نحن المسلمين أهل الشريعة السمحة نعتنق والحمد لله اسمح الدين فلم لانتسامح ؟ ان التسامح أيمن الصفات الحميدة أثرا واجزلها فائدة واعودها بالخير عل مجموع الأمة، يؤلف القلوب المتنافرة، ويقرب النفوس المتباعدة ويهدى الارواح الجامحة، فرب كلمة طيبة فضت مشاكل كبيرة، وحلت عقدا مستعصية الحل ورب تسامح فى أمر قليل حفظ من الوقوع فى خطر جليل ، والتسامح فى الحقيقة ثمرة جليلة لمجموع طائفة من الاخلاق الكريمة منها الحلم والصبر والعفو عند المقدرة والتواضع والسخاء ، والتسامح مظهر لهذه الاخلاق السامية واثر من أعظم آثارها وثمرة من أطيب ثمارها فلا تنصف به الا النفوس العالية ، ولا يوفق اليه إلا ارباب الهمم العالية ، ولقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أجل الناس تسامحا سواء كان ذلك فى معاملته الفردية او فى مواقفه الخطيرة الاجتماعية ، ما لم تقتض الحكمة السديدة ، المعاملة الشديدة ، فى مواقف محدودة . رعاية للاصلاح ، وروائع الشواهد الجليلة على شريف تسامحه صلى الله عليه وسلم كثيرة على ان مظاهر تسامحه عليه الصلاة والسلام التى هى المثل الأعلى فى هذا الباب بل هى الدرس الأجلى لدى ذوى الالباب لايكاد يتيسر استقصاؤها للالسنة والاقلام فلا بأس ان نذكر موجزها على طريقة الالمام واليك الشواهد على ذلك .
الاول - ما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين الا اختار ايسرهما ، وهذا من مظاهر تسامحه فى احكامه التشريعية التى جاء بها رحمة للعالمين .
الثانى - ما انتقم النبى صلى الله عليه وسلم لنفسه قط الا ان تنتهك حرمة من حرمات الله تعالى فيغضب الله لا لنفسه .
الثالث - ما عالج النبى صلى الله عليه وسلم امرا من الامور الحيوية بالشدة الا إذا تعنف
الشدة طريقا للحل واستحكم العناد فى نفوس الظالمين الأغبياء ومع ذلك لا يزال يفتح باب الرجاء للوصول الى السلم والرحمة .
الرابع - أو ذى النبى صلى الله عليه وسلم من عشيرته وقومه اشد الاذى ووصل الأمر بسفهاء القبائل ان اغروا صبيانهم فأدموا عقبه الشريف برمي الاحجار ، وفى غزوة احد شج وجهه الشريف وكسرت رباعيته وقتل عمه ومثل به وقتل اصحابه فما زاد صلى الله عليه وسلم ان قال : اهد قومى فانهم لا يعلمون" - يدعو لهم بالمغفرة والهداية وهذا من وفور شفقته صلى الله عليه وسلم فلم تتحرك به القوة الغضبية فينتقم لنفسه او يكافئهم بالدعاء عليهم او على الأقل يسكت عنهم انتظارا لانتقام ربه ، بل يدعو لهم فيقول : اللهم اهد قومى ، ويذكر فى احرج المواقف قوميتهم فيقول : قومى .
وهل وقف عند هذا الحد الكبير من التسامح ؟! لا بل يعتذر لهم بقوله : "فانهم لا يعلمون" هذه رحمته وتسامحه بالنسبة الى خصومه واعدائه فكيف تكون شفقته ورحمته بالنسبة الى احبابه واتباعه ؟ ! و لا عجب فهو المبعوث رحمة للعالمين والموصوف فى القرآن الكريم بقوله تعالى : (وإنك لعلى خلق عظيم)
الخامس - تسامحه صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية بقبول تلك الشروط القاسية التى فرضتها قريش على المسلمين وقد كان ذلك التسامح النبوى من أيمن التصرفات الحربية واعودها بالخير على المجتمع الاسلامى فقد وضعت الحرب أوزارها بين الفريقين وأمن الناس على انفسهم وانتقلوا بالمتاجر وامتزجوا فانشرحت صدور للأسلام واهتدى كثير من الناس وجاء الفتح الأعظم فدخل الناس فى دين الله افواجا" وقد كان تسامحه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أعظم لما جيء بالاسرى وقد زاغت ابصارهم وعلموا انه يوم هلا كهم وطالما آذوه من قبل والبوا عليه القبائل فقال صلى الله عليه وسلم : "اذهبوا فانتم الطلقاء" فاستل بهذا ما فى نفوسهم من غطرسة واعناد "
السادس - تسامحه صلى الله عليه وسلم عندما كان نائما فى بعض غزاوته فانسل اليه رجل من المشركين خلسة فاخترط سيفه وكان معلقا فى شجرة واستيقظ النبى صلى الله عليه وسلم فرأى الرجل والسيف مصلت فى يده فقال له الرجل : من يمنعك منى الآن يا محمد ؟ فقال له : الله عز وجل ... فوقع السيف من يد الرجل فأخذه صلى الله عليه وسلم وشهره عليه فقال له : "من يمنعك مني الآن ؟ فقال الرجل : "يا محمد كن خير آخذ ، فعفا عنه
فاسلم الرجل : واقرأ ايها المسلم اخبار تسامحه صلى الله عليه وسلم مع الاعراب الذين قسم عليهم الغنائم حتى جبذه اعرابي بثوبه فأثر ذلك فى عنقه الشريف وقال له : يا محمد اعطنى من هذا المال فانه ليس مال أبيك ولا جدك ، فقال عليه الصلاة والسلام : " المال ايمال الله وانا عبده واعطى الرجل فأغناه وجاءه رجل دائن له فاغلظ عليه القول فانتهره الفاروق رضي الله عنه فقال عليه الصلاة والسلاة والسلام دعه يا عمر فان اصاحب الحق مقالا ولا تفس مواقف تسامحه فى معاملته للمنافقين المستظلين بظا ، المحتمين بحمايته ، المطلعين على اسرار المسلمين ليفشوها ، وقد كان عالما بهم لأن الله تعالى أطلعه على دخائل قلوبهم ومع ذلك ينهى عليه الصلاة والسلام من استأذنه فى قتلهم فيقول : لا تفعل لا يتحدث الناس ان محمدا بقتل اصحابه ولذا عظمت الدعوة الى التسامح فى شريعتنا الاسلامية حتى لقيت بالسمحة قال الله تعالى (وان تعفوا اقرب للتقوى) وقال تعالى : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وقال تعالى : (وليعفوا وليصفحوا الاحبون ان يغفر الله لكم) وقال تعالى : (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).
ايها المسلمون : أليس يسمح الله عن عباده فلنتسامح ، ليتسامح البائع مع المشترى ، وليسامح الدائن مع المدين ، وليتسامح الرئيس مع المرؤوس ، وليتسامح المخدوم مع الخادم ، وليتسامح الراعي مع أهله ، وليتسامح المعلم مع المتعلم : فرحم الله عبدا سمحا اذا باع ، سمحا إذا اشترى . سمحا اذا اقتضى ، قال الشاعر :-
سامح أخاك إذا خلط منه الاصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه إن جار يوما أو قسط
من ذا الذى ما ساء قط ومن له الحسنى فقط
غير نبينا الذى عليه جبريل هبط
نسأل الله أن يعفو عنا ويسامحنا ويغفر لنا آمين .
مكة المكرمة

