعم اسباب الصداقة ، ويقوى أواصر الوئام والتقدم .

اما شعارنا في هذا العام فهو شعارنا في كل عام : ( الى الامام على الدوام )

اشترك في نشرتنا البريدية