4.10 . علاقة الانواع الدلالية بالانواع النحوية :
تبرز فى المعالجة الاحصائية الاسلوبية للاستعارة قضية العلاقة بين الانواع الدلالية والانواع النحوية . ويمكن صياغة مشكلة هذه العلاقة فى سؤالين يتطلبان إحابة مقنعة ، وهما :
(1) هل يؤثر كل نوع من الانواع الدلالية الثلاثة : التجسيدية والاحيائية والتشخيصية نوعا نحويا بعينه من الانواع الاربعة : الفعلية والمفعولية والوصفية والاضافية ؟
(2) هل لهذا الايثار - إن وجد - طابع لغوى عام أم أنه خاصية أسلوبية يمتاز بها شاعر من شاعر ؟
لكى نجيب على هذين السؤالين لا بد أن نقوم بخطوتين :
أولاهما - الترتيب التنازلى لتوزيع الانواع الدلالية على الانواع النحوية لدى كل شاعر من الشعراء الثلاثة . وهذا ما ضمناه الجداول ( 9 - 17 ) .
ثانيتهما - مقارنة معطيات الجداول التسعة لاستيضاح جوانب المشكلة ومواقف الشعراء الثلاثة منها .
جدول (9) توزيع الاستعارة التجسيدية على الأنواع النحوية ( البارودى )
النوع النحوى ______________ إضافى مفعولى فعلى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 54 25 17 4 ______________ 100
جدول ( 10 ) توزيع الاستعارة الاحصائية على الانواع النحوية ( البارودى )
النوع النحوى ______________ فعلى إضافى مفعولى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 71 20 5 4 ______________ 100
جدول ( 11 ) توزيع الاستعارة التشخيصية على الأنواع النحوية ( البارودى )
النوع النحوى ______________ فعلى إضافى مفعولى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 60 23 10 7 ______________ 100
جدول ( 12 ) توزيع الاستعارة التجسيدية على الأنواع النحوية ( شوقى )
النوع النحوى ______________ إضافى مفعولى فعلى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 38 28 22 12 ______________ 100
جدول ( 13 ) توزيع الاستعارة الاحيائية على الأنواع النحوية ( شوقى )
النوع النحوى ______________ فعلى إضافى مفعولى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 76 9 9 6 ______________ 100
جدول ( 14 ) توزيع الاستعارة التشخيصية على الأنواع النحوية ( شوقى )
النوع النحوى ______________ فعلى إضافى مفعولى وصفى ______________ المجموع
% ______________ 63 20 11 6 ______________ 100
جدول ( 15 ) توزيع الاستعارة التجسيدية على الأنواع النحوية ( الشابى )
النوع النحوى ______________ إضافى وصفى فعلى مفعولى ______________ المجموع
% ______________ 59 17 12 12 ______________ 100
جدول ( 16 ) توزيع الاستعارة الاحيائية على الأنواع النحوية ( الشابى )
النوع النحوى ______________ فعلى وصفى إضافى مفعولى ______________ المجموع
% ______________ 13 32 22 5 ______________ 100
جدول ( 17 ) توزيع الاستعارة التشخيصية على الأنواع النحوية ( الشابى )
النوع النحوى ______________ فعلى إضافى وصفى مفعولى ______________ المجموع
% ______________ 40 30 26 4 ______________ 100
والآن ، ماذا وراء هذه المعطيات ؟ ، وما المعيار المرتضى للتمييز بين ما هو لغوى عام وما هو أسلوبى متفرد ؟
يبدو أن العيار المنطق هو ترجيح اعتبار ما اشترك فيه الشعراء الثلاثه على الرغم من اختلاف مشاربهم ونزعاتهم - خاصية لغوية عامة . أما ما اختلفوا فيه ففى شأنه تفصيل نعرض له فيما بعد .
واذا صح هذا المعيار فان علينا قبل المضى فى تطبيقه ان نحدد مواطن الاتفاق والافتراق بينهم من خلال إعادة عرض المعلومات المتضمنه فى الجداول ( 9 - 17 ) فى أشكال توضيحية بطريقتين :
الاولى : تظهر المقارنة فى المواقف مع الترتيب التنازلى للانواع النحوية فى أشكال تخطيطية تحمل الارقام ( 2 - 4 ) .
الثانية : تعرض المقارنة بالنسب المئوية في رسوم بيانية تحمل الارقام ( 7-5 ) .
وتؤدى بنا مقارنة الاشكال ( 2 - 7 ) وتأملها الى استنباط عدد من النتائج الهامة المتصلة بمواقف الشعراء الثلاثة من خاصية توزيع الانواع الدلالية على الانواع النحوية . فهى تدلنا أولا على مواطن الاتفاق بينهم ، والتى تعتبر - تبعا للمعيار الذى تقترحه - ظواهر لغوية عامة ، لا نزعات أسلوبية تعكس التفرد والخصوصية . وباستقراء مواطن الاتفاق يمكننا تقرير ما يلى :
(1) ان الاستعارة التجسيدية ترتبط نحويا بالتركيب الاضافى ، أو بعبارة أخرى أن التركيب الاضافي هو أكثر الانواع النحوية ملائمة لصياغة الاستعارة التجسيدية .
(2) أن الاستعارة الاحيائية ترتبط نحويا بالتركيب الفعلى ، فهو اكثر الانواع النحوية ملائمة لصياغتها .
(3) أن الاستعارة التشخيصية ترتبط نحويا بالتركيب الفعلى فى المرتبة الاولى ثم بالتركيب الاضافى .
(4) أن الاستعارة المفعولية هي أقل الانواع النحوية استجابة لصياغة الاستعارة بأنواعها الدلالية المختلفة .
أما ما وقع فيه الخلاف بين الشعراء الثلاثة فقد ذكرنا أن فى أمره تفصيلا وبيان ذلك أن مواطن الاختلاف تحتمل أحد احتمالين ، صدق أولهما لا يلزم عنه بالضرورة صدق الثانى .. اما صدق الثانى فلا ينفي صدق الاول .
فأول الاحتمالين : ان يكون هذا الخلاف خاصة اسلوبية يمتاز بها شاعر من شاعر ويكون هذا الاحتمال راجحا اذا لوحظ عدم انتظام توزيع الظواهر فى العينات المفحوصة .
وأما ثانى الاحتمالين : فهو أن يكون الاختلاف الملحوظ بين العينات المفحوصة دليلا على اختلاف الاتجاهات والنزعات فى صياغة الشعر . ويكون هذا التفسير راجحا عند انتظام توزيع الخواص الاسلوبية ، وتلازم الاختلاف المنتظم فيها مع اختلاف الاتجاهات والانتماءات فى المذهب الشعرى .
ويقدم لنا فحص خاصية الاستعارة فى القصائد المختارة حالة من حالات التوزيع المنتظم للخواص الاسلوبية سواء فى مواطن الاتفاق أو الافتراق . فأما مواطن الاتفاق فقد أسلفنا الابانة عنها . وأما عن الافتراق فيبدو واضحا اتفاق البارودى وشوقى في كافة الظواهر التى جرى قياسها وهى :
(1) كثافة اللغة الاستعارية .
(2) توزيع الانواع الدلالية على الانواع النحوية .
وتظهرنا لما المقارنة بين معطيات الشاعرين والمعطيات الخاصة بالشاب على اختلافهما معه فى معظم ما اتفقنا عليه .
وانتظام توزيع الظواهر المقيسة على هذا النحو بين الشعراء الثلاثة يطرح سؤالا مفتوحا لا يمكن أن يحظى فى اطار هذا البحث . باجابة يقينية وهو :
هل للاختلاف بين الشعراء الثلاثة دلالة عامة ترتبط باختلاف نزعاتهم بين إحيائية خالصة ، وإحيائية مجددة ، ونزعه رومانسية ، أم انها فروق أسلوبية مميزة لاعيانهم من بين سائر الشعراء ؟ 706 130
ولقد ذكرنا ان الاجابة على صدر السؤال بالايجاب يمكن أن تنسحب أيضا على الجزء الاخير منه : لكن العكس ليس بالضرورة صحيحا . وفي كلتا الحالين تثبت لنا الحقيقة الآتية بيقين : وهى ان نتاج شوقى على الرغم من وقوعه وسطا من الاحيائية الخالصة التى يمثلها البارودى والرومانسية التى يمثلها الشابى ما يزال فى خواصه الاسلوبية أقرب الى الاولى منه الى الثانية . ويتأكد ذلك ببروز نتاج الشابى بوصفه صوتا متميزا يجهر بانتمائه الى تيارات التحديث التى شقت للشعر العربى الحديث طريقا جديدا .
وعند آية حال فان التماس الجواب اليقين على هذه الاطروحة لا يتحقق الا باستخدام التشخيص الاسلوبى عامة ، والاحصائى خاصة ، لدراسة هذه الظواهر وقياسها فى مزيد من النتاج الشعرى لمزيد من الشعراء الذين يمثلون التيارات الثلاثة . حينئذ يتمكن الباحث من ملاحظة مدى انتظام توزيع الظواهر بطريقة علمية تمتاز بالقياس الموضوعى المنضبط الذى يسمح له باستنباط الاحكام ، واجراء التحليل ، واقامة الدليل .
على أن ثمة ملاحظة نجد من الضرورى والطريف أن نشير اليها فى ختام البحث . ان تأمل الاشكال ( 5 - 7 ) يؤكد تجانس أسلوب الشاعر الواحد فى معاملة الانواع النحوية من حيث علاقتها بالانواع الدلالية ويظهر واضحا لمن يتبع خط الشاعر الواحد فى الاشكال الثلاثة أن التجانس بين الخطوط الثلاثة الممثلة لشعر الشاعر ظاهر بحيث تكاد تنعدم المفاجآت والانحاءات غير المتوقعة . وهذا فى حد ذاته دليل مزدوج على وحدة الشخصية الشعرية من جهة وعلى صدق القياس من جهة أخرى .
. الخلاصة :
كانت العينات المختارة من قصائد البارودى وشوقى والشابى مجالا خصبا لدراسة مشكلة قديمة حديدة هى الاستعارة . وكانت الوسيلة المنهجية التى أعملت لمقاربتها هى التشخيص الاسلوبى الاحصائى . وقد استلزم تطبيقها عددا من الاجراءات المنهجية شملت :
أولا - تحديد مفهوم الاستعارة .
ثانيا - تصنيف الاستعارة باعتبارين أحدهما دلالى ، وانقسمت بمقتضاه الاستعارة الى تجسيدية واحيائية وتشخيصية . والآخر نحوى ، وانقسمت بمقتضاه الاستعارة الى فعلية ومفعولية ووصفية وإضافية .
ثالثا - تحديد طريقة للكشف عن الاستعارة بتحويل البيت الشعرى الى سلسلة من الجمل البسيطة تظهر بها العلاقات الدلالية والنحوية بين عنصرى الاستعارة .
رابعا - توصيف الطريقة المتبعة فى اجراء القياس بحيث يمكن وصفها فى خدمة أى باحث قد يجد فيها حلا لبعض ما قد يعترضه من مشكلات علمية فى معالجته للغة الشعر .
وكان الهدف من إجراء القياس الاحصائى اختبار المسائل الآتية :
(1) كثافة اللغة الاستعارية .
(2) تمايز الشعراء فى استخدامها تبعا لخواصها الدلالية .
(3) تمايز الشعراء فى استخدامها تبعا لخواصها النحوية .
(4) توزيع الانواع الدلالية على الانواع النحوية .
(5) معايير التمييز بين الخواص اللغوية العامة والسمات الاسلوبية الفردية أو المميزة لبعض التيارات والمذاهب الشعرية .
وقد أمكن بتطبيق المقياس واختبار هذه المسائل التوصل الى بعض النتائج الهامة فى دراسة المشكلة التى وضعناها للبحث . بيد أن أهمية البحث تتجاوز فى نظرنا ما تقدمه من حلول لهذه القضايا بعينها الى كونه مثالا نوضيحيا لطريقة فى معالجة النص الادبى نأمل ان تكون فيها فائدة ترجى . وأن ينظر اليها على انها إسهام موضوعى من جانب المشتغلين بعلوم اللسانيات والاسلوب فى تنوير قضايا تاريخ الأدب ونقده واستجلاء غوامضها . ولعل فى ذلك تصديقا لمقولة لا نمل من تردادها وهى : " إن الادب فن " . ولكن دراسة الادب يجب أن تكون علما منضبطا (22) .

