فى الانسان المعاصر يعانى ازمة دائمة وليدة العصر تدعى (( اليقظة )) فنحن أحببنا أم كرهنا يقظون باستمرار ، تعانى أعصابنا هذا الاستعداد الدائم للمواجهة ورد الفعل ؛ الحياة تسرع وتدوس الواقف . . ونحن نحدق باصرار يصل أحيانا طور البلاهة . يقظون نحن لا نتعب ، يجب أن لا نتعب . وفى خضم وجحيم هذه اليقظة - الوباء . . نجد بعد لأى غفوة أو ما يضارع الغفو صفاء واخضرارا .
كان معرض الرسام محمد مطيمط بمثابة الغفوة لأعصابنا ، ارتحنا عند واحته قليلا فأصبنا نعمة مباركة لا تتاح كثيرا فى الزمن الراحل الراحل .
كل اللوحات مرسومة على ورق عادى بالماء والاكواريل ، وبذلك تجنب مطيمط الثقل وارتاح الى الايحاء والاشارة ، بفضل رسم اشباح الاشياء لا الاشياء نفسها . . تبدو المناظر الطبيعية وراء غلالة حالة من الضباب . . كلها تسبح فى هذا المناخ الموحى . . . تلفها هالة من الغفوة .
ولا أنكر ما لهذا الفنان من طابع خاص ، تشبث به فى كامل أعماله المعروضة لدرجة التشابه الكبير - ولعله المفرط - بين كل اللوحات . فهى خالية جميعها من عنصر الحضور البشرى ، كأن المشاهد فى عينى الرسام نفت وجود الانسان ، بل أبعد من ذلك نكتشف أن انعدام الناس هو نزوع لاظهار الطبيعة بصفائها وعذريتها ، كأنما الانسان عنصر من عناصر تزييفها أو إفقادها
بدائيتها المحبية ، وفى هذا إن كان صحيحا دعم من طرف الفنان لآراء جون جاك روسو وغيره ممن ساهموا فى عزل الانسان عن عرشه عن حسن نية ربما .
إن عالم مطيمط ذكرنى بعالم أندرى جيد فى كتابه (( الأغذية الأرضية )) فكانما أصبح مطيمط هو (( ناتانائيل )) فى رحلاته المشردة وتأملاته فى الطبيعة من حوله وإيمانه بحتمية الاندماج فى رحابتها وقوتها وبعثها . فمطيمط مثل (( ناتانائيل )) يرتاح لللالوان والانعكاسات ، ونحن بدورنا نرتاح لتفاؤل اندرى جيد كما نرتاح لرسوم مطيمط . . فعالم الأغنية الأرضية يدعوك أن تحلم وأن لا تطرح على نفسك الأسئلة المفتعلة . . أن لا تجعل من الفلسفة وحدها ومن العلم وحده قواما للوجود ، بل أن تكون ذاتك أيضا من هذا الكيان الزاخر , المرحب بك أبدا . . . الجاهز لاقتبالك واسعك : (( الطبيعة )) .
شئ آخر يشير الى أصالة مطيمط ، هو احساسنا عندما ننظر احد احدى لوحاته مثلا فنقول : هذا مشهد عند الفجر ، وذلك عند الضحى ، والآخر فى أثناء الغسق والرابع لدى الظهيرة . فالفنان بفضل لمساته الدقيقة العفوية يوحى بالزمن ، دون أن يدرك الناقد سر هذا الايحاء بطريقة تحليل اللوحة أو تفسير عناصرها وأشكالها . . . فالحضور الزمنى هو الذى يمنح أيضا هذه الأعمال كيانها التقليدى ، دون أن ينتزع منها إبداع المعاصرة من حيث هى تمنح كما ذكرنا الغفوة بعد اليقظة ، بفضل توقها للتجريد .
توجد عبر اللوحات بعض مشاهد النساء العاريات كلوحة (( اغتسال رقم 69 )) حيث يرسم مطيط حركة الماء وبرودته ونعومته فوق الجسد الواقف ، فيبدو المشهد رغم بساطته حيا نابضا . . . جميلا . كما انه لفتت نظرنا اللوحات رقم 14 و 43 و 37 وهى مشاهد من مدينة القيروان ، هناك تشابه كبير بينها وبين ما قيل فيها وعنها من الشعر . . . فالقيروان تمتاز فى لوحات مطيمط بذاتها التاريخية ( المئذنة ، الأسوار ) وما عدا ذلك فأمتداد سهوب الوسط التونسى والجفاف المتواصل والمساحات الفارغة الجرداء . . . ولعل من بعض معجزات الفن أن تكون لكل فنان قيروانه ، تعيش فى فكره ، غير قيروان المهندس الفلاحى وغير قيروان رجل التخطيط .
إن معرض مطيمط فجر فينا هذه الاحاسيس ، وذلك جزم بقيمته دون شك ، رغم انحصاره فى لون واحد دون استغلال طاقات الذات الاخرى . والمعرض أيضا إشارة لسلامة تفكيرنا الفنى ، فهو بعيد عن التعقيد ، يكشف لنا عمقا من أعماق تونس وبعدا من أبعاد هذا الوطن : (( نزوعنا الفطرى للحلم )) لا الحلم المخدر ، بل الحلم الذى يفصل بين فترتين من التفكير ، ويجعل الحياة أكثر جمالا وأقرب للحق والخير والكمال .

