بجازان
لا ريب فى أن الطبقة الواعية من رجالات القلم والفكر فى انحاء هذه المملكة المترامية الاطراف يجهلون ان فيفاء فردوس فى منطقة الجنوب ومصيف وطنى يمكن ان يكون (( مصيفا عالميا )) لو نال اصلاحا وعناية . . اصلاحا فى طريق الصعود اليه ، وعناية به بذاته . ولذلك لا اجد غرابة فى كتابتى عن جبل فيفاء تحت هذا العنوان الذى اصبح يكاد يكون اسما مرادفا لفيفاء يطلقه عليها ابناء الجنوب . .
(( جبل فيفاء )) جاء فى ( المخلاف السليمانى او الجنوب العربى ) للاستاذ محمد احمد عيسى العقيلى : (( جبل فيفاء هو ذلك الجبل الشامخ والعلم الباذخ فى مقاطعة جازان على بعد مائة كيلو متر تقريبا عن شاطئ البحر الاحمر . وهو يكاد يكون منفردا فى سلسلة الجبال والجبل معمور من السفح تقريبا الى قمته بالمزارع المدرجة والبيوت المنضدة فى كل منبسط وثنية ، ومن مزروعاته البن والخوخ والتمر الهندى والباباى وغير ذلك ))
(( فيفاء فى التاريخ )) كما ورد به : (( أن اقدم ما عثرنا عليه عن فيفاء من الناحية التاريخية ما ورد فى العقيق اليمانى فى حوادث عام ١٠٣٥ فى غزوة جيش الامام المؤيد واستيلائه عليها ))
(( فيفاء من الناحية الطبعية )) وجاء به ايضا : (( يقول غير واحد ممن شاهدوا جبل فيفاء من الطارئين : ان مناظره الخلابة وغابات اشجاره المشتبكة الاغصان الوارفة الظلال وجمال جوه وأفقه الغائم تجعله احد المصايف فى البلاد العربية . وان
مناظر الطبعية أشبه ما تكون بمناطق الارز فى لبنان ))
(( قارئى الكريم )) تعال معى لنبدأ رحلة قصيرة ممتعة وشاقة فى آن واحد . ها نحن الآن نخرج من مدينة جازان صوب بلدة صبياء القديمة انها جميلة حسب ما تشاهده . وهذه هى صبياء الجديدة وما علينا الا ان نواصل السفر لنقطع مسافة تقدر بمائة كيلو متر تقريبا لنصل الى جبل فيفاء . والآن : تلك هى قرية الحسينى على مقربة ماه . وها نحن قد وصلنا اليها . دعنا نستمر فى مواصلة السير ولا حاجة بنا الى الراحة فاننا سنرتاح فيما بعد . هذا هو جبل العكوتين الذى كتب عنه الاستاذ العقيلى فى عدد المنهل لشهر ذى الحجة ٨٣ - لقد انتهينا الآن منه .
( المجمع ) وهذا هو المجمع مجمع الاودية . . انه ملتقى جميع الاودية التى تنصب مياهها فى واد يقال له جورة . لقد التقطت عدسة التصوير الآن صورة ناطقة لهذا المجمع ليظهر على شكله ووضعه تماما .
ان منظره من اجمل ما يمكن ان تراه العين ونلاحظ الاشجار الكثيفة المحيطة به من كل جانب يعلوها صوت هبوب الرياح وصوت حفيف الاغصان . انك ستحس هنا بهواء بارد عليل يتسرب الى جسمك وروحك فتأنس به حيث تحس بحاجة جسمك اليه . هذا هو هو المجمع الممتع . ودعنا نرتاح هنا برهة بهذا الوادى . والآن لا بأس فقد اخذنا كفايتنا من الراحة والاستجمام : واجدنى فى شوق شديد الى رؤية جبل فيفاء ، وفيفاء نفسها . فهيا نواصل السير اليه مرة اخرى على بركة الله .
اننا سنواجه بعد قليل فى خط سيرنا قرية يقال لها : (( العذابى )) ومنها سننتجه الى عيبان . انظر هذه قرية العذابى وهذه القريبة منها عيبان . نحن الآن فى هذه اللحظة تكون قد اتينا على عيبان وبذلك
نكون قد انتهينا من آخر مرحلة لركوب السيارات حيث نقف بجند اسفل جبل ضخم جبل فيفاء الاشم . دع عدسة التصوير تلتقط له صوره وهو فى شموخه وازدهائه
انك سترى على رأسه قلعة أثرية يقال لها العباسية : وهذه القلعة تشرف على كل أجزاء فيفاء :
سنحاول ان نبدأ الآن فى صعود الجبل سيرا على الإقدام حيث لاوسيلة فى صعود غير هذه الوسيلة . . تأمل . . الطبيعة الفاتنة ، صنع البارئ الحكيم
سبحانك اللهم وبحمدك لا حصر لنعمائك . ما اجمل هذه الطبيعة الحسناء . . ان الاشجاز تحيط بالجبل من كل جانب . فلا ترى الا اخضرار الارض واكتساءها بحلة سندسية زاهية . الجو غائم بارد ، والهواء طلق عبق شذى ، والماء يجرى جداول الى جانب جداول ، وبحيرات تنتشر هنا وهناك تصلح ان تكون للسباحة ,.
لقد وصلنا الآن اعلى جبل فيفاء بعد ان
قطعناه سيرا على الاقدام فى ست ساعات متواليات . يا لمشقة طريق الصعود اليه ! والآن هذه هى فيفاء نفسها . ها قد التقطت عدسة التصوير صورة زاهية لها بمناظرها الرائعة ومبانيها الجميلة . ترى هذه المدرجات القريبة منى يطلق عليها (( حيفة )) يزرعون بها البن والموز والليمون . وترى ايضا هناك مقر امارة فيفاء وعلى جوانبه المزارع بشتى انواعها .
لقد مضت فترة ايام الزيارة التى قررناها قضيناها فى اجمل مكان . . فى الفردوس المجهول فى المملكة العربية السعودية . . فى جبل فيفاء . وفيفاء نفسها . بمنطقة الجنوب وها نحن اولاء نعود الآن بنفس خط السير الذى قدمنا منه مشيا على الاقدام .
ذاك الاستاذ الشعراوى . يسير الهوينى نازلا ، وهذا محمد قب والاستاذ عبد الله زعله وهما فى خط نزولهما من فيفاء الى عيبان وهذا الخط هو نفسه خط الصعود كما هو خط النزول ، حسب ما هو موضح بالصورة الفرتوغرافية من هذا المكان .
ان قلمى لا يستطيع ان يعطى هذا الفردوس المجهول حقه من الوصف ، ولعل الصور الفوتوغرافية المنشورة فى هذا المقال تعطى بعض صور معالم جبل فيفاء وفيفاء بالذات .
وان أنس لا أنس ان للشعر دورا هاما فى ابراز معالم الجمال وغرره الحسان . . فلنأت بشئ منه بهذه المناسبة فقديما قيل :
ولولا خصال سنها الشعر ما درى
بناة المعالى كيف تبنى المكارم
(( مع شعراء الجنوب )) قبل ان نجئ على ما قاله شعراء الجنوب فيفاء . . نود ان نورد ما سبق إن قلناه فى تعريف الشعر :
الشعر احساس يخالج شاعرا
ورؤى وآداب تثير خوافيا
الشعر نور ان تمادى واصفا
او مادحا ابصرت ضوءا صافيا
يصفو على معنى الحقيقة مبرزا
درر المعانى الزهر عقدا وافيا
ونعود بعدا هذا ، لنلتقى بشعراء الجنوب فى خرائدهم الشعرية . يقول الاستاذ محمد احمد عيسى العقيلى من قصيدة بعنوان ( فيفاء ) :
فيفاء هل لى بان اجلوك للفكر
فى معرض الفن كالرسام للصور
وابتدع من عذارى الشعر خالدة
يسرى صدى ذكرها فى البدو والحضر
فيبرز الشعر ، اسما طالما غمطت
صفاته فى ثنايا النظم والسير
فاليوم قد آن ان تجلى محاسنها
ويبرز الفن منها درة الفكر
الى ان قال :
طود يناغى النجوم الزهر قد كسيت
ارجاؤه بوريف الظل والشجر
ثم قال فى ختام القصيدة :
دنيا تلوح بها شتى المحاسن بل
لوح يروقك منه رائع الصور
أما الاستاذ مجمد السنوسى ، فقصيدته بعنوان ( جبل فيفاء ) مطلعها :
متحف من اشعة وظلال
فى اطار من نظرة واخضلال
سابح فى الفضاء يغمره النو
ر بفيض من السنى والجلال
جبل تعشق النجوم محاليــــ
ــه وتصبو الى ذراه المعالى
يزحم النيرات منكبه الضخــ
ــم ويحتك بالسهى والهلال
مشرئب الى السماء برأس
صلف فى شموخه وتعال
حتى قال :
أخضر السفح أزهر السطح مصقو
ل الحواشى زاهى الربى والجلال
مسرح الشعر والبيان ومسرى
لمحة الفكر وانطلاق الخيال
ذاك هو جبل فيفاء فى شموخه واخضلاله وبهائه وحسنه .
هذا وفى ختام هذه القصيدة الرائعة يحدثنا الشاعر عن رحلته التى كان قد قام بها الى جبل فيفاء ، والتى كان من آثارها تلك القصيدة . اصغ اليه حيث يقول :
شاقنى ذلك السمو ولى قلــ
ــب ولوع بكل سام وعال
كلف بالعلو انى تجلى
شامخا فى الجبال او فى الرجال
فتصعدته ويممت وجهى
شطره فى تقدم ونضال
وركبت الصعاب وانتصر الشو
ق بقلب على الونى والكلال
وبعد فالى متى سيظل جبل فيفاء بحالته الراهنة ، مجهولا والصعود اليه صعب عسير واذا كان لى من كلمة اقولها بهذه المناسبة فهى موجهة منى الى معالى وزير المواصلات الاستاذ ( محمد عمر توفيق ) عله بزيارة قصيرة لهذا الفردوس المجهول فينال من رعايته ما يساعد على ايجاد وسيلة اخرى غير السير على الاقدام فى الصعود اليه والهبوط منه ، وبذلك نحيى وننشئ مصيفا يرتاده المواطنون والاجانب على السواء ، وهو لا يقل امتاعا وجمالا عن جبل الارز فى لبنان .

