الحمد لله على افضاله والشكر على نواله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والسالكين على منواله . أما بعد فان الدين النصيحة وقد بايع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم وها إن الناس قد أكثروا من استعمال الفاظ اللعن والسباب والقذف وانتهاك الاعراض حتى تفاقم الأمر ، فتجرأ الصغار على استعمال ذلك من غير رادع ينصحهم ولا معلم يحذرهم ، وقد قال الله عز وجل : ) يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ( . فالله تبارك وتعالى ينهى عباده عن السخرية لانها سبب البغضاء ووسيلة الفتن والبلاء ، فيها يقع التشاحن بين القلوب وبنفر القريب من قريبه والأخ من أخيه ، فلا تسخر أيها المسلم بأخيك فربما كان عند الله أعظم منك مقاما وأشد قربا فان الله لا ينظر الى صوركم ولا الى أجسامكم ولكن ينظر الى قلوبكم فليست الكرامة عند الله بالمال ولا بالجمال ولا بالحسب والنسب ولكنها بالتقوى قال الله تعالى : ان أكرمكم عند الله أتقاكم ( وقد أخفى الله تعالى رضاه فى طاعته كما أخفى غضبه فى معصيته فرب عمل يسير من الطاعة تنال به عندالله مقاما كبيرا ، ورب معصية لا يؤبه لها يستحق صاحبها وزرا كبيرا وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا يضحك بها الناس ، يهوى بها فى النار سبعين خريفا فهل أحد أقبح وأشنع ممن ينطلق لسانه فى ميدان السباب انطلاق السهم ثم لا يقف عند حد فى سبابه بل كل ما خطر بباله وأمكن أن ينطق به واجه به أخاه بلا خوف ولا استحياء من الله ولا من الناس فيجرح عاطفته ويدنس عرضه ويجرده من كل شرف
فبسب أمه وأباه ويلعن آباءه وأجداده وصحبته والساعة التى رآه فيها وربما تطاول به الغضب فيقذفه بالفحشاء لا يحذر اليوم الآخر ولا يخاف الخلق ولا يهاب الحق . ان هذا الأمر تشمئز منه قلوب المتقين ، وتقشعر من جده جلود المؤمنين ، فان ما يظهر على الالسنة أثر لما فى القلوب فاذا كان ما فى القلوب ايمانا وخلقا صالحا كانت آثاره صالحة والا كانت سيئة فالجوهرى الذى تحيط به اللآلئ النفيسة متى أغضبته وآلمته لا يجد حوله الا تلك الجواهر والدرر يوجهها اليك وجوهرة واحدة منها تغنيك طول الأبد فنضطر ان تحول اساءتك اليه احسانا حتى كأنك له ولى حميم ، أما الآخر الخبيث فهو محاط بالطوب والحجارة والفضلات كلما لاطفته وصانعته لا يجد شيئا يكافئك به الا ما حوله من الحجارة المؤذية هذا مثل للطيب والخبيث من الناس فالطيب لا يحسن النطق الا بحسن الكلام وجميله وان كان فى منتهى الغضب ، والخبيث لا يعرف الا خبيث القول وان كان فى أصفى أوقاته ، كل على حسب استعداده ، وكل اناء بالذى فيه ينضح ان ديننا الاسلامى وأهله لا يعرفان إلا خير الكلام ولا يليق بهما الا ذلك ومن كان على غير هذا من فحش التعبير وسوء المنطق فليتأكد ان ذلك ليس من أخلاق المؤمنين ، فليعالج نفسه ليكون على الأقل مؤمنا -أجل - ان المؤمن لا يكون سبابا ولا فحاشا ولا لعانا ولا بذيئا ولا طعانا ان الفحش والتفحش ليسا من الاسلام فى شىء ، وكيف يلعن المؤمن أخاه ويطرده من رحمة مولاه ؟ فمن يرحمه اذن سواه ؟ ألا فليعلم اللاعن أنه مصب اللعنة فان اللعنة تصعد الى السماء فتغلق دونها أبواب السماء ثم تهبط الى الارض فتأخذ يمينا وشمالا فان لم تجد مساغا رجعت الى الذى لعن ان كان لذلك أهلا والارجعت لقائلها فهؤلاء اللعانون انما يلعنون أنفسهم والجاهل عدو نفسه " لعنت امرأة انصارية ناقة لها ضجرت منها فى بعض أسفاره صلى الله عليه وسلم فسمع ذلك عليه الصلاة والسلام فقال خذوا ما على الناقة و دعوها فانه لا تصحبنا ناقة ملعونة قال عمران فكأنى أنظرها وهى تمشى فى الناس ما يعرض لها أحد هذه عبرة لمن له أدنى عقل ، وزجر بالغ . واذا كان هذا فى لعن حيوان أعجم غير مكلف فكيف تكون الشدة فى لعن الانسان المكلف ؟ ولذا شبه الرسول
صلى الله عليه وسلم لعن المؤمن بقبله تحذيرا وتخويفا قال صلي الله عليه وسلم ولا يسب أحدكم أبويه قيل وكيف يسب الرجل أبويه يارسول الله ؟ قال " يسبب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه " .
قال الشاعر :
أحب مكارم الاخلاق جهدى وأكره أن أعيب وأن أعابا
وأصفح عن سباب الناس حلما وشر الناس من يهوى السبابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ومن حقر الرجال فلن يهابا
فالواجب على العلماء والاساتذة جميعا والوعاظ والآباء والاوصياء نصيحة الاولاد والعوام ونهيهم عن السفاة واللعن والسباب وفقنا الله لما يحب ويرضاه
