الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

في الأدب المقارن, مقارنات بين الأدب العربي والأدب الإنجليزى

Share

- ٤ -

ولقد أشرنا في المقال الأول من هذا البحث المتسلسل ، الى ان الشعر العربي يموج بالعاطفة ، والشعر الانجليزى تغلب عليه الفكرة ، ولعل ذلك هو السبب فى جودة الشعر العربى وميزته على اللأبجليزى ، لأن الناس يلتمسون عند الشاعر عاطفة ، وعند الفيلسوف فكرة ، وهم يلتمسون للعاطفة نغمة موسيقية ، ويلتمسون للفكرة أسلوبا وقالبا منطقيا فحسب ، (ولو وضعت العاطفة فى القالب المنطقى) لسخفت وهمدت ، ولو وضعت الفكرة فى نعمة موسيقية لاضحكت وتبددت ، ذلك لأن العاطفة تتحدث الى القلب ، والفكرة تتحدث الى العقل .

ولعلنا نستطيع أن نلتمس سببا آخر لأفضليته الشعر العربى على الشعر الانجليزى فى أن الرجل العربى أقدر على الشعور بالحادثات ، والنوازل والنكبات من الرجل الانجليزى ، أول المشاركة الوجدانية عند الشرق أقوى منها عند الغرب وذلك ظاهر ، فى أفراحنا ، وأحزاننا ، فى تلك الاعداد الكبيرة والمجاملات التى لا نقف عند حد ، والتقاليد ، والتكاليف التى فرضتها علينا الأزمان المتعاقبة والمتلاحقة وقل كذلك أن الشرقي يميل بفطرته الى المثل العالية ، فيتخيل ويمضى في الخيال ، وقل ان الغربى يميل بفطرته الى الجانب العمل من ميله إلى الفطرى

وكل هذا ، أو بعض هذا ، يفسر لنا هذه الظاهرة ! ظاهرة امتياز الشعر العربي على الانجليزى . ولعلك توافقني على أن المرائي تهز القلب هزاً وتهد النفس هداً ، وإن المديح الجيد يحرك فى الانسان عاطفة نبيلة ذلك لأن المرائي تفيض بالشعور

الصادق ، والمديح قد يفيض بشعور كهذا وفرق بين من يقول هذه الأبيات وبين من يقول ما يتلوها .

قد ياليل من سوادك ثوبا       للدرارى وللضحى جلبابا

انسج الحالكات منك نقابا      واحب شمس النهار ذاك البقايا

قل لها : غاب كوكب الأرض فى الأر        ض فغيبي عن السماء إحتجابا

والبسينى عليه ثوب حداد          واجلس للعزاء فالحزن طابا

ومن يمدح فيقول :

ملك سنان قناته وبناته         يتباريان دما وعرفا ساكبا

يستصغر الخطر الكبير لوفده     ويظن دجلة ليس يكفى شاربا

ان تلقه لا تلق الاقسطلا          أو جحفلاً أو طاعناً أو ضارباً

فكانما كسي النهار بها دجى       ليل واطلعت الرماح كواكبا

وليسمح لى القارىء لأهمس في أذنيه بان الشعر لا يقرأ مرة واحدة أبدا ، ولا يقرأ قراءة عابرة مطلقا ، فلا بدلك أن تقرأ البيت الواحد من الشعر مرتين أو ثلاثا ، حتى تستطيع أن تصل إلى المعنى الذى يود الشاعر أن يسكبه فى نفسك سكبا ، وقد تضطر فى كثير من الاحيان ان تعيد البيت الواحد مرات أكثر مما أقدر ، وأ كثر مما تقدر ، لتشعر شعور الشاعر ، ولتلتمس نفسه بين كلمات بيته فأن استطعت بعد هذا المجهود أن يجده فى بيته هذا لشعوره وروحه ونفسه ، فاحكم له بأنه شاعر مجيد ، وأن افتقدته فلم تجده ، فاحكم له بانه صاحب صنعة وليس بشاعر ، فلو وصل الى ذروة الإتقان فى هذه الصنعة

وأخش ان يكون قد القى فى روعك أن الشعر الأنجليزى ليس فيه جمال وليس فيه فن وليس فيه ما يستحق البحث والتنقيب وليس الامر كذلك وها أنا أقدم إليك ، قصيدة من شعر شاعر الأنجليز الكبير ، ومن ترجمة حافظ إبراهيم وليتني أستطيع أن أقدم لك القصيدة كلها لتستمتع ، ولكن مكاني من "المنهل"  محدود ، أو هو كالمحدود ، وأخشى أن أجاوزه كثيراً ، فعلى الرغم من أن الاستاذ

صاحب المنهل ، حريص جداً على أن أكتب، الا انه حريص جدا كذلك على أن يكتب غيرى كان يود أن يعتصر أكبر عدد من العقول ، ليقدمها تحفة غنية دسممة للقراء

ستقول أن الأسلوب العربى فى القصيدة أ كسبها جمالاً وبهجة ، وساوافقك وان كنت أعلم ، علم اليقين ، ان أسلوبها فى اللغة التى وضعت فيها ، لا يقل جمالاً وبهجة ، ومهما يكن من شيء فأنا أعرض لك الشعر لترى نفس الشاعر ، حائرة ثم لترى بعد ذلك ادوات الشاعر من كلمات وأخيلة ، وتشبيهات ومجازات ، أستطاع بها أن يصل إلى تصوير صادق للحالة التى هو فيها ، ولتعلم كذلك أن التفاعل بين هذه الأشياء جميعا لا يبلغ درجة من القوة مثلما يبلغها فى نفس الشاعر ، ولذلك لانغلو كثيراً اذا ذهبنا الى أن نفس الشاعر " معمل " معد أحسن الاعداد لتلقى صدى الاشياء جميعاً والأحداث جميعاً ، مهما خفت ذيذباتها وضعفت تموجاتها

والمتحدث فى هذه القصيدة " ملبث " القائد الكبير ، الذى إنتصر إنتصاراً حاسماً على العدو الخارجي فانقذ الوطن ؛ وقد ذهب الملك " دنكان " الى بيته ضيقا ليشعر العالم بفضل القائد ومكانته منه . فلما جن الليل ؛ اشارت عليه زوجته الفتك بدنكان فيقول : مخاطباً خنجراً تخيله فى هذا الموقف :

كأني أرى فى الليل نصلا مجردا        يطير بكلتا صفحتية شرار

تقلبه للعين كف خفية             ففيه خفوق تارة وقرار

يماثل نصلى فى صفاء فرنده     ويحكيه منه رونق وغرار

اراه فندنيني اليه شراستى            فينىآى وفى نفسى إليه أوار

إلى أن قال :

فمالى كأنى فاتك ذو عشيرة       خيارهم تحت الظلام شرار

إذا ما عوى ذئب الفلاهب جمعهم      إلى الشر واستلت ظباً وشفار

فيا ليل أنزلنى بجوفك منزلا         يضل به سرب القطا ويحار

اشترك في نشرتنا البريدية