منذ مطلع هذا القرن ، يعيش الفن أزمات خلافة . . كانت عاكسة كلها لأزمات الحضارة وتقلبات القيم وتغيرات المفاهيم ، ولعل الرسم أكثر الفنون معاناة وأقدرها على ترجمة روح الحضارة من سواه لأنه يعتمد الشكل واللون أى المحسوس . فحوالى سنة 1910 عندما ثار " كاندنسكى " ( KANDINSKl ) على نقل الحياة والطبيعة كما هما ، وشرع التكعيبيون فى تجربة أشكال جديدة بطريقة تفجير المحسوسات واستغلال الزوايا وإحياء الشكل الجامد ، عند ذلك بدأ الفن يتأفف من نعته " بالفنون الجميلة " ويأنس لنعت " الفنون التشكيلية " ( 1 ) لأن عنصر الجمال فى هذا الرسم لم يعد بامكانه إرضاء الرسام أو الناقد أو المتفرج العادى . . فاصبح الفن يعتمد التجريب ويهدف لخدمة قضايا معينة مختلفة المضامين ( 1 ) وبذلك شرع الرسم أيضا فى أندماجه العجيب مع سائر العلوم الانسانية حيث أجبرها على الاعتناء به من نواح غير جمالية صرف وأهم هذه العلوم : " السوسيولوجية وعلم النفس والفلسفة " .
جالت بخاطرى كل هذه القضايا الهامة وأنا أطوف بمعرض الرسام التونسى نجيب بلخوجة ، وهو من الرسامين الشبان الذين لا يخشون أكتساح التجارب الجريئة ومحاولة فرض نظرة للفن تمتاز بالاتساع والعمق ... ما من شك أن معرض بلخوجة يندرج في نطاق " البحث عن طرق الابداع والتعبير " والخروج بالفن عن دائرة الجمال الصرف الى مناخ الترجمة عن الحضارة . . ومن أجل ذلك ذكرت خواطرى الاولى حول هذا الموضوع . فالرسم التونسى ظل الى فترة قصيرة يعالج النواحى الجمالية الضيقة مع محاولة خجولة لاثبات الذاتية التونسية بفضل " تصوير " العادات والتقاليد من جميع الوجوه ، وهذه لعمرى أزمة عقمت الفن وجعلته فولكلورا لا يصلح لسوى بطاقات البريد ، ونفت عنه أروع وأصدق ما فيه : ترجمته عن الحضارة ككل شامل وعن الانسان صانع هذه الحضارة ، من أجل ذلك نرحب بمعرض نجيب بلخوجة . إن نظرة عامة على كل اللوحات تعطى للمتأمل احساسا بالاتحاد (2 ) أولا من ناحية اللون ، حيث لا تتعدد الالوان فى اللوحة الواحدة بل جلها مرسوم بلون واحد . ثانيا من ناحية الشكل حيث لا يرى المرء غير السطر والدائرة . قال لى الرسام عن ميلاد تجربته :
" منذ طفولتى ، حدقت فى هندسة الشوارع التونسية ، واهتديت الى أنها تشبه الى حد بعيد طريقة الكتابة الكوفية . . واستخلصت أن الشكل فى تونس
يعتمد لغة خاصة . . وحاولت استخراج هياكل التعبير عن هذه اللغة . . فكانت لوحاتى تنقل أشكالا هندسية ترتكز على الخط العربى ..."
إن لوحات بلخوجة لا تنقل فقط هذه الاشكال ، بل هى تبعث فيها الحركة والحياة ، معتمدة على لونها وما توحى اليه ، فلوحة " الغروب " مثلا تعتمد حسب عنوانها مضمونا رومنطيقيا وتعبر عن هذا المضمون بخطوط رقيقة ودوائر متوالدة ، متحركة حركة بطيئة حالمة .
- إن التكنولوجيا والارقام هى روح العصر الحاضر وطابع المستقبل ، فهل لوحات نجيب بلخوجة تنظر فقط للمستقبل ، لأن تأثير الآلة والصناعة واضحا فى أشكاله وألوانه . . يقول لنا بنفسه :
" أنا حين أستغل الخطوط القديمة والهندسية التقليدية أنما آخذ من ماضينا وأصالتنا ، ثم أطور هذه الاشكال لأضع رسمى فى مناخ العصر الحاضر بما فيه من ثورة صناعية وآلية . . أنا أنظر الى المستقبل وأريد أن تتقدم بلادنا . . فالفنان يمهد لهذا التقدم ويتصوره بخياله .
يحس المتأمل أن المتفرجين خاصة من التونسيين لا ينفعلون كثيرا بلوحات بلخوجة كأن هناك قطيعة بينهم وبين طريقة التعبير الحديثة ، يقول لنا الرسام أن " الفن الحقيقى يشكل قطيعة لا محالة ، فهو ناقوس خطر يأذن بتغير القيم ، أو بضرورة تغيرها . . . "
زيادة على هذا يستغل بلخوجة عنصر " الخلية " فتتولد أشكاله عن أشكال أخرى وتخلق أبعادا ضوئية وانعكاسات ثانوية تتعقد وتوحى بصورة تجريدية ترتسم فى ذهن كل متفرج على حدة حسب ثقافته واستعداده وميوله وشخصيته ، وبلخوجة يلح على مساهمة الجمهور فى عملية الخلق ، فهو ليس غريبا - أى الجمهور - عن تجربة الفنان ، بل هو يطورها ويعطيها أبعادا أخرى . . يقول نجيب بلخوجة : " أن الفن مغامرة ... ويجب النهوض بالرسم بصورة خاصة لبلوغ درجة الترجمة عن الحضارة . . "
لقد تمكنت بعض اللوحات من الوصول الى مستوى الهندسة الحضارية حسب مفهوم الفيلسوف الهيكلى ميشيل فوكو أى أنها ترجمت عن بعض ملامح تفكير الفنان وتفكير أمته بأشملها . . إلا أننى أحسست دائما بأن الترجمة محاصرة من طرف اللون الواحد . . فكانما هو شاعر التزم ما لا يلزم .. ولم أفهم لماذا أحاط نجيب بلخوجة نفسه وتأملاته بأسوار اللون المنفرد . . مما جعل المتفرج ينزعج أحيانا كثيرة لسجن التجربة وعدم انتاقها فى فضاء أرحب .
يقول جون لومارى ( Jean Leymarie ) : " إن العلاقات بين الانسان وبين ما يسميه " بيئته " تتغير بفضل اكتشاف الصناعات والآلات وبذلك يتم تجاوز القيم القديمة البدائية الى القيم المدنية ، تجاوز العالم الطبيعى الى العالم التقنى
المصنع ، ويتم تحريك سير التاريخ ، حيث يصبح المجتمع فى أزمة متواصلة - ويتبعه بدون شك الفن - " (3) .
نعتقد أن عمل نجيب بلخوجة ، رغم جديته وصدقه ، يحتاج الى تطوير شامل ، يأتى على ألوانه خاصة ، كما يحتاج الى مزيد من التعمق فى قضايا أمتنا ، لأن هذه القضايا لا تستغنى عن أى عنصر من عناصر فنوننا ، بل تطالب بالعرض والمعالجة والنقد . . . وكم كنا نود أن نصادف " الفن الموقف " (4) فيما يعرض علينا من رسم . . لا موقفا خطابيا مجانيا بل تلقائيا يبلغ بالحرف اللونى أو الشكلى فيمس جوهر الانسان بتحريك ضميره وإيقاظه من رقدة التاريخ .

