الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

في الاسم .. والقسم ..

Share

لما ذكر المعرى فى رسالة الغفران عسل الجنة تذكر بيتين للنمر بن تولب فى وصف صاحبته أم حصن اذ قال :

ألم بصحبت وهمو هجوع خيال                                                              طارق من أم حصن

لها ما تشتهى : عسلا مصفي                                                              اذا شاءت وحوارى بسمن

والحواري نوع من الدقيق - وذكر حكاية خلف الاحمر مع أصحابه فى هذين البيتين ، حين أراد أن يختبرهم فى اللغة وراح يعوض أم حصن بشتى الاسماء ويطلب منهم ان يضعوا مكان" بسمن " ما يطابقها فى الوزن والقافية من المأكولات فواحدة كان نصيبها الشواء وأخرى التمر وثالثة الجبن ، وهكذا تكون الاسماء قد قسمت على الناس أرزاقهم وهم لا يعلمون . ولئن كان أبو العلاء - غفر الله له - يتسلى بهذه الرياضات اللغوية ، فلعله لم يكن يدري انه وضع اصبعه - فى لعبه ذاك - على موطن الداء من هذه الفانية وذكر الناس أنهم مسيرون لا مخيرون ومأمورون لا مسؤولون .

فالانسان لا يختار أمه وأباه وبالتالى لا يختار اسمه مثلما لا يختار بلاده وعشيرته ، بل يولد فى شبكة من قيود خفية تصدره الى العالم بطابع مميز مثل العملة فى سوق الصرف ، فهذا له وجه الدولار والآخر له وجه الليرة ،  والتحويل - كتغيير الاسماء واستبدال الجنسيات - لا يزيد فى القيمة بقدر ما يكشف عن الخوف وينبه الى خطر الزيف ، الا انه محاولة يائسة فى مقاومة القضاء المحتوم ورفض الامر الواقع . كم من" جميلة " قبيحة ومن "لمياء " كزة الفم ومن" صالح " طالح ومن "عادل ، ظالم ومن منصف " جائر" ومن " هادىء " ثائر . الا ان الاسماء الحقيقية ليست تلك التى يحملها الناس فى بطاقات الولادة بل تلك التى تعطيهم شرعية الوجود وتختار لهم نمط العيش وتقدم لهم مثل قافية النمر بن تولب نوع الاكل والشراب أو صنوف

الشقاوة والعذاب . وقد يكون الاسم غير مستحق لما حمل من الردىء أو الجيد فيحصل الانفصام وتأخذ الطبيعة فى تطبيق قوانينها الازلية لانها تحب الانسجام وتكره الخلل والفراغ دون ان تتهم بالعنصرية والمفاضلة بين الاجناس . وقد تكون متعة الانسان فى نحت اسمه وقسمه أكبر من نعمة الوارث المجدود ( 1 ) .

يحكى أن الملكة جوزيفين زوجة نابليون بونبارت قدمت لزوجها أحد الرجال - وما أكثر ما عرفت منهم - فقالت : هذا رجل له اجداد . . فقال لها نابليون : أما أنا . . فانى أنا الجد !

الا ان بعض الاسماء قد اكتسبت شرعية منحها اياها التاريخ والذوق السليم ، ومنها اسم - جندب - فى هذا البيت العجيب الذي يصور غفلة الواهب وجشع الطالب :

واذا تكون كريهة أدعى لها

                            واذا يحاس الحيس ( 2 ) يدعى جندب

والجندب علم الا انه فى اللغة الجراد ومن معانيه الغدر - والحيس تمر يخلط بسمن ولا شك ان العبارة تعنى فى هذا البيت كل ما لذ وطاب ، ولا اظن أن المعرى رغم عبقريته الفذة كان يستطيع ان يغير اسم جندب باسم غيره رغم أنه لا تتحكم فيه قافية ولا وزن لان البيت مستقل بنفسه ، وقد حل فيه جندب محل هارباغون فى أدب موليير وعطيل فى أدب شكسبير . والجنادب هم أولئك الذين يرفعون كل شعار ويركبون كل قطار ، يجلسون على كل الموائد ويحضرون كل المشاهد ، وجندب حاضر فى كل مكان ، صالح لكل أوان ، لا ينقصه من الله الا ان تكبر اللقمة ولا تشمل غيره الرحمة .

اشترك في نشرتنا البريدية