الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "المنهل"

فى موكب الشعر الجديد, البسمات الملونة، شعر الاستاذ حسن عبد الله القرشى، دراسة وتحليل

Share

كان أول كتاب قرأته منذ وصولى هذه الديار الحبيبة هو ديوان (( البسمات الملونة )) للشاعر الحجازى الأستاذ حسن عبد الله القرشى وقد اخذت على نفسى عهدا منذ ان امتعت النفس بتلاوته ان اعرض لدراسته وتحليله - على ندرة ما اكتب - فان الاعجاب الجياش ليتملكنى لهذه النهضة الادبية المباركة فى هذه البلاد العريقة فى المجد بماضيها وحاضرها ، ولهذه النهضة الشعرية المتوثبة بوجه خاص اذ تستعيد مكانتها التليدة ، وان ذلك لأقل ما يجب لشاعر قدير يزخر فى نفسه كل هذا الاحساس وفى روحه كل هذا الصفاء وفى قلبه كل هذا النبض وفى يراعه كل هذا السحر والسمو والابداع !

موسيقى تتماوج وتصطخب ، وتأتلف وتختلف، وتنحسر وتمتد ، ولكنها تكون أخيرا لحونا رائعة منسقة فريدة ، تحس النفس معها انتعاشة الظمآن بعد طول الصدى وفرحة المحب بالوصال بعد شقائه بالحرمان وتحس معها انطلاقها من قيودها وانعتاقها من ربقاتها ، وما ذلك إلا لأن الشاعر قد سكب فى هذا الشعر أثرا من نفسه وأفاض عليه قبسا من حسه، فزخر بكل طريف من احلام الشباب ، وذكريات الحب !

وانت تلمس فى هذا الديوان رؤى حلوة مجنحة ، واطيافا عبقرية رفرافة وجوا مشرقا لماعا بهرك ببهجته وسحره ، ويمتعك بشعاعه وعطره ، وتكاد تحس فيه لفحة أنفاس الشاعر الملهم وومضة خاطره واشراقة فكره .

وهو مصور مفتن يمسك بريشته البارعة الصناع فيبتكر اجواءا لطيفة بديعة ويرسم من مرائي الكون ومباهجه ما يرتفع بالنفس الى آفاق فياضة بالنور والروعة والجمال ، كما تلمح فى شعره ظلالا عبقة للالفاظ والجمل والمعانى مما يدل على رسوخ واقتدار .

والديوان بعد هذا روضة غناء وحديقة فيحاء تقتطف منها الورود والازاهير وتستاق منها الشذى والعبير وتأكل من ثمارها وتكرع من جداولها ومناهلها      والشاعر فنان مخلص يعتنى بحوك قريضه عنايته بتجويد معانيه، فانت لا ترى

هنا معاني مستغلقة او الغازا مبهمة تكد ذهنك فى حل أحاجيها وكشف معمياتها ولا تكربك ( الذهنية ) الجافة ، أو الفلسفة المرددة الرتيبة التى يلجأ اليها ويصبها فريق من الشعراء فى ( أقوالهم ! ) فتشعر فجاءة بجمودها وجفافها وبعدها عن نطاق الشعر فى موضوعه الاصيل ! بل انت تحس هنا طراءة ولينا وشعرا يسرى فى النفس ويدب فى مكامنها دبيب الشمول فى المفاصل وسريان البرء فى السقم ولن تصدم ابدا بركاكة او ابتذال بل تشعر بتناسق الجمل والتعابير وبوحدة القصيدة شعورك بوحدة الديوان فى انسجامه وطرافة الوانه وزخوره بشتى ذخائر الفن !

فنحن إذ نستمع الى الشاعر واصفا( البلبل ) :

صيدح كالفؤاد ما يملأ الكف        وملء الزمان يختال معنى

فهو كالقلب فى الطيور الشوادى    كم سباها بفنه اذ أرنا

وهو كالروح للرياض الزواهى        ما بنى فى سوى حماهن وكنا

يستفز النفوس تغريده الحا          وو يسرى فيها حنانا وامنا

ويؤج الضمير فيهن نورا             مستسرا  فيه  الرغادة  يمنا

ناغما يزرع الحنين ويهدى الشـ     وق ما سام فى  هداياه  منا

تحس بجو شعري متكامل، وبهذه الالفة بين الواصف والموصوف وبرشاقة اللفظ وبراعة الأداء وان استعمال لفظة ( يزرع ) فى قوله ( ناغما يزرع الحنين . . . ) ليشعرك بسمو التذوق فى تخير اللفظ المعبر واقتناصه، مع طواعية الشاعرية وانثيال المعانى الرقيقة

ونحن اذ نستمع اليه من قصيدة ( نور محياك ) :

نور محياك السني البديع       مازال يغري بفؤادي الولوع

يفعم روحى ارجا نافحا       تنزو له البشرى وتهفو الضلوع

يقول منها:

يا هالة الافراح فى خاطرى        ودفء قلبى المستهاض الوجيع

هل من معاد لحميا الهوى         يجلو غرامينا، وهل من رجوع?

طال تنائينا على جفوة            ليس لها فى حبنا من شفيع

ضبابها اربد فهل ومضة          تخترق الحلكة ولهى سطوع?

لا لوم ! عودى فالليالى خلت   من انسك الرغاف فيها يضوع

كم تسير قدآض لي مظلما      وماتع  عاد  كئيبا  مروع!

نتلمس قلب العاشق الواله يسعده القرب حتى لا يكاد يعرف سعادته فى سواء فتحتويه هالات الافراح ويغمر جوه عطرار ج، ونشوة غامرة.ويشقيه الحرمان حتى يذيب فؤاده ويعذب روحه فيشعر بحلوكة الكون وضبابه الخانق فيتلفت بقلبه نحو محبوبته يترجى نفحة وصل اود فقة عطف ، فنقرأ من ( غرامك فى قلبى ص ١١٠ ) :

حنانيك يادنياي فالقلب لاهف         يعيش على ذكرى ويشد ولحرمان !

احبك لكن هل تبيحين همستى          فؤادا رهيف الحس يطفئ نيراني ?

احبك لكن هل تغنين واحتي            لحون المنى تفتريا كهف تحنابي ?!

لئن كان هذا ما تجد لى الدنى            ويعزفه شعرى تعلة وجداني

ويسكب للعمر الجريح نعيمه           اذن نلت ما اهوى عصارة ازمان!

واذ يعطف الحبيب على العاشق المهجور فيذيقه من جديد لذة الرضا والوصال يهتف ( ص ٦٥ ) الكون فرحة وصداحا :

غرد الفجر  فهيا  يا  حبيبى          واستهام النور فى روضى الرطيب

              قبلات     الزهر     سحر     مستطير

             ونسيم      الورد      عطر      وعبير

والدنى   حب   تناهى    وشعور!

ثم يناجى اليفته من قصيدة أخرى عنوانها ( هتاف ص ٩١ ) :

هتفات الحنين شتى  اليك           فابعثيها رؤى الى ناظريك

واغمرى القلب بالامانى فقد طا    ل ارتقاب الفؤاد نفح يديك

                               * * *

انا ياغادتي اسير فحلى              قيدى الملتوى على ساعديا

واذيبي الاغلال عن روحي الحيـ     رى وروى من الهوى شفتيا

ويناجيها فى قطعة ( ظمئت كأسي ) :

لحت فى الافق لروحي نغمة           ضاعفت حسى واورت من عهودى

انا فى اصدائها مرحلة                 قطعتها  اليوم  اعصار  الورود

ظمئت كأسى فهل من جرعة         تشمل  الكأس من الثغر البرودة?

وهفت روحي فهل من زورة          تسكب الفرحة للصب العميد ?!

لهفة صارخة والتياع مشبوب تمليهما النفس المتفتحة ، المنهومة للحب، النفس التى تنقلها همسة الى فردوس الاحلام ومسارح الآمال وتأتى همسة أخرى فتصعقها وتزلزل كيانها وتزجى بها إلى مهاوى اليأس ولظى الحرمان ، اقرأ فى مقطوعة ( همستان ض ١٢٠ ) :

همسة زلزلت حياتى وردت           فى صميم الشجون كل زماني

وتلتها أخرى فكانت ربيعا           لجنى  العمر  زاخر  التحنان

وتساءلت أي سر تصونيـ             ـن فيرعى السكون بالخفقان ?

اي سحر صورته ملء روحي         اي هول دففته فى كياني

واستهامت نفست فصحت مروعا  ويح عمر تريقه همستان!!

وهو يهتز للشذى الفواح يتضوع من ( بقايا عطرها ) ويقر فى نفسه ان له نشوة مستمدة من طيب عرفها هى :

نفحات عطرك لا تزال تهزنى      نحو الحنين اليك والهيمان

قدست نشوتها وصغت غرامها   شعرا تقاطر من فمى الولهان

مترقرق النسمات سيجري الصدى    عذب الرؤى يشدو فتى جنانى

فليهنك النغم المحبب فى فمى          ولتنعمى بالنور والتحنان !

كما يحس فى قرب الحبيب بتغير الواقع الممحل وانه قد عاد خصيبا وارف الظلال وان كل شئ مقطب قد آض بساما هاشا وانقلب الحزن سرورا وبهجة فيفيض فى قصيدة ( من نفحات الحب ١٠٩ ):

أعشب فى قربك الجديب     وند عن قلبى الوجيب

وهش ما كان لى قطوبا        ينسجه الهول والخطوب

فلا ادكار ليوم بؤس           يأسى به الخاطر الكئيب !

و لا مآسي أصطليها          وملء   شبابتى   نحيب

رفت باجوائي الأمانى          يفعم   انداءهن   طيب

ولفنى الحب مستشيرا        والسحر  والروض  والحبيب

وانت تحس معى حينما تقرأ هذا الشعر بعذوبة النبع الذى يتدفق منه او كأنما هو ينساب من نفسه انسابا بدون تعمل أو اجهاد .

اما فى قصيدة ( انا ... الشاعر ص ٦٠ ) فيطالعك بصورة فريدة للشاعر كما يفهمه هو اذ يجعل منه مظهرا مجسما لسعادة الكون ومصدرا لخيره فهو الضياء الثر والهناءة الموفورة وهو أنيس الكون وغريده .. وهذه الصورة بفكرتها الجميلة وتعبيرها اللطيف المستساغ؛يصعب ابرازها بغير براعة الشاعر الذى يبهره جماله الفذ شأن الطاووس المزهو المرح يعجبه ريشه الساحر الاخاذ ويفتنه ويسبيه فلا يهمه بعد ذلك أأعجب به الآخرون أم تعاموا عنه صلفا وانانية ? اذ ماذا يضير بصيرته الملهمة النيرة انعكست امامها بصائر محسورة عمياء !

وديوان الاستاذ القرشي بمثل من ناحيته الوجدانية قصة حب كامل بكل ما يكتنف هذا الحب من وصل وهجران ولوعة ونسيان ؛ وثورة وهدوء ؛ وفرحة تتألق وغضب تتوهج وانسام عابقة وأعاصير لافحة ... انها صفحات فياضة من الحب الاصيل الفوار الذى يعصف بالنفس ويجتاحها فلا تجد لاصدائه متنفسا فى سوى هذا الشعر العبقرى الجميل . ( يتبع ) والطائف : مصطفى عبد الحليم

اشترك في نشرتنا البريدية