( الحلقة الثانية )
ويقول الاستاذ الاديب المؤرخ محمد احمد عيسى العقيلى في قصيدته بعنوان " جبل فيفاء ، أو لبنان تهامة " :
فيفاء هل لي بأن أجلوك للفكر وابتدع من عذارى الشعر خالدة فيبرز الفن اسما طالما غمطت كأنها لم تكن مثوى الجمال ولا فاليوم قد آن أن تجلى محاسنها وأن للشاعر الموهوب معتز ما طود يناغي النجوم الزهر قد كسيت يجلل المغيم ادنى هامها وبها دنيا من الامل الخلاب سافرة وروضة من رياض الخلد قد برزت تأزرت باثيث المنبت واتشحت قد نسقوها جنانا من مسافحها جنائنا قد تعالي بعضها ودنا يغدو الغمام عليها كل آونة يا حبذا ليلها والمشهب قد سفرت والبدر يرسل من اشعاعه ألقا وللنسائم ما بين المروج شذي وللمياه خرير في مساربها وللندى خضل تزهو الغصون به وللغصون حفيف خافت همست وحبذا صبحها والشمس ساطعة تمج ذائب تبر من أشعتها
في معرض الشعر كالرسام للصور يسري صدى ذكرها في البدو والحضر صفاته في ثنايا النظم والسير مهد الجنان وملهي السمع والبصر ويبرز الفن منها درة المفكر بأن يزفك للاجيال والعصر ارجاؤه بوريق الظل والمشجر تبدو الطبيعة في شيء من الخفر عن الفاتن تستهوي نهي البشر الى الوجود بشتى الحسن والمصور ازهى الحلي لها من يانع الثمر الى أعالي الذرى من طودها النضر بعض كست عطفها وشيا من الحبر يسح منهمرا عن ريق المطر عنها الغيوم تناجي رائق المزهر على الجداول والانهار والغدر معطرا كعبير المسك في المطرر جس الانامل قد مرت على الوتر يصوغه البدر اسماطا من الدرر في مسمع الليل همس الخائف الحذر على العوالم في عال ومنحدر يغشى ذرى الطود في الآصال والبكر
وللظلال انسجام في خمائلها
على حفافي ضفاف الماء والشجر
والارض تختال في وشي النبات ضحي
مثل العذارى بدت في زاهر الخمر
دنيا تلوح بها شتى المحاسن بل
لوح يروقك منه رائع الصور
ويقول الاستاذ الشاعر الاديب السيد محمد بن على السنوسي في قصيدة له بعنوان : ( جبل فيفاء ) :
متحف من أشعة وظلان في اطار من نظرة واخضلال
سابح في الفضاء يغمره النور بفيض من السنا والجلال
يتحدى الذرى ويخترق السحب ويزهو في عزة واختيال
صنعة المبدع المصور جل الله ربي رب العلي والكمال
جبل تعشق النجوم مجاليه وتصبو الى ذراه العوالي
يزحم النيرات منكبه الضخم ويحتك بالسهى والهلال
مشرئب الى السماء برأس صاف في شموخه متعال
أخضر السفح ازهر السطح مصقول المحواشي زاهي البربي والتلال
زاره ساكن الالم ابولو رائدا ينشد الجمال المثالي
فاذا منجم من الحسن فياض وكنز من كل حال وغال
مسرح الشعر والبيان ومسرى لمحة الفكر وانطلاق الخيال
حيث عاشت ارواحنا وامانينا حياة موصولة بالمعالي
ونعمنا ولا نزال بدنيا من فتون وعالم ذى الجمال
وسكبنا على الوجود غناء صافي المنبع كوثري الزلال
يا لتلك الذرى الموشاة بالزهر نضيرا وبالثمار حوال
ولتلك الربى يرف شذاها بعبير الصبا ونفح الشمال
ولذلك السحاب والماء يجري من خلال الصخور جرى الصلال
والوجوه الصباح والمقل النشوى بسكر الصبا وسحر الدلال
والرياض المنسقات صفوفا في علال كأنهن لآل
سحر كله نهارا وليلا يا لايامه ويا لليال
عالم من لطافة وبهاء وهواء من رقة واعتدال
ورؤى من مشاهد الفن والحسن تجلت في صفحة من جبال
شاقني ذلك السمو ولي قلب ولوع بكل سام وعال
كلف بالسمو انى تجلى شامخا في الجبال او في الرجال
فتصعدته ويممت وجهي شطره في تقدم ونضال
وركبت الصعاب وانتصر الشو ق بقلبي على الونى والكلال
ذاك دأبي وداب قومى مدى الدهر صراع الردى وقهر المحال
وله فيها قصيدة اخرى بعوان : ( اغنية فيفاء ) :
لست فيفا انت جنه تلهم الشاعر فنه
من روابي الخلد لون ومن الفرودس سحنه
عالم يزهر بالبشر ودنيا مطمئنه
ونفوس كالندى طهرا وكالاشعاع فطنه
وسماء تتندى مزنة في اثر مزنه
وغيوم تنثر اللؤ لؤ صبحا ودجنه
وعلو يلثم المنجم له خدا ووجنه
عرضت فيه الليالي زهوها والبدر حسنه
انت يا فيفاء هيفا ء لها سحر وفتنه
أفرغت فيك القوافي كأسها والشعر دنه
وافاض الفن في دنيا ك رياه ولحنه
للهوى فيك اغا ريد وللاهواء رنه
ولحسنائك حسن لست أدري ما كأنه
انه فوق بياني جل من أبدع فنه
كل شئ فيك حلو انت يا فيفاء جنه
ويقول السيد احمد عبد الفتاح الحازمي قاضي فيفاء سابقا في أبيات له يداعب بها مرافقه على بن عباس حينما أعياه السير في العقبة وتأثر بالبرد لانه لم يتعود السير في الجبال ولا الجو البارد :
فيفا الجنان ولولا البرد يحرسها
لما تخلف عنها من له خلد
فيها تمايلات الاغصان واعتنقت
وبات للطير في أفنانها غرد
يجلل الارض منها سندس نضر
وشابه الماء فيها الثلج والبرد
ثم انتقل من وصف فيفاء الى ذكر حال علي بن عباس فقال على لسان حاله :
ما لي أرى اليوم من قهبان في نظري
سوق الخميس لاقصى المغرب يبتعد
كأن رجلي شدا بالصخور فما
هممت بالمسعي الا عاقني رصد
يمضي رفاقي وأبقى ليس يصحبني
الا السعال والا الطيش والحرد
تطيب لي وقفة في كل ثانية
حتى غدوت على الماشين انتقد
ان كنت بالمسعي قد احصرت لي أمل
لعل يأتي الى من احصر المدد
عسى جواز على هذا الصراط لنا
الى الخميس عسى صبر عسى جلد
هذا هو السوق في مرآه عن كثب أهفو اليه ونار الشوق تتقد
اهل الحسيني به أهوى اسائلهم كيف البلاد وكيف الاهل والولد
وبالمناسبة أذكر هذه الابيات التى ذيلت بها الابيات المذكورة وكان ذلك ايام الطلب عام ١٣٧٠ ه :
صبرا جميلا على القاضي فقد قربت
مقالة التمسوا فالسور ينتشد
واقنع بحمط واثل في (وتيشتكم) (١)
ولا تعد يا ابن عباس وان جهدوا
فهذه جنة حفت جوانبها
بجسرها يستبين الفهد والاسد
تنزهت في علو الارض عن ملأ
من التهائم ان اموه يرتعدوا
وذاك يمشي على العكاز مستندا
او أربع او على الاليات يعتمد
كيلا تشاه بمن لا عزم ينهضهم
من الكسالى ولا صبر ولا جلد
وغير ذلك من اسرار حكمته
مما درينا وما لم يدره احد
لمحة تاريخية عن فيفاء
لم يكن لفيفاء شأن تستحق به العناية التاريخية حتى يكثر ذكرها ويتردد اسمها في كتب التاريخ لانما هى عبارة عن بلد صغير منعزل في سلسلة جبال السراة بعيدة كل البعد عن معترك السياسة والعناية التاريخية مقصورة غالبا على التقلبات والحوادث السياسية . وكل ما في الامر أنها كانت إذا قامت دولة في الخلاف السليماني بسطت نفوذها الاسمي عليها واذا قامت دولة لاحد ائمة الزيود بجهة صعدة وما جاورها من اليمن بسطت نفوذها الاسمي عليها . وقد تعرضت لعدة هجمات قد نذكر بعض اخبارها فيما بعد أما الحكم الفعلي المباشر فهو بأيدي رؤساء عشائرها الذين يطلق عليهم اسم شيوخ وقد يطلق على بعضهم اسم سلطان وتوجد أماكن تحمل اسماء مضافة الى سلطان كبير السلطان وحيفة السلطان والعامة يتناقلون جيلا بعد جيل حكايات عن سلاطين
ظلمة كانوا يحكمون البلاد بشيء من التعسف والجور كسلطان القزعة بالجانب الجنوبي من فيفاء الذي قتله ( ابن آل كاملة من آل عبدل ) وأقدم ذكر لفيفاء باسمها المعروف قد عثرت عليه الى الآن ما أورده ياقوت الحموى في معجم البلدان في مادة ( صماد ) وانشد ابياتا لابي عمرو الشيباني المتوفي سنة ٣٤٠ ه يقول فيها :
والله لو كنتم باعلى تلعة
من روس فيفا او رؤوس صماد
لسمعتم من ثم قرع سيوفنا
ضربا بكل مهند جماد
والله لا يرعى قبيل بعدنا
خضر الرمادة آمنا برشاد
وصماد المقرون ذكره بذكر فيفاء جبل معروف بهذا الاسم لهذا الوقت من مواطن بني الغازي يحاد فيفاء من جهة الشمال وذكرها ابو محمد الحسن بن احمد الهمداني المتوفي سنة ٣٣٤ للهجرة في صفة جزيرة العرب في ثلاثة مواضع عند تحدثه عن سراة
خولان قضاعة هذه وعن مواطن خولان
وأهل فيفاء ينتمون الى خولان هذه لكنه ذكرها باسم جزء منها وهو ( أنافية ) من باب اطلاق اسم البعض على الكل فقال في الصفحة ٧٠ : ويتصل بها اى بسراة عذر سراة خولان وتسمى القد فأولها من ظاهرها جبل ( ابذر ) لبنى عوير فالدحض فالهلة وعديوه فالمطراق لبني كليب ، فالاسلاف فعنم فالخنفعر فالعر ومن وسطها وغورها ساقين وحيدان وشعب وشعب حي وجرجب وارض الشرو ومران والفقاعة والبار وخلب وحجفان وعرامي وعرابق وعراش ووسخة وغيلان ودفا وقيوان وبوصان وارض الربيتة وارض بني حذيفة وارض الابقور فمنحدر الى ( انافية ) فابراق من ناحية بيش ثم يتلوها سراة جنب وفي الصفحة ٧٣ عند ذكر اودية خولان قال : ثم وادي صبيا وهو من مساقط بوصان والمعر و ( انافية ) ويسقي صبيا الى نصر الامان في صادة عثر مع انه قد وهم في جعل هذه الاماكن من مآتي وادي صبيا وتبعه في ذلك الاستاذ محمد احمد عيسى في تاريخ الخلاف السليماني ، والواقع انها من مآتي وادي ضمد . اما مآتي وادي صبيا فهي من جبال منجد وآل صهاليل بهروب وبعض جوانب من جبال الحشر وصماد ومصيدة وبعض جوانبها يرجع الى ضمد . وفي الصفحة ١١٤ : ورغافة وبوصان لبنى جماعة من خولان ولبني رشوان بن خولان سراتها الى دفا لبني ثور والابقور ورازح ودفا لبنى صحار بن خولان قيوان و ( انافية ) لهم ولبني حذيفة والابقور .
وانافية المذكورة فى هذه المواضع اسم لجزء من فيفاء من مواطن قبائل ولد عطاء تعرف ب ( نافية ) بدون همزة يحتوي على مجموعة قرى دامرة من اهمها : (خيران) و ( المصينعة ) و (الحلفة) وقد كانت
مركزا و (امدورية) و (القرية) و (الرهزة) و ( المعقل ) و ( الطرف ) ويحكى ان اهل هذه القرية سلط الله عليهم دويبة تسمى الاسليل أفسدت عليهم كل شئ حتى هلكوا . وحدث مثل ذلك لقرية ( الحنانة ) بحبل آل ثويع لانها ماتت عجوز وهم في لعب ولهو وعز عليهم قطع اللعب فأسندوها الى خشبة وجعلوا في فمها حجرا ابيض كأنها تضحك واستمروا في لعبهم الى الصباح فأهلكهم الله ولا تزال آثار قريتهم ظاهرة و ( المركبات ) و ( المديد ) و ( القفيلة ) و ( النصب ) وكان أهل هذه القرية أصحاب الرئاسة على آل الصلت وأصحاب عشر ذا امخيفان الذي سوف نذكر قصته وقد انقرضوا و ( الواجم ) و (المقيرع) و (المليصة) و(البزيخة) و (الزريبة) و (القزعة) وهي حصن بمفتح سقام وكان لها مركز وسوق و (جامعة) و (الفقة) و (الرقبة) و (غابط) و (الغليلة) و (الشق) وهذه خمس القرى من قرى آل العكوي وكانت الرئاسة لهم بعد اهل النصب ومنهم قاسم بن احمد العكوي الذي عاصر امير ابي عريش محمد احمد آل خيرات و (سماية) وكانت مركزا وبها سوق و (قرية ابو الخساف) و (المثابة) و (المشرف) و (قهاب) وكان بها سوق و(المفواق) واكثر هذه القرى آثارها وآثار مزارعها ظاهرة للعيان ولعل هذا الجزء وأجزاء اخرى غير مشهورة هو المعمور من فيفاء في زمن الهدماني ويوجد بقرب هذه القرى مكان يطلق عليه شط الصبايا وعندما يسأل أهل الجهة عن سبب هذه التسمية يقولون انه جاء رجال من أهل الشام الى كاهن من اهل نافية ومعهم جملة بنات اتراب ، وكانت واحدة منهن متهمة بالزنا يريدون الاحتكام اليه ليثبت براءتها او ادانتها وقد خبأ له ابو البنت المتهمة خبيئة ليختبره بها وهي حبة من البر
ادخلها في احليل مهره ولما سأله عن الخبيئة قال : خبأت لى ثمرة في كمرة . فقال : نريد جوابا أوضح . قال : خبأت لي حبة بر في احليل مهر . فقالوا : صدقت ثم ذكروا له ما حضروا من أجله فاستعرض البنات واحدة واحدة حتى انتهى الى التهمة فبرأها وقال : انه سيولد لها رجل يكون ملكا على العرب . فانصرفوا اجمعين .
وقد روى لي القصة جابر بن محمد الحكمي والشيخ حسن يحيى شريف وغيرهما . . وروايتها مستفيضة . وقد اطلعت على قصة مشابهة لها يغلب على ظني انها القصة نفسها في تاريخ الخلفاء للسيوطى في سياق الكلام على خلافة معاوية بن ابي سفيان قال رحمه الله تعالى :
واخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد ابن وهب قال : كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكه بن المغيرة وكان من فتيان قريش وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير اذن فخلا البيت ذات يوم وهند فيه ثم خرج الفاكه لبعض حاجته وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رأى المرأة ولى هاربا فأبصره الفاكه فانتهى اليها فضربها برجله وقال : من هذا الذي كان عندك ؟ قالت : ما رأيت احدا ولا انتبهت حتى انبهتني . فقال لها : الحقي بأهلك وتكلم فيها الناس فخلا بها ابوها فقال لها : يا بنية ان الناس قد اكثروا فيك فانبئيني بذاك فان يكن الرجل صادقا دسست له من يقتله فتنقطع عنا المقالة وان يكن كاذبا حاكمته الى بعض كهان اليمن . قال : فحلفت بما كانوا يحلفون به في الجاهلية انه كاذب عليها فقال : عتبة للفاكه : انك قد رميت ابنتى بأمر عظيم . فحاكمني عند بعض كهان اليمن فخرج المفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج
عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها فقال لها أبوها : يا بنية انني أرى ما بك من تغير الحال وما ذاك الا لمكروه عندك . قالت : لا والله يا ابتاه ما ذاك لمكروه ولكنى اعرف أنكم تأتون بشرا يخطئ ويصيب فلا آمنه أن يسمنى بسيما ، تكون على ، سبة في العرب فقال لها : انني سوف اختبره لك قبل ان ينظر في أمرك فصفر بفرسه حتى أدلى ثم ادخل في احليلة حبة من الحنطة واوكا عليها بسير فصبحوا الكاهن فنحر لهم واكرمهم فلما تغدوا قال له عتبة : انا قد جئناك لامر وقد خبأت لك خبيئا اختبرك به فانظر ما هو ؟ فقال : برة في كرة قال : أريد ابين من هذا قال : حبة من بر في احليل مهر ، فقال عتبة : صدقت انظر في امر هؤلاء النسوة . . فجعل يدنو من احداهن فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت : اليك والله لاحرصن ان يكون ذلك من غيرك فتزوجها ابو سفيان فولدت له معاوية .
واذا كانت القصة هي القصة كما ترجح عندي لوجود كهانة عريقة في بعض بيوتات تلك الجهة يحتمل توارثهم لها من الجاهلية فيكون هذا الجزء من فيفاء ، مأهولا قبل البعثة .
وتوجد اثار تاريخية كقلعة العبسية وبركتها ولا يعرف بالتحديد متى انشئت ولعل اسم العبسية تحريف لاسم العباسية وانه يعود تاريخها للعهد العباسي وقد جدد بناءها الاتراك ووجدت مسكوكات نحاسية وفضية في خربة لاهل مرباة عليها رموز لم تعرف لكنه لم يصل الى يدي منها شئ . . وأظنها حميرية .

