مدخل الى تصنيف المواضيع والأغراض ) 1 (
عملية النقد هى عملية تقييم ، ومن ثم يحتاج الناقد الى معايير دقيقة ؛ وهو ما أعوز جل التيارات النقدية فى الادب العربي قديما وحديثا .
وحتى اذا ما وجدنا بعض هذه المقاييس عند النقاد ، فاننا نلاحظ عليها مسحة ضبابية غالبة تحد من قيمتها .
ويتجلى هذا خاصة فى نقدنا للتراث . والنقاد للتراث هم أحد فريقين :
- الأول محافظ فى نزعته النقدية أشد المحافظة ، يعتمد آراء كبار النقاد القدامى الى حد التحجر ، فلا يأتي فى نقده بجديد ، ولا يعترف بامكانية التجديد .
- والثانى نهل من الطرق الجديدة الغربية ، وحاول تطبيقها دون مراعاة التباين الفكرى ؛ وربما دون فهم صحيح أو هضم لها .
وبين الفريقين مخضرمون تنقصهم الجرأة والقدرة وما الى ذلك من خصال الناقد الحق
وقد رأينا أمام قلة الضبط فى هذا الميدان ، وكثرة الخلط أن نحاول تقديم خلاصة لتفكيرنا المنهجى فى التراث ، معترفين مسبقا بوجود صعوبات
كأداء أهمها: قلة نشر النصوص ، وانعدام الطريقة العلمية فى تحقيقها نشرها - ان نشرت - ، ويؤدى هذا حتما الى قله الالمام بالتراث ، فتبقى الافكار المعبر عنها محدودة جزئية
وتنطلق أية عملية من عمليات الدراسة من تصنيف صحيح مضبوط لو اضع الأدب وأغراضه بمراعاة الجوانب الرئيسية الثلاثة : صاحب الاثر و الاثر نفسه ، والمجتمع الذي خلق فيه هذا الاثر .
وقد لاحظنا ان النقاد القدامى صنفوا الادب تصنيفات مختلفة ، مما يدل علم حيرتهم ، ومحاولتهم اكمال بعض هذه التصنيفات ببعضها الاخر
فقد قسموا الادب حسب الدوافع النفسية الشعورية من رغبه ، وطمع ، ورهبة ، وصنفوه حسب الشكل الفنى من رسالة ، ومقامه ، وارجوزة . . واكتفو ) في غالب الاحيان بارحاه الى فنين رئيسيين هما النظرة الايجابية الى الاشخاص والامور وتتمثل فى المدح ، والنظرة السلبية وتتمثل فى الهجاء حس الثنائية المعروفة فى المجتمع العربى الاصيل : الخير والشر ، والحسن القبح ، والكرم واللوم . . الخ ؛ كما نجد من التصنيفات ما يعتبر فيه مستهلك الادب ، والعلاقة التى تربط منتجه به ، كالتهنئه ، والمدحة والاخوانية .
وقد نتج عن هذه التصنيفات ، بالاضافة الى قلة دقتها ، اهمال بعض الآثار الادبية التى لا تندرج الا بصعوبة فى هذه التقسيمات . فماذا نعتبر رسالة الغفران ( للمعرى مثلا ؟ أو رسالة ) التوابع والزوابع ( لابن شهيد ؟ أو بعض المقامات والقصص والاشعار التى تعود الى القرن الرابع للهجرة وما يليه ؟
ومن الاتجاهات الادبية التى أهملت ، بالإضافة الى شتى أصناف الادب الشعبى ، اتجاهان هامان
- أولهما : ما يمكن تسميته بأدب العبث ABSURDE وهو أدب ناتج عن شعور غريب بالاكتمال ، وملء الفراغ بشتى الالعاب الفكرية واللفظية ؛ وقد ازدههر هذا الادب خاصة فى جو المجالس بداية من القرن الرابع للهجرة . ورغم أننا ننوى العودة اليه بالتحليل فى مناسبات قادمة يعطي عليه هذا المثال ، وهو لاحد شعراء مصر فى العهد المملوكى ، ويقول فى الرد على من طلب منه أن يصوم بعد رمضان ستة ايام طلبا للأجر والثواب
شهر الصيام تولى فراقه اليوم عيدى
فقال : شيع بست فقلت أيضا : وسيدى !
ولا يخفى على القارىء أن الجناس فى ) ست ( هو هدف الشاعر . وقد اطلق الاستاذ الزميل محمد طرشونة على مثل هذا الادب اسم " الادب الابيض " ، فى احد الملتقيات الاخيرة
وثانيهما : ما أسميته بادب الخوارق Fantastique ، وهو أدب غزير يعكس حيرة الانسان أمام بعض الظواهر ، أو رغبته فى الخروج من واقع مرير . فيضع فى الحياة العادية بذورا خارقة للعادة ، لا تفسير منطقيا لها وتعد الاخبار والحكايات ، وبعض الكتب ) كألف ليلة وليلة ( حافلة بهذا الأدب
وقد كان مشجعي على دراسة هذا الادب ، بالاضافة الى ميلى اليه ، ابتداء الاستاذ ) تزفتان تودوروف ( . صاحب كتاب " مدخل الى ادب الخوارق " استغرابه من وجود مثل هذا الادب عند العرب ، في ملتقى ) قضايا الادب العربى ( المنعقد أخيرا .
كالامر الملح اذن هو اعادة تصنيف التراث ، حتى تكون لنقدنا منطلقات موضوعية جادة ، ونتجنب اهمال بعض الاثار أو التيارات بدعوى انها لا تخضع لتصنيفنا ؛ وهذا العمل الجبار أكبر من ان يقوم به باحث ، فهو عمل جماعى بسبقه حتما نشر وتحقيق على مستوى شامل ، واستفادة من تحارب الغير شيوخنا وأعلام ادبنا العربى الاسلامى ، والاجانب الذين لهم قصب السبق فى الدراسات العلمية المنهجية
ولنا فى الختام ، بعض الملاحظات التى تقدمها رغبة فى ضبط أكبر لأفكارنا ، وتمهيدا المتوسع فيها وتحليلها فى مواطن أخرى
* لا وجود للفصل الشكلى بين الشعر والنثر ، بل توجد كتابة أدبية يختلف بعضها عن بعض حسب الخصائص . والملاحظ أن القدماء أوجدوا انواعا من الكتابة هى وسط بين الشعر والنثر كالسجع ، أو يختلط فيها الشعر والنثر ، كالرسالة والمقامة
* لا وجود لمفهومي الادب الرسمى ، والادب الذاتى الخاص ، ويصعب الفصل بينهما . وبصفة عامة ، لا نرى أن الدوافع يمكن أن تعتبر فى عملية التصنيف .
إن تقسيم الأدب الى مواضيع والاغراض التقليدية لا يفي بالحاجة ، فكم في المدح من درجات مثلا ! كما ان بعض التقسيمات الحديثة ، كالادب الملتزم وما الى ذلك لا تراعي نوعية الادب العربى
لا بد فى عملية التصنيف الجديد من مراعاة الاختلافات الجزئية النوعية بين مختلف البيئات العربية الاسلامية ، ومختلف شخصيات الأدباء ، ومختلف أصناف المستهلكين للأدب ؛ وكذلك بالطبع فنيات الادب وجمالياته وشكلياته ، ومدى استحابته لمتطلبات ثلاثة : متطلبات صاحبه وعصره ، وانسانيته . ( * )
- فيفرى 78 -
ملحق من ادب الخوارق
النص 1 : حكاية بنت الملك
يقال لها ) جوهرة بنت كنعان الباهلي ( ، وكانت جميلة الصورة فاختلى ( 1 ) بها يوما ( 2 ) من الايام عفريت من الجن فميزها فأعجبته فخطفها ) 3 ) من قصر أبيها الى جبل قريب من بحر الظلمات فوضعها هناك وفك ختامها ، ومسكها عنده أسبوعا ، فطلبت منه تلك البنت أن يردها الى قصر أبيها ، فردها اليه فسألها أبوها : أين كنت ، وكيف جرى لك يا بنتى فأخبرته فتغير ، فقال : أمر عسير ، فقضى به الملك القدير ، لو كان فعل بك هذا الفعل انسى ، كنت أذقته كأس المنون ، وجلبت له جميع الاخوان والمحن ) 4 ( . ثم انه سكت ، فبعد أسبوع ( 5 ) أتى ذلك العفريت وخطف ( 6 )
تلك البنت الى مكانه من ذلك الجبل ، واختلى ) 7 ( بها أسبوعا ، ثم ردها الى قصر ابيها . ولم يزل كذلك ، واذا به يقيم بها أسبوعا فى ذلك الجبل واسبوعا يأتي بها ، فتقيم ( 8 ) اسبوعا فى دار أبيها ، مدة طويلة ، واغترم هذا العفريت بها ، وصل لها عن الزواج ، واغترمت هى به وصدته عن الزواج ايضا . فلما مات كنعان ، وماتت أمها ، حسها عنده فى ذلك الجبل ، ووضع عندها جميع ما استحق اليه
وكان له صاحب ) 9 ( من الجن يدخل عليها ويخرج مدة . فلما غاب ذلك العفريت فى بعض حوائجه ، واستبطأه صاحبه من الجن ، وزوجته ) جوهرة ( خرج فنظر ، فلم يجد له أثرا ( 16 ) ، فأتاها وقال لها : يا فلانة ، انى اريد قربك ومحبتك ؛ مدة كذا وكذا عاما وانا اهواك ، ولا آتي الى هذا الجبل الا لاجلك . فقالت : حبا وكرامة ! والنساء كما علمت يا سيدى ما لهن امان ! فقال ( جعفر بن عبد الله ) : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : باعدوا بين انفاس الرجال والنساء ، فقال مغيث : ومحاكى النساء فى ذلك كثيرة ، واكثر ما يقع فى نساء الوزراء والقواد ) 11 ( والاعوان والبيوتات ) 12 ( ، من النساء ، يبدان ازواجهن ) 13 ( بالعبيد والخدام ، قبح الله النساء
المصدر : مجموع قصص ، لمؤلف مجهول ، المخطوط رقم 18047 بدار الكتب الوطنية ، الورقة 34 ظهر - 35 -
التحقيق : ) 1 ) فى الاصل : احتتان - ( 2 ) فى الاصل : يوم - ( 4 ) فى الاصل : أخطفها - ( 4 ) فى الاصل : والمحان ، ولم نفهم للجملة معنى مستقيما - ( 5 ) فى الاصل : اسبوعا - ( 6 ) فى الاصل : وأخطف - ( 7 ) فى الاصل : واختار - ( 8 ) فى الاصل : فتقم - ( 9 ) فى الاصل : صاحبا - 10) ( فى الاصل : آثر ، وربما كان ذلك للسجع - ) 11 ( فى الاصل : والقياد - ( 12 ( فى الاصل : والبيتات - ( 13 ( فى الاصل : ازوجهن -
التعليق : من حيث المضمون تحوم القصة حول خيانة النساء ومكرهن وهي تسير بصفة عامة فى مساق القصص الشعبية من صنف ) ألف ليلة وليلة ( ولولا ذكر الجن لما تفطنا الى الفرق مع ما يدور فى الحياة اليومية ، كما نلح على الاشارة الاخيرة التى تعتبر هذا الفساد الاخلاقي اكثر انتشارا فى الطبقات العليا المحظوظة ، مما يدل على شخصية القصاص المنتمى حسب ما يبدو الى
طبقة شعبية . ومما يدعو ذلك الشكل الذى تطغى عليه العامية واللحن ) كيف جرى لك يا بنتى ؟ - ميزها - اغترم - ما استحق اليه ( ، والحياء المتجلى فى صورة " فك الختام " ويعني بها طبعا الافتضاض
النص 2 : حكاية
أن رجلا جاء الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه مع ابن له . وكان الابن يشبه أباه جدا ، فتعحب عمر رضي الله عنه فقال : ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ان فى شأن ولدى هذا اشياء عجيبة ) 1 ( ، انه مكث في القبر تسعة اشهر ، ثم خرج منه بقدرة الله تعالى فوثب عمر رضي الله عنه ، وقال : ايش تقول يا هذا ؟ قال الرجل :
أردت أن اسافر وان ) 2 ( ولدى هذا كان فى بطن أمه ، فتوضات ( 3 ) وصليت ركعتين . ورفعت يدى الى السماء ، وقلت : الهى أودعت الولد الذى فى بطن زوجتى عندك ، فرده الى سالما اذا رجعت ، ثم خرجت الى السفر ومكثت فيه تسعة اشهر ، ثم رجعت . فوجدت ان امرأتى قد ماتت ، فذهبت إلى زيارة قبرها ، فعالانقت قبرها ، وبكيت بكاء كثيرا ، فاذا سمعت صوت تسعى من قبرها ) ل ( . فتعبحبت فقلت : اكشف رأس قبرها لى ، انظر ما هذا الصوت الذي اسمع ، فكشفت ، فرأيت زوجتى قد بليت أجسادها وتفسخت أعضاؤها سوى ثديها ، ورأيت الغلام يرضع ، فرفعت الصبى فقلت : الى منت على برد ولدى هذا ، فلو رددت زوجتى لعظمت منتك على . فسمعت هاتفا يقول : أودعت ، ولدك عند الله فرده اليك سالما ؛ فلو اودعته ) ٦ ( زوجتك ل دها اليك سالمة كما رد ولدك سالما .
المصدر : مجموع قصص دينية ، لمؤلف مجهول ، المخطوط رقم 319 بدار الكتب الوطنية ، الورقة 40-41 .
التحقيق : ) 1 ( فى الاصل : عجيبا - ( 2 ) فى الاصل : وان كان - ( 3 ) فى الاصل : فتوضيت - ( 4 ) التركيب لا يستقيم - ( 5 ) فى الاصل : أودعتك
التعليق : تكتسي الخارقة فى هذه الحكاية صبغة دينية تجعلها أقرب إلى المعجزات . والشكل سليم غالبا ، ماعدا التكرار الدال على الاصل الشفوى وفي النص رمز قديم هو تداخل الحياة والموت فى عملية ارضاع الجثة للطفل
