1 - مدخل :
الاستعارة ظاهرة من أهم ظواهر التعبير اللغوى فى لغة الحياة اليومية ، والنصوص الادبية ، بل فى ذروة هذه النصوص جميعا وهو القرآن الكريم . وقد تجاوزت بأهميتها حدود علوم البلاغة الى علوم أخرى كثيرة ، كعلوم اللسان والتفسير والحديث وأصول الفقه وعلم الكلام والمنطق والفلسفة (1).
من ثم كانت محاصرة مبحث الاستعارة داخل حدود العلوم البلاغية ، والنظر اليها على أنها مجرد مبحث من مباحث علم البيان ، الذى هو أحد علوم البلاغة الثلاثة فى التقسيم الشهير ، أمرا يستوجب المراجعة لاسباب كثرة ؛ منها أن هذه النظرة من شأنها أن تثبت احتكار البلاغة لمبحث لا يعنى البلاغيين وحدهم ، بل يعنى جمهرة كبيرة من اللسانيين والمفسرين والفقهاء والمتكلمين والمناطقة والفلاسفة .
ومنها أيضا أن كل مجال من هذه المجالات المعرفية جدير بأن يلقى من جهته بعض الضوء على هذه الظاهرة التى لا تخلو منها لغة معروفة على وجه الارض .
ومنها ثالثا أن البلاغة وقفت ببحث الاستعارة عند حدود القواعد التعليمية التى تهتم بالحفظ والتلقين دون فحص الظاهرة واستبصار جوانبها المختلفة .
ومنها رابعا ان مشكلة الاستعارة قد اتخذت - فى ضوء ما أحرزته علوم اللسان من تطور ، وفى ضوء اشكالية العلاقة التى لم تتبلور بعد بين علوم البلاغة المدرسية والدرس الاسلوبى المعاصر - أبعادا تتسم بالجدة والثراء والتعقيد . ومن ثم لم يكن عجبا أن يرى البلاغيون المدرسيون فى الاستعارة أمرا محسوما لا يمكن الاتيان فى درسه بجديد يذكر (2) ، ومع ذلك يعمد العلم الى فتح ملف الاستعارة من جديد ، فتتعدد المؤلفات والدراسات والاتجاهات فى فهمها ، وتعقد الندوات لدراستها ، ويجتمع العلماء على معالجتها من مختلف التخصصات ) 3 ( . وبرزت بذلك فى مجال درسها مشكلاط كثيرة : بعضها قديم جديد ، وبعضها مما لا عهد للدرس التقليدى به . وسنحاول هنا - بشئ من التعسف لا مفر منه - أن نقص الكلام على الجانب اللسانى ، بل - إن شئنا الدقة - على الاستعارة بوصفها خاصية أسلوبية مميزة للصناعة الشعرية عند ثلاثة من أكثر الاصوات الشعرية تميزا فى العصر الحديث وهم : محمود سامى البارودى ، وأحمد شوقى ، وأبو القاسم الشابى .
أما المنظور الذى آثرنا أن نعمله فى فحص الاستعارة عند الشعراء الثلاثة فهو التشخيص الاسلوبى الاحصائى . ونحن عنينا بذلك أن نضيف الى محاولات لنا سبقت (4) محاولة جديدة نعزز بها طاقم المقاييس التى يمكن اللجوء اليها حين يراد الوصول الى مؤشرات موضوعية فى فحص لغة النصوص
الادبية ، وتشخيص أساليب المنشئين . وهذه المؤشرات والمقاييس الموضوعية - فى ظننا - وسيلة منهجية منضبطة يمكن بها استنقاذ الدرس الادبى من ضباب العمومية والتهويم ، وتخليصه من سلطان الاحكام الذاتية التى تفتقد السند والدليل ، وتستعصى على التحليل والتعليل . وهذه الوسائل المنضبطة فى الدرس العلمى ليست بديلا للذوق . وإن كانت محاولة علمية لعقلنة الذوق . كذلك فان الفحص اللغوى للنص ليس بديلا (( ألسنيا )) - إن صح التعبير - للنقد الادبى ، بل هو نوع من المقاربة المنهجية للغة الادب ، ذو نفع مزدوج لعلوم اللسان وعلوم النقد ، وهو - فى الوقت نفسه - مدخل منهجى لا يمكن لنقاد الادب الخلص ان يشيحوا بوجوههم عنه ، والا فقدت دراساتهم جانبا كبيرا من منهجيتها وموضوعيتها وجدواها (5) .
2 - لماذا هؤلاء الشعراء الثلاثة ؟
ثمة اجماع على ما يتمتع به محمود سامى البارودى (1839 - 1904 ) من مكانة خاصة بين شعراء العربية العظام ، وعلى اعتباره رائد النهضة الشعرية العربية فى العصر الحديث . يقول الاستاذ أحمد حسن الزيات : (( إن كان لامرئ القيس فضل فى تمهيد الشعر وتقصيده ، ولبشار فى ترقيته وتجويده ، فللبارودى كل الفضل فى احيائه وتجديده (6) )) وتذهب هذه المقالة مذهب الحقيقة المسلمة عند جميع من عالج قضية تطور
الشعر العربى الحديث من نقاد الادب ومؤرخيه (7) . أما أحمد شوقى (1868 - 1932) فقد جاء إلى القصيدة العربية الغنائية التى رد عليها البارودى حياتها فبلغ بها ذروة سامقة لم تبلغها منذ قرون ، ووقف بذلك على قمة الاتجاه الاحيائى بعد البارودى . وكانت علائقه بالاتجاهات الرومانسية المجددة من الظهور بحيث يصعب إنكارها ، وبدا ذلك واضحا فيما عالج من موضوعات وأغراض ، وفى الاجناس الادبية التى افترعها ، ومكن للشعر العربى من تطويعها ، ومن علاقته الطيبة بجماعة أبوللو التى حملت مع غيرها من المدارس الشعرية الحديثة لواء التجديد فى الشعر العربى (8) .
ولقد كانت للشاب ( 1909 - 1934 ) بجماعة أبوللو ومؤسسها أحمد زكى أبو شادى علائق وثيقة على المستويين الفكرى والشخصى . وكان احتفاء الجماعة بشعر الشابى شاهد عدل على اعترافها بموهبته الشعرية ، وكان لذلك أثره فى تعريف العالم العربي بالشاعر ، وفى سيرورة شعره بين قراء العربية (9) .
وهكذا يتصل السند فى قضية الاصالة والحداثة من خلال نتاج الشعراء الثلاثة الكبار . وهذا ما حفزنا الى استقراء خصائص لغة الاستعارة فى نتاجهم، وما عرض لها من تطور ، فى محاولة منا للكشف عن خاصية من أهم الخواص الاسلوبية المميزة لكل منهم من جهة ، ولما يمثلونه من تيارات واتجاهات من جهة أخرى ، بدءا من الاتجاه الاحيائى الخالص عند البارودى الى الاتجاه الرومانسى المجدد الذى يمثله الشابى خير تمثيل ، ومرورا بالمرحلة الاحيائية المجددة التى يتزعمها أحمد شوقى .
ويبدو لنا أن الفحص الاسلوبى الاحصائى للاستعارة فى نتاج الشعراء الثلاثة قادر على أن يوضح لنا جانبا هاما فى حركة الشعر الحديث ، من زاوية لم تلق بعد ما هى جديرة به من اهتمام ، وهى زاوية الصناعة الشعرية ، ذلك أن الغلبة فى مجال الدرس الادبى كانت وما تزال للمقاربات التاريخية والمذهبية والسياسية والاجتماعية . وبذا توارت مشكلات اللغة الشعرية على أهميتها بالحجاب .
ونوجز أهداف هذا البحث فى النقاط الآتية
اولا - تقديم تصنيف اجرائى للاستعارة يختلف عن التصنيف البلاغى المدرسى السائد ، وذلك على أساسين : أحدهما دلالى ، والآخر نحوى . وهذا التصنيف صالح فى رأينا لان يكون أساسا قابلا للتعديل والتطوير تقوم عليه دراسة اللغة الشعرية .
ثانيا - الكشف عن خواص لغة الاستعارة بوصفها سمة أسلوبية مميزة (Stylistic marker) للبارودى وشوقي والشابى من جهة ، ولما يمثلونه من اتجاهات من جهة أخرى .
ثالثا - استجلاء طبيعة العلاقة بين التركيب النحوى والخواص الدلالية فى الاستعارة .
رابعا - الفرز والتمييز بين الخواص المرتبطة بأسلوبية الشاعر الفرد ، وتلك التى تتعلق باللغة العربية وأنماط الاستعمال اللغوى العامة التى لا نختص بشاعر دون شاعر ، بل تتجاوز أفراد الشعراء الى النظام اللغوى الذى يحكم اختياراتهم ويوجهها . ولنقل - بعبارة أخصر - : انه محاولة التمييز بين ما هو لغوى وما هو اسلوبى فى صياغة الاستعارة .
3 - العينات المدروسة
كان لا بد أن نختار لهذه الدراسة عينات جيدة التمثيل من نتاج الشعراء الثلاثة تتوافر فيها شروط ثلاثة :
أولها : عشوائية الاختيار
وثانيها : أن تكون نسبة النصوص المختارة الى جملة الشعر المتضمنة فى رء السعر الحصية فى دواوين كل منهم واحدة أو متقاربة قدر الامكان
وثالثها : ان يكون الاختيار لقصائد كاملة لا لأبيات متفرقة أو لأجزاء من قصائد .
وليس للشابي - كما نعلم - الا ديوان واحد هو " أغاني الحياة فاختيارنا محصور فيه لا محالة . أما شوقي فيقع ديوانه في أربعة أجزاء ، ضم الاول والثاني منها قصائده فى التاريخ والسياسة والاجتماع ، وخلص الثالث للمراثى ، أما الرابع فكان كما قال الاستاذ محمد سعيد العريان في تقديمه " ومن التجوز أن تسمى ذلك جزءا فما هو الا بقية أو شئ من البقية " ) 10 ( لذا لم نجد بأسا فى قصر الاختيار على الجزأين الاول والثاني من الشوقيات
والاساس الذى اعتمدناه لتحقيق شروط الاختيار الثلاثة هو ترتيب قصائد " أغاني الحياة للشاب وقصائد الجزأين الاولين من " الشوقيات " ترتيبا تنازليا من حيث عدد الاببيات ، ثم اختيار عدد متماثل من كلا المصدريا بحسب ترتيبها التنازلى ، بذا تتحقق عشوائية الاختيار . أما العدد المختا من القصائد فتحكمه وحدة النسبة - أو تقاربها ما أمكن - بين عدد الابيات المختارة وجملة عدد الاببيات المتضمنة فى الديوانين كي يتحقق الشرطان الثاني والثالث من شروط الاختيار . أما البارودى ففي اختيار عيناته تفصيل سيأتي في موضعه
وتطبيقا لما سبق من معايير تم اختيار القصائد الخمس الطوال التى تحتل من حيث عدد أبياتها رأس القائمة فى الديوان الحياة والجزاين
الاولين من (( الشوقيات )) (11) . الجدولين ( 1 ) و ( 2 ) بيان بالقصائد المختارة من شعر الشاعرين مرتبة ترتيبا تنازليا ، وبيان عدد الاببيات فى كل قصيدة ، ونسبة مجموع الابيات المختارة الى جملة الابيات فى كل ديوان .
جدول ( 1 ) القصائد المختارة من الشوقيات
ترتيب القصيدة 1 2 3 4 5
القصيدة كبار الحوادث فى وادى النيل صدى الحرب نهج البردة أيها النيل الهمزية النبوية
موضعها من الديوان 1 / 71 - 37 1 / 42 - 58 1 / 190 - 208 2 / 64 - 74 1 / 34 - 41
عدد الأبيات 264 260 190 153 131
مجموع الأبيات المختارة 998 جملة أبيات الجزأين 6492 النسبة المائوية 15 %
أما البارودى فقد كان لاختيار عيناته مشكلة خاصة حملتنا على إجراء تعديل طفيف فى عملية الاختيار . والتزمنا فى التعديل بشروط الاختيار الثلاثة مع زيادة عدد القصائد المختارة الى عشر قصائد بدلا من خمس . وعلة ذلك أن أطول قصيدة فى الجزأين الاول والثانى من ديوان البارودى تبلغ 67 بيتا ، أى أنها تقع دون عدة أبيات (( الجنة الضائعة )) اقصر القصائد الخمس الطوال فى ((أغانى الحياة)) ، على حين يبلغ مجموع عدد الابيات فى الجزأين
جدول ( 2 ) القصائد المختارة من أغانى الحياة
ترتيب القصيدة 1 2 3 4 5
القصيدة يا شعر قلب الأم حديث المقبرة الغاب الجنة الضائعة
موضعها من الديوان 35 - 41 129 - 133 134 - 140 168 - 191 147 - 150
عدد الأبيات 98 94 71 71 70
مجموع الأبيات المختارة 404 جملة عدد الأبيات فى الديوان 2374 النسبة المائوية 17 % 404 2374 % 17
الاول والثانى من ديوان البارودى 3505 بيتا بزيادة على مجموع أبيات (( أغانى الحياة )) تتجاوز 1130 بيتا من هنا لم يكن بد من زيادة عدد القصائد المختارة من شعر البارودى ليصبح عشر قصائد . وبذلك لا تنتقض صفة العشوائية ، كما يتسنى تمثيل شعر البارودى بنسبة مقاربة للنسبة التى تم اختيارها من شعر شوقى والشابى (12) . ويحدد الجدول القصائد المختارة للبارودى ونسبة عدد أبياتها الى مجموع ابيات الديوان .
جدول ( 3 ) القصائد المختارة من ديوان البارودى
ترتيب القصيدة 1 2 3 4 5 6 7 8
القصيدة أيد المنون قدحت أى زناد ؟ تأوب طيف من سميرة زائر سكن الفؤاد وجفت الآماق هو البين حتى لا سلام ولا رد رضيت من الدنيا بما لا أوده سواى بتحنان الأغاريد يطرب هل فى الزمان لنا حكم فنشترط ؟ أسلة سيف أم عقيقة بارق رمت بخيوط النور كهربة الفجر متى أنت عن أحموقة الغى نازع ؟
موضعها من الديوان 237 - 248 2 / 81 - 103 2 / 300 - 315 1 / 209 - 219 1 / 187 - 195 1 / 89 - 95 2 / 358 - 368 2 / 3 - 11 2 / 213 - 223
عدد الأبيات 67 67 67 63 56 52 52 51 50 50
مجموع الأبيات المختارة 575 جملة عدد الأبيات فى الديوان 3505 النسبة المائوية 16 %
ويستبين من معطيات الجداول الثلاثة أن نسبة عدد الأبيات المختارة الى جملة الشعر فى دواوين شوقى والبارودى والشابى هى على الترتيب 15 و 16 و 17 . وهى أقصى ما استطعنا تحقيقه من تقارب فى إطار عدم التضحية بعشوائية الاختيار من جهة ، والاستسماك باختيار قصائد كاملة لا أبيات متفرقة أو أجزاء قصائد من جهة اخرى .
4 - تحديد اجرائى لمفهوم الاستعارة :
لا يمكن القيام باجراء قياس إحصائى دقيق للاستعارة دون أن نقدم بين يدى هذا العمل تحديدا واضحا لما نعنيه بالاستعارة ، وللتصنيف الذى ارتضيناه أساسا لعملية القياس .
وتتعدد النظريات التى تطرحها أعمال اللغويين والنقاد والفلاسفة فى مجال تفسير طبيعة الاستعارة ، وتحديد مفهومها .
وقد عقد الاستاذ ج . ج . موييج (J. J. Moo IJ) فى كتابه (( Astudy of metaphor )) (13) فصلا بعنوان (( The theories of metaphor )) صنف فيه هذه النظريات الى طائفتين : أولاهما نظريات أحادية monistic theories تقوم على إغفال الاشارة إلى امتدادات المعنى الحرفى فى التعبيرات الاستعارية . وثانيهما نظريات ثنائية ( dualistic theories ) تقوم على الاحتفاظ بالامتداد الحرفى فى التعبيرات الاستعارية (14) . ويلاحظ فى هذا الصدد وجود درجات متفاوتة فى كلتا الطائفتين ، كما يلاحظ أن التفسير المدرسى للاستعارة فى البلاغة العربية انما ينتمى الى النظريات الثنائية لا الاحادية .
ويحتاج النظر فى أمر هذا التصنيف الى كلام شديد لتحصيل والتفصيل ، لوقوعه فى الصميم من مسائل فلسفة العلوم . وما نظنه ممكنا أن يوفى الخلاف بين هذه النظريات حقه عرضا وتحليلا وترجيحا فى سطور قليلة نقدم بها لما نحن بازائه من اجراء دراسة أسلوبية احصائية للاستعارة .
بيد أن المنظور الاسلوبى الاحصائى يتمتع بميزة هامة - أشرنا اليها فى موضع آخر - هى كونه (( من المعايير الموضوعية الاساسية التى يمكن باستخدامها تشخيص الاساليب ، وتمييز الفروق بينهما . ويكاد ينفرد من بين المعايير الموضوعية بقابليته لان يستخدم فى قياس الخصائص الاسلوبية كائنا ما كان التعريف الذى يتبناه الباحث للاسلوب ، أو الطراز النحوى الذى يستخدمه (15) . واغتناما لهذه الميزة ، وتيسيرا لمهمة التشخيص الاسلوبى الاحصائى للاستعارة نورد التعريفات الاجرائية التالية للمفاهيم الاساسية المعتمدة فى هذا البحث :
(1) الاستعارة هى اختيار معجمى تقترن بمقتضاه كلمتان فى مركب لفظى ( collocation ) اقترانا دلاليا ينطوى على تعارض - أو عدم انسجام - منطقى . ويتولد عنه بالضرورة مفارقة دلالية (Semantic deviance) تثير
لدى المتلقى شعورا بالدهشة والطرافة . وتكمن علة الدهشة والطرافة فيما تحدثه المفارقة الدلالية من مفاجأة للمتلقى بمخالفتها الاختيار المنطقى المتوقع .
(2) يتمثل جوهر المفارقة الدلالية فى نقل الخواص (Features transfer) من أحد عنصرى المركب اللفظى الى العنصر الآخر . ومثال ذلك قول شوقى فى الهمزية :
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسم وثناء
حيث نقل خاصية (( الولادة )) وهى خاصية حيوية الى معنى مجرد هو (( الهدى )) كما أضاف (( الفم )) وهو شىء حسى يستخدم فى تسمية العضو المعروف فى الكائن الحى الى (( الزمان )) وهو معنى مجرد وكلاهما مما أطلقنا عليه (( الاستعارة )) الاحيائية (animation) وسيأتى بيان هذه الانواع تفصيلا إن شاء الله .
(3) يتخذ المركب اللفظى (Collocation) اللغوى شكل مركب نحوى (Collogation) . وبذلك يمكن تحليل المركب اللفظى (( ولد الهدى )) نحويا الى (( فعل مبنى للمجهول + نائب فاعل )) ، كما يحلل المركب اللفظى (( فم الزمان )) الى (( مضاف + مضاف إليه )) . ويعتبر أولهما (( مركبا فعليا )) وثانيهما (( مركبا اضافيا )) . وسيأتى شرح المراد بهذين المصطلحين وما جرى مجراهما .
5 - تصنيف الاستعارة بحسب النقل الدلالى :
لا بد لتصنيف الاستعارة بحسب نقل الخواص الدلالية - اذا ما أريد له أن يكون مستوعبا وشاملا - من أن يرتكز على تصنيف واسع للخواص الدلالية المتعلقة بالاشياء والاحداث . غير أن مرادنا من هذا البحث أن نقدم معالجة أسلوبية احصائية هى أقرب الى ضرب المثل التوضيحى منها الى المعالجة الشاملة . ومن ثم تابعنا فى بحثنا هذا جورج لاندون (George Landon) فى اكتفائه بتصنيف ثلاثى للاستعارة تبعا لنوعية الخواص المنقولة وهى : (16)
(1) الاستعارة التحسدية : (reification)
وتحصل باقتران كلمة تشير دلالتها الى جماد (concrete) بأخرى تشير دلالتها الى مجرد (abstract) ومثالها قول شوقى ( كبار الحوادث ) :
هيكل تنثر الديانات فيه فهى فهى والناس والقرون هباء
وقوله أيضا ( الهمزية )
والوحى يقطر سلسلة من سلسل واللوح والقلم البديع رواء
(2) الاستعارة الاحيائية : (animation)
وتحصل باقتران كلمة يرتبط مجال استخدامها بالكائن الحى بشرط ألا تكون من خواص الانسان ، بأخرى ترتبط دلالتها بمعنى مجرد او جماد . ومثالها قول البارودى ( هو البين ) :
لقد تعب الوابور بالبين بينهم فساروا ولازموا رحالا ولاشدوا
وقول شوقى ( كبار الحوادث )
لبثت مصر فى الظلام الى أن قيل مات الصباح والاضواء
(3) الاستعارة التشخيصية : (personification)
وتحصل باقتران كلمتين احداهما تشير الى خاصية بشرية ، والأخرى الى جماد أو حي أو مجرد . ومثالها قول الشابى ( يا شعر ) :
فلعل قلب الليل ار حم بالبقلوب الباكية
( حي + بشري )
وقوله ( قلب الأم )
الرهر يدفن فى ظلا م الموت حتى الذكريات
( مجرد + بشري )
وقول شوقى ( الهمزية )
يمشون تفضى الارض منهم هيبة وبهم حيال نعيمها اغضاء
( بشري + جماد )
6 - تصنيف الاستعارة بحسب التركيب النحوى :
أحصى جورج لاندون من أنواع المركبات النحوية فى دراسة الاستعارة ثلاثة (17) :
(1) المركب الفعلى : ويمثله فى الانجليزية التركيب (( اسم + فعل )) . وقد توسعنا فى مفهوم المركب الفعلى فى هذا البحث ليشمل : ( أ ) فعل ( مبنى للمعلوم ) + فاعل ومثاله قول شوقى ( صدى الحرب ) :
أمولاي غنتك السيوف فاطربت فهل ليراعى ان يغنى فيطرب ؟
(ب) فعل ( مبنى للمجهول ) + نائب فاعل ومثاله قول شوقى ( كبار الحوادث ) :
ولد الرفق يوم مولد عيسى والمروءات والهدى والحياء
(ج) اسم + فعل ( مبنى للمعلوم ) ومثاله قول شوقى ( الهمزية ) :
الخيل تابى غير أحمد حاميا وبها اذا ذكر اسمه خيلاء
و (د) اسم + فعل ( مبنى للمجهول ) ومثاله قول الشابى ( الغاب ) :
أو عالم ما زال يولد فى فضـــ ـــاء الكون بين غياهب وسدام
(2) المركب المفعولى : ويتركب من (( فعل + مفعول )) ومثاله قول الشابى ( الغاب ) :
وذروت أفكارى الحزينة للدجى ونثرتها لعواصف الأيام
(3) المركب الوصفى : ويختلف تركيبه بين الانجليزية والعربية - كما هو معروف - من جهة تقدم الصفة على الموصوف او تقدم الموصوف على الصفة . ويحصل المركب الوصفى فى العربية بالتركيب (( موصوف + صفة )) ومثاله قول الشابى ( يا شعر ) :
ما للمنية لا ترق على الحياة النائحه
ويلاحظ أننا نعنى هنا الصفة المفردة فلا يدخل تحت الصفة ما كان منها جملة أو شبه جملة فى عرف النحاة . هذا ، وقد أضفنا الى أنواع المركبات التى اقترحها لاندون نوعا رابعا هو :
(4) المركب الاضافى : ويتركب من (( مضاف + مضاف إليه )) ومثاله قول البارودى ( رضيت من الدنيا .. )
ابى الدهر الا ان يسود وضيعه ويملك أعناق المطالب وغده
ولهذا النوع فى تشكيل الاستعارة العربية أهمية خاصة ، وسيظهر ذلك جليا فى نتائج القياس الاحصائى فيما بعد . ويحصل لنا - مما سبق - تصنيف للاستعارة باعتبارين : أولهما : الاعتبار الدلالى ، وبه تنقسم الاستعارة ، بما هى مركب لفظى الى تجسيدية واحيائية وتشخيصية .
وثانيهما : الاعتبار النحوى ، وبه تنقسم الاستعارة ، بما هى مركب نحوى ، الى فعلية ومفعولية ووصفية واضافية .
7 - طريقة عن الكشف عن الاستعارة وتحديد خواصها : التحويلى التوليدى ، تلك التى عرفها تشومسكى بقوله : أفاد لاندرون من مفهوم الجملة النواة (Kernal sentance) فى النحو (( إنها جمل من نوع يمتاز بالبساطة الواضحة التى تحتوى عملية توليدها على الحد الادنى من وسائل التحويل )) (18) .
واقترح لاندون للكشف عن الاستعارة وتحديد خواصها الدلالية والنحوية تحويل البيت الشعرى الى سلسلة من الجمل البسيطة تأخذ فيها المركبات اللفظية أحد أشكال المركبات النحوية التى سبقت تسميتها . وقد أطلق على هذه العملية مصطلح تبسيط الجملة Kernalization)) ، وبهذا التبسيط تظهر العلاقات الدلالية والنحوية التى تحكم المركبات (19) . ونسوق هنا مثالا نوضح به عملية التبسيط ، والكيفية التى تستخدم بها فى الكشف عن الاستعارة وتحديد خواصها ، ولنتأمل هذين المقطعين من قصيدة الشابى (( يا شعر )) :
ردد على سمع الدجى أنات قلبى الواهيه
واسكب بأجفان الزهـــ ـــور دموع قلبى الداميه
أوتار ذياك الحنين ! كم حركت كف الأسى
فتهاملت أحزان قلبى فى أغاريد الأنين
وباستخدام طريقة التبسيط تحصل لنا سلسلة من الجمل تتضمن عددا من المركبات اللفظية ، وقد ميزناها بـــ ( خط أغلظ ) مع بيان خصائصها ، وذلك على النحو التالى :
1 - ردد الشعر : مركب استعارى ، تشخيص ، فعلى . 2 - ردد الشعر الأنات : مركب غير استعارى ، مفعولى . 3 - ردد الشعر انات القلب : مركب ، استعارى ، تشخيصى ، إضافى . 4 - ردد الشعر أنات قلب الشاعر : مركب ، غير استعارى ، إضافى . 5 - ردد الشعر الأنات الواهية : مركب استعارى ، إحيائى ، وصفى . 6 - ردد الشعر الأنات على سمع الدجى : مركب استعارى ، إحيائي ، إضافى .
7 - حركت الكف : مركب ، غير استعارى ، فعلى . 8 - حركت الكف الأوتار : مركب غير استعارى مفعولى . 9 - حركت كف الأسى الأوتار : مركب استعارى ، تشخيصى ، إضافى . 10 - حركت الكف أوتار الحنين : مركب استعارى ، تجسيدى ، إضافى . 11 - تهاملت الأحزان : مركب استعارى ، تجسيدى ، فعلى . 12 - تهاملت أحزان القلب : مركب استعارى ، تشخيصى ، إضافى . 13 - تهاملت أحزان قلب الشاعر : مركب غير استعارى ، إضافى . 14 - تهاملت الأحزان فى أغاريد الأنين : مركب غير استعارى ، إضافى .
ذلكم هو التطبيق العربى للطريقة التى اقترحها لاندون فى الكشف عن الاستعارة وتحديد خصائصها ، وقد تابعناه فى استخدامها على النحو السابق . وقد تم إعمالها فى فحص ما يقرب من ألفى بيت من الشعر للشعراء الثلاثة بالنسب التى أسلفنا بيانها فى الفقرة الثالثة .
8 - خطوات القياس : تشتمل عملية القياس بالنسبة لكل قصيدة من القصائد المدروسة على الخطوات الآتية :
(1) حصر جميع المركبات اللفظية سواء منها ما كان استعاريا أو غير استعارى ، مع كتابة كل مركب لفظى فى بطاقة مستقلة . (2) تسجل على كل بطاقة خواص المركب اللفظى بحسب موقعه من التصنيف الدلالى والتصنيف النحوى . وذلك بتحديد موقعه من التقابلات التالية :
( أ ) استعارى / غير استعارى (ب) تجسيدى / إحيائى / تشخيصى (ج) فعلى / مفعولى / وصفى / إضافى ( انظر المثال التوضيحى فى الفقرة السابقة ) . (3) فرز البطاقات المشتملة على مركبات استعارية والبطاقات المشتملة على مركبات غير استعارية كل على حدة . (4). تصنيف البطاقات المشتملة على مركبات استعارية بحسب الانواع الدلالية إلى تجسيدية وإحيائية وتشخيصية كل على حدة .
(5) تصنيف كل نوع دلالى من الانواع الثلاثة السابقة حسب أنواع المركبات النحوية الى فعلية ومفعولية ووصفية وإضافية . (6) فى كل الخطوات السابقة تجرى عملية احصاء لتحديد الكميات الآتية اللازمة لاجراء التشخيص الاحصائى : ( أ ) المجموع الكلى للمركبات اللفظية ( بنوعيها الاستعارى وغير الاستعارى ) .
(ب) عدد المركبات اللفظية الاستعارية . (ج) عدد المركبات اللفظية الاستعارية التجسيدية . (د) عدد المركبات اللفظية الاستعارية الاحيائية . (ه) عدد المركبات اللفظية الاستعارية التشخيصية . (و) عدد المركبات النحوية الفعلية والمفعولية . والوصفية والاضافية في كل نوع من الانواع الدلالية السابقة . وحين نصل الى تحديد الكميات المذكورة ونسجلها فى القائمة الخاصة بكل قصيدة تكون البيانات اللازمة لاجراء التشخيص الاسلوبى الاحصائى قد توافرت ولم يبق الا تحليلها ، واستكناه الدلالات الكامنة وراءها .
- يتبع -

