الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

في التونستة والتعريب (*)،

Share

ليست هذه أول محاضرة القيها على منبر الاتحاد العام لطلبة تونس بل قد تشرفت بذلك لأول مرة فى شهر فيفري سنة 1955 أى منذ 17 سنة وكان الموضوع " منزلة الشباب التونسى " وراجعت هذا اليوم صفحة الشباب الاسبوعية لجريدة " الصباح " الغراء ( انظر عدد 20 فيفري 1955 ) فوجدت فيها تلخيصا لأهم ما ضمنته هذه المحاضرة من معانى الحضارة التونسية والأصالة القومية التى يتعين أن يعيها الشباب ويلتزموها ويقفوا حياتهم من أجل تركيزها وتغذيتها وإثرائها حتى يكتسبوا شأنا وشأنا ممتازا بين مختلف شباب العالم .

وقضيتنا اليوم ليست قضية هامشية ولا ظرفية ، إنها قضية مصيرية ، تتعلق بسلامة الكيان القومى وتعالج ماهية الحضارة التونسية ، ذلك أننا إذا تعمقنا فى مسألة التونسة والتعريب انتهينا الى السؤال الكبير ، وهو هل نحن أمة ثابتة الأركان وواجبة الوجود والاشعاع . واذا كانت أمتنا التونسية أمة بأتم معنى الكلمة فما هى خصائصها وما هى مقوماتها ؟ وإنى أعتقد أنه لا يمكن اثارة قضية التعريب خارج هذا الاطار لأن التعريب ليس موضة عارضة أو تعلة لأغراض سياسية أو دوافع شخصية ، ولا يمكن أن نتأرجح بها بين التقدمية والرجعية . . إنها أسمى من ذلك وأنبل مقصدا ! لذلك اقترحت لما طلب إلى المشاركة فى أسبوع التعريب أن أعالج قضية التونسة أولا ملاحظا ان التعريب ركن أساسى من التونسة التى هى روح قبل كل شئ ، وإرادة قومية تسعى الى تسخير برامج التعليم والتثقيف ونشاطات الشباب ووسائل الاعلام الى تخريج أجيال تونسية لحما ودما وعقلا ووجدانا ، وصنعها أحسن صنعة بجعلها

متأصلة فى بيئتها معتزة بأرومتها ، متضامنة بعضها مع بعض ، واقفه مواقف متجانسة من القضايا التى تمس كيانها ومستقبلها ومصيرها ، صامدة أمام ضروب العدوان التى ليس أقلها خطرا ولا أضعفها أثرا العدوان الروحى والثقافى المستتر . . .

ولا بد فى هذا المقام من الاتعاظ بالماض لتفهم الحاضر ، والتذكير ببعض المعطيات والحقائق . ذلك ان الاستعمار كان منذ عشرات السنين يهدف قبل كل شئ الى القضاء على ذاتيتنا ، إنه لم يقنع بالهيمنة السياسية ولا اقتصر على امتصاص ثرواتنا الاقتصادية والفلاحية ، بل كان يعمل على تمييع الشخصية القومية ومحو مقوماتها ليسهل عليه تشتيت شمل الشعب والنجاح فى عملية التوطين والفرنسة ، كما حدث أو كاد يحدث فى بلدان اخرى كثيرة منيت بالاستعمار اللاطينى . وأول ما تصدى له الاستعمار مقومات الأمة الأساسية ، وفي مقدمتها الدين والروحانيات بصفة عامة ، واللغة والتاريخ ، مما نتج عنه التنكر للذات والزيغ عن القومية السليمة وآل الأمر فى الآخر الى ضرب من التجنيس المقيت :

وإزاء هذا " العدوان " كانت الحركة التحريرية فى البلاد التونسية منذ مطلع هذا القرن وبصفة أنجع وأعمق منذ 1934 ، وهو تاريخ تكوين الحزب الحر الدستورى الجديد بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة ، تعمل علاوة على إحكام التنظيم الحزبى والنضال السياسى الصرف لصيانة مقومات الأمة وتدعو الى التمسك بها وتشيد بأمجادنا وتكشف عن صفحات تاريخنا بيضها وسودها ، وتحيى الدين الاسلامى بمقاومة ما علق به من أوهام وشعوذة وران على بعض أتباعه من تواكل وتخاذل وزيغ وتستمد من مقاصده السامية ما يغذى الكرامة ويحفز على التضحية من أجل الوطن والملة ، وتؤكد عروبة تونس وتتصدى لأعداء اللغة العربية وتفضح مؤامراتهم ... يشهد بذلك لوائح الحزب منذ تكوينه وتصريحات زعمائه فى الجرائد والمجلات وأثناء الاجتماعات العامة والخاصة . ورغم أن برامج التعليم كانت قبل الاستقلال فرنسية روحا ومحتوى ومناهج فقد كان شبابنا يرد الفعل بوازع وطنى ولئن استقى المعارف واستمد اللب من الآداب والعلوم واستقامت له آلة التفكير العصرى فقد كان بالمرصاد لكل ما من شأنه أن يضعف إيمانه بوطنه ، متأهبا دوما من الوجهة النفسية لرفض السموم التى لا يخلو منها تعليم أجنبى ، يخططه ويمارسه أساتذة أجانب ولعلنا كنا نبالغ فى ذلك . وأذكر انه كان لنا بالمدرسة الصادقية سنة 1947 أستاذ فى الفلسفة وكان لطيفا متفهما لواقعنا متعرفا دوما على تراثنا ، وكان كلما ذكر نظرية

فلسفية لقطب من أقطاب الفكر بأوربا أو تحدث عن اكتشاف علمى حدث فى الغرب قام له أحدنا وأكد ان المسلمين أو التونسيين كان لهم فضل السبق وكثيرا ما رددنا أسماء الفارابى وابن سينا والغزالى وابن رشد وابن خلدون والخوارزمى وابن الهيثم .. . فصاح الاستاذ يوما فى وجهنا قائلا : ان العرب والمسلمين اكتشفوا أشياء كثيرة ، ما من شك فى ذلك ، ولكنهم لم يكتشفوا كل شئ ! ورغم ما قد يقال عن تعصبنا أو سذاجتنا فقد كان موقفنا منظورا اليه من زاوية خاصة إيجابيا لأننا كنا بفضله فى مأمن ، نسبى والحق يقال ، من عملية الغزو الثقافى والهضم الحضارى وهو أمر له أهميته لأن هذا الوازع مفقود اليوم بعد زوال الاستعمار وظفر البلاد بالاستقلال والحرية .

كانت حركة الحزب التحريرية إذن ترمى اولا وبالذات الى احياء الأمة وبعثها من جديد ولعل أجل خدمة قدمها رجال هذا الحزب تتمثل بالضبط فى تغيير مجرى التاريخ بهذا الجزء من العالم العربى الاسلام والمغرب الكبير ؛ كان وطننا يسير نحو الاندماج والذوبان والانقراض فغيرت عزيمة التونسيين المخلصين هذا الاتجاه بعد كفاح مرير وبذل وفير ونشأت من جديد أمة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة لها مميزاتها وكيانها بين الأمم .

لكنه لا بد ، من باب الوفاء للتاريخ وعلى سبيل الاعتبار ، أن نلاحظ أنه بينما كان الشعب التونسى منصرفا بكليته الى معركة الوجود وإثبات الذات كنا نسمع نغمات ما اشبهها بما يتطرق الى اسماعنا اليوم من حين لآخر . فمن الناس من ضربت فيهم حينذاك سوسة الاستعمار وتسرب اليهم داء الانهزامية فاندمجوا فى القوم الغالبين وآدعوا ان القضية قضية تقدم ومدنية وأن الواجب يتمثل فى اللحاق بقافلة الدول المتقدمة وكان منهم المحامى والطبيب والموظف والمهندس وكتبوا فى هذا المعنى فضموا أصواتهم الى أصوات الاستعماريين المتفوقين بالحديد والنار ويا ليت أسيادهم نزلوهم المنزلة اللائقة بينهم ! ومن الناس من ادعوا التقدمية واليسارية وربطوا مصيرهم بمصير البروليطاريا العالمية وبما كانوا يسمونه بالقوى الطلائعية ورددوا أن القومية تعصب وضيق نظر ، وأنها مرحلة تخطاها الزمان ، وأيام النضال من أجل الحرية ، والزعماء فى السجون ورصاص الاستعمار يصرع الشهداء الأبرار ، سمعت هذه الشنشنة من بعض الاساتذة الاجانب خاصة ، وأذكر أن أحدهم قضى ساعة كاملة ذات يوم من سنة 1952 وهو يحاول أن يقنع تلامذة قسم الفلسفة بمدرسة خزندار الثانوية بأن إضراب الجوع الذى قرروه ذلك اليوم حيث كانت القضية التونسية معروضة على مجلس الأمن ، لا معنى له ، وأنه

عبث فى عبث . . فى لغة فلسفية معسولة وبالاعتماد على نظريات موهومة ومردودة . وإن أولئك وهؤلاء لا تزال أصداؤهم تتردد على آذاننا الى اليوم من متنكر لأصالة الأمة طاعن فى أقدس مقوماتها باسم التقدم وأولوية التنمية ومن متشدق بالعالمية كافر بالقومية من وراء ستار التقدمية والثورية ، وإنهم جميعا " متخلفون بمعركة " كما يقال ، غافلون أو متغافلون عن حقيقه بديهية وهى ان الوطن هو الاطار الوحيد لازدهار الافراد ، وتعاون الجماعات المثمر ، دل التاريخ الحديث على ذلك بعد الحرب العالمية الثانية بالخصوص ، وهى سنة تسير عليها وتلتزمها كافة الشعوب فى القارات الخمس سواء فى نضالها من أحل الاستقلال السياسى أو معركتها فى سبيل الازدهار والرفاهية ؛ بل إن المذهب الانسانى الاصيل ، الذى نؤمن به وننتسب إليه، والمتمثل فى هذه الروح الحضارية التى منبعها الانسان وغايتها الانسان ، يأبى أن يذوب البشر جميعهم فى بوتقة واحدة وأن تزول خصوصيتهم ويتحددوا اتحادا كليا فى المشاعر والأذواق والافكار ويقتضى أن ينمى الافراد والجماعات شخصياتهم ويعمقوها ويتمسكوا بطرافتهم الذاتية ومميزاتهم الخاصة وإنما الانسانية ثمرة تعاونهم جميعا وتأثرهم بعضهم ببعض واستمدادهم بعضهم من بعض وحاصل حوارهم وتمازجهم على أساس الاحترام المتبادل وكذلك الثقافة البشرية فهي لا تنمو الا اذا اعتز كل شعب بثقافته ، وحافظ على أخص خصائصها وقدر القيم العليا لسائر الشعوب الاخرى حق قدرها . ولعل فى ما سبق خير رد على الذين يدعون - سخافة أو مغالطة  - أن التونسة والتعريب تعصب وانغلاق على النفس لان التفريط فيهما تسليم بوجود ثقافة اجنبية واجبة التفوق والهيمنة ، والتمسك بهما توفيق بين الأصالة الحق والانسان المبرأة من شوائب الاستعمار الايديولوجى.

لكن هل نحن أمة متميزة لها خصائص حضارية ؟ ينفى ذلك بعض المستشرقين ونفر من تلامذتهم " النجباء " ويدعون - كما فعل رينان وقوتيى أن هذه البلاد ما زالت - عبر العصور المتعاقبة - ملتقى الحضارات ووعاء للمدنيات وانها معبر للفاتحين وممر للعلماء ورجال الاعمال ليس إلا ، وأن خاصيتها أن ليس لها خاصية ! يقولون - كما قد تعبر عن ذلك مجلة "المباحث"- إن هذه البلاد تفينقت وترومنت وتفندلت وتبزنطت وأسلمت وتأسبنت وتتركت ثم تفرنست . . أو كادت ! وعلى ذلك يريد لها اليوم فريق من الناس أن تتمغرب ويتمنى لها آخرون أن تتمشرق ويدعى فريق ثالث أن طبيعة الأشياء تقتضى أن تتمركس ! وتبقى تونس يتيمة فى جميع الحالات مفعولا بها ، معتدى عليها ، مقصورا دورها على التفرج والترحيب والتصفيق ! وكل

هذه النظريات معبر عنها بأسلوب طلى منتحلة لطرائق العلم والبحث " الموضوعى " وحاملة لشعار عصرى براق ألا وهو التفتح ! وما أدراك ما التفتح !. كأن النوافذ التى لا بد من فتحها للاطلال على ما حولنا لا تقتضى بنيانا متين الأركان وحرمة منيعة المنال !

والحقيقة أن لهذه البلاد تاريخا وتاريخا مجيدا وان شعبنا ظل صامدا حيا رغم تعاقب الغزاة وشراسة الطامعين ، لم يذب قط فى الغير بل هضم ما استساغته روحه الحضرية وأخذ عن الأقوام ما تصادى مع أخص خصائص عبقريته وتصدى للغاصبين فردهم على أعقابهم وكثيرا ما لعب دورا إيجابيا فأخذ وأعطى واستوحي وأوحى . . بل سائل قرطاج والقيروان والمهدية وتونس . . .

ولو توسعنا فى هذه المعانى لخرجنا عن القصد من موضوعنا ، ويكفى أن نؤكد اليوم أنه بعد قرون وقرون من حياة هذا الشعب وبعد آمال وآلام ومحن ودماء ظهرت اليوم وتبلورت أكثر من أى وقت مضى ، ما يسميه علماء الاجتماع والمؤرخون الارادة المشتركة فى الحياة الجماعية وهى الارادة التى بها تكون الأمم !

وإن للأمة التونسية خصائص كبرى نذكر منها : 1 ) الروحانيات التى نستمدها من الشرق منذ القرون الاولى والتى أشاعها الأنبياء وخاصة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ، لذلك لم يكن امتزاجنا بالعرب والمسلمين امتزاجا لغويا فحسب بل هو امتزاج روحى ومصيرى وإن هذه الروح السامية لا تزال ترفرف على هذه الربوع وتعمر قلوبنا إيمانا وتهدى سبيلنا وتكيف سلوكنا ورد أفعالنا ، إنها تنزع بنا الى الأعلى وتجذبنا إلى المطلق ، وتسمو بنا عن المادة وتخلصنا من جاذبية الارض .

2) التفاعل مع روح البحر المتوسط الذى يحيط ببلادنا شرقا وشمالا ويجمعنا مع شعوب متجانسة متقاربة وحدت بينها قرون من العيش المشترك والمناخ الواحد والاحتكاك السلمى تارة والحرب طورا ، مما أورث فينا النظرة الواقعية والقدرة على التسامح والنفور عن التطرف و " توسط مركز الاعتدال فى كل شئ " . ثم إن لهذه الأمة مقوماتها وهى ما به تتكون وتكون شخصيتها . وإن تونس ليست مجرد فرع من أصل ، إنها وطن متميز ، له كيانه المعروف وحيزه الجغرافى المضبوط وإن دينها الاسلام معتقدا وحضارة وتراثا ، سلوكا ونظام حياة ونظرة الى الوجود ؛ وإن لغتها العربية ونجزم في هذا الصدد أن اللغة ليست مجرد أصوات وألفاظ بل هى الوطن العقلى والاطار الوجدانى ،

والركن الركين للشخصية الوطنية والعنصر المتين للذاتية القومية وإن لغتنا العربية التى يجهلها بعض ضحايا الاستعمار الثقافى ويحتقرها البعض الآخر غرورا وتشبها بالغير ، " وسعت كتاب الله لفظا وغاية " ، وليست هى أقل قدرة من اللغات الاخرى ولا دونها قيمة ، إنها من أوثق الروابط التى تربط بين الأبناء والآباء والحافظ الأمين لتراث الأجداد وعن طريقها نتصل بماضينا رغم الجواجز الزمانية والمكانية فهى ضمان الوحدة القومية وعنوان الكرامة الفردية والجماعية .

وان لتونس تاريخا قوميا متميزا عن تاريخ الأقوام الأخرى الصديقة وحتى الشقيقة ، ولا بد من معرفته والوقوف على أهم أطواره واستخلاص العبرة منه لمزيد التعرف الى أنفسنا والوقوف على حقيقتنا ، وقد عاش شعبنا ملحمة التحرر من براثن الاستعمار وقاسى الأمرين لتكسير شوكة الغاصبين واستقام له بفضل القيادة الرشيدة والتنظيم الجماهيري المحكم واستشهاد الآلاف من أبنائه البررة وصمود الكادحين ، أن يظفر بنعمة الحرية وينجو من الفرنحة ويفوز بروحه وكرامته ويراهن على ربح معركة الازدهار والرفاهية .

ولتونس رسالة فى الوجود تضطلع بها فى أمانة وصدق ومثل إنساني أعلى نسعى إليه وتعمل لنصرته ، الا وهو تحرير الانسان من كافة القيود المادية والمعنوية ، والعمل من أجل السلم والتقدم بالعلوم والمعارف والنضال من أجل بشرية مبرأة من شوائب العنصرية مصونة من غوائل الحرب .

وإنها للخطوط العامة لمقومات الأمة التونسية لم نحللها كما يجب لأن موضوعنا ليس التبسط فيها وإنما التذكير بها والاتفاق عليها والانطلاق منها لوضع السؤال الكبير المتصل بقضية التونسة والتعريب أيما أتصال ألا وهى : هل نستطيع أن نقول بعد مرور خمسة عشر عاما على استقلالنا وإقامة نظامنا التربوى القومى أن مآت آلاف التلامذة المتخرجين من المدارس منذ سنوات قليلة متغذون بتلك المعاني ومتشبعون بالروح الوطنية ومتمسكون بكل هذه المقومات ، وهل أن تلامذة المدارس الثانوية وطلبة الكليات وطالباتها مدركون لهذه الحقائق ؟ هل يعمر أفئدتهم اعتزاز بتونس ومحبة لها ؟ هل لهم تصور واضح لماضى بلادنا وحاضرها ؟ هل استقامت لهم رؤيا واضحة ثقافتهم الوطنية ولاحت لهم معالم رسالتهم فى تونس الجديدة . . .

هذا السؤال الرهيب هو الذى يجب أن يطرح بكل وضوح وصراحة عوض الاغراق فى الجزئيات والتيه فى الامور الهامشية والانشغال بالاعتبارات الشخصية بينما الجوهر مسهو عنه !

إن استقراء الواقع والتمعن فى مختلف الدراسات النفسية والاجتماعية التى ظهرت فى السنوات القليلة الفارطة حول حالة الشباب المدرسي وميوله وتكوينه يفيد أن شبابنا مصاب في الصميم وأن أغلبيته الساحقة تتجه فى تطورها وتكوينها مجرى يتنافى مع ما نريده له من الغايات وأعرف انه لا يوجد اليوم مسؤول واحد ولا ولى واحد لا يريد أن ينشأ الشباب التونسي نشأة تونسية صميمة لكن هناك تفاوتا بين ما نريده ونرجوه وبين الواقع ! ولذلك أسباب :

إننا لم نعط هذا الموضوع من مشاغلنا المرتبة الممتازة والحق يقال ، بل كثيرا ما انشغلنا عنه بالاقتصاد والاجتماع والتجهيز الاساسى والسياحة ولم نتعمق فيه أو تصورنا كل أبعاده .

ويجب ألا ننسى التغييرات الجذرية التى طرأت بعد الاستقلال على المجتمع التونسى فقلقلت أركانه ورجت معتقداته وأطاحت بالكثير من تقاليده ، وهكذا لم تخل ثورتنا المباركة من أجل التقدم والقضاء على الرجعية وكل آثار عصور الانحطاط من نتائج سلبية . فالعائلة التى كانت المدرسة الاولى للاولاد انفصمت عراها الى حد ما لأن تعميم التعليم وما نتج عنه من حركية اجتماعية وهو أمر نعتز به ، أحدث هوة عميقة بين الآباء والأمهات وأكثرهم أميون وبين الابناء ، فالأولون يعيشون على نمط من الحياة قديم وبالاستناد الى قيم ترجع جميعها الى القرون السالفة بينما الشبان يحيون عصرهم بحكم برامج التعليم والوسائل السمعية والبصرية ومن أجل قربنا من أوربا وسرعة تأثرنا بما يظهر فيها من شتى التيارات بواسطة كل الوسائل الفنية العصرية التى ما كانت لتخطر على بال أجدادنا . ونتيجة لذلك كله انتفت قاعدة أساسية من قواعد التربية وتعذر الحوار واستحالت الثقة المتبادلة الى توتر وخيم العواقد يباعد بين الآباء المتشبثين بعالمهم الرتيب المألوف والأبناء المتمردين على عائلاتها والمتحررين من تبعاتها وربما شملت نزعتهم التحررية معنى الأصالة والوطنية قعدوهما مظهرا من جمود الشيوخ ومخلفات الماضى !..

ثم لا بد من وضع برامج التعليم فى الميزان إذ هى التى تكيف - أساسا - الشباب وتغرس فيه القيم العليا وتعده للحياة ! فلو نظرنا مثلا نظرة نقدية فاحصة فى برامج التاريخ والجغرافيا بمدارسنا لوجدناها مغرقة فى " التفتح " مريضة بالموضوعية ليس فيها ما يؤهل الشباب التونسي الى أن يعرف نفسه بمعرفة وطنه معرفة تامة شاملة ومعرفة تاريخه القديم والحديث ويظهر ذلك بالمقارنة مع برامج التاريخ والجغرافيا فى اكثرية البلدان سواء كانت رأسمالية أو شيوعية ، غربية أو شرقية . . ذلك أن تاريخ الوطن يكون فى كل بلاد الله

الاطار والمرجع الذي يرجع اليه لمعرفة تاريخ الاقوام الاخرى والوقوف على طبيعة العلاقات التى وجدت بينه وبينها وكيفت الاحداث والأشياء أما فى برامج مدارسنا الثانوية فان تاريخنا يدرس باقتضاب كبير فيأتى مجزأ ، مقطوعة فتراته بعضها عن بعض ولا شئ يميزه عن تاريخ اى بلاد أخرى وكثيرا ما يأتى دوره فى آخر الكتاب فلا يجد الاساتذة الوقت الكافى للتعرض اليه ولا التلامذة الرغبة فى الوقوف عنده والتغذى منه أو بالاحرى الاعتزاز به ( انظر مثلا كتاب التاريخ للسنة السادسة الذي ألفه فرنسي ) هو السيد

فريل ! ) باعانة ثلاثة أساتذة تونسيين ( ! ) ونشرته الشركة التونسية  للتوزيع سنة 1967 تحت عنوان " من الامبريالية ( كذا ! ) الى تصفية الاستعمار ( 1881-1960 ) ورغم حرص المسؤولين على العناية بالتاريخ القومي وخاصة اهتمام السيد رئيس الجمهورية نفسه بالموضوع مند فجر الاستقلال الى اليوم فان عددا كبيرا من اساتذتنا بالجامعة وحتى بالمدارس الثانوية ما زالوا يرددون أغنية التفتح الزائف ويبدون شكهم فى أهمية التاريخ القومي وحدوى التبسيط فى محتواه بل منهم من أكد لى شخصيا أن المصلحة إنما تكمن فى دراسة تاريخ العالم والدول العظمى وقد تسربت هذه العقلية لدى عدد كبير من التلامذة مما كشفه البحث العلمى الذى اجراه جمع من الاساتذة الاجانب باشراف المعهد التونسي لعلوم التربية سنة 1968 إذ أجاب معظم التلامذة عندما سئلوا هل يفضلون درس تاريخ تونس أم تاريخ العالم بأن تاريخ بلادهم لا نفع يرجى منه !. . وعندما أكدت مرة على أحد الاساتذة بوجوب تدريس تاريخ تونس فى أكثر من سنة بالنسبه لمدارس الترشيح على الأقل تعلل بقلة المراجع ثم صارحنى بقوله : لو نفذت توجيهاتكم لضج التلامذة أنفسهم وتاروا على برنامكم ! ... وكان صادقا لأن الداء أخطر مما يظن البعض . . . لكن ألست متعصبا فى نظر هؤلاء الذين لا يزالون يدرسون التاريخ كما درسوه فى الكليات الاجنبية وبالاعتماد على مراجع أجنبية فقط . . ولو نظر هؤلاء الى شخصية نابليون مثلا التى لا يزال أبناؤنا يدرسونها باعجاب كغيرهم من الاطفال الفرنسيين فيقفون على تفاصيل كل غزواته وينبهرون مثلهم بشمس " استرليتز ! وقارنوا بين الكتب الفرنسية والكتب الانقليزية أو الروسية أو الاسبانية التى تتعرض لهذه الشخصية التى لا أناقش قيمتها ودورها فى صنع فرنسا لوجدوا فرقا كبيرا ولتبينوا ان نابليون عظيم فى فرنسا وطاغية فى البلدان المذكورة الاخرى لأن التاريخ مهما كان موضوعيا فهو مصبوغ بالقيم العليا التى تؤمن بها الشعوب مشحون بتصوراتهم للوجود متفاعل مع همسات ضميرهم الجماعى ، وهو

يغذى الأجيال اللاحقة بمآثر الأجيال السابقة ويدعم الروح القومية ويوطد العروة الوثقى بين أبناء الوطن الواحد .

ونحن عندما ننادى بتونسة التاريخ لا نعنى انه يحب تزييفه أو اعلاؤه وإنما ندعو لدراسته دراسة ضافية وتخليصه مما ضمنه بعض أعداء هذه الأمة العربية الاسلامية من أغلاط وتشويه وتفهم الاحداث التى جرت حولنا ماضيا وحاضرا على ضوئه وتغذية خيال الناشئة بمآثره وحملها على الاتعاظ بما حواه من نكسات وانطوى عليه من مآس ، وإقناعها بصورة غير مباشرة بأن لهذه الأمة جذورا عميقة فى الأمس ودورا ينتظرها فى الغد .

وقد أصدم بعض الناس عندما أنادى بتونسة . . برامج اللغة العربية ! ذلك أن المتصفح لكتب النصوص الادبية التى تدرس من السنة الأولى الى السنة السادسة من التعليم الثانوى لا يكاد يجد فيها أكثر من عشرة فى المائة من النصوص التونسية ، مما يورث عند الشباب التونسى مركبات خطيرة واعتقادا بأن هذه البلاد عقيم من الناحية الفكرية لم تنبت أدباء ولا شعراء ولا قصاصين أو مفكرين وليس لها حضارة ، مثلما أراد الاستعمار فى الماضى ننشئتنا على غفلة من ماضينا وشك فى حاضرنا ومستقبلنا ، وبذلك يعيش شبابنا عالة على الغير ، مستهلكا طول عمره ، متهافتا على ما يقدم له من الشرق والغرب والأدهى والأمر هو أنه ينشأ من دون طموح الى الخلق الادبى والمغامرة الفكرية . أما نحن إذا تصفحنا الكتب المماثلة فى كل بلدان الدنيا بما فيها البلدان العربية الشقيقة وجدنا أغلبية نصوص القراءة من تأليف أبنائها . وهذا لا يمنع التفتح بمقدار ، بل إنى طلبت من أساتذة اللغة العربية منذ سنة أن تكون النصوص مختارة بنسبة 50% من المؤلفات التونسية قديمها وحديثها والبقية يتم اختيارها من أمهات الكتب العربية الأخرى . وليس فى هذا تعصب بل هو التعاون الحقيقى والعمل المخلص فى سبيل الوحدة العربية التى لن تكون إلا فى تنوع ما دام كل شعب مسؤولا عن إثراء تراثه وتنمية شخصيته لتكون مساهمته فى التراث العربى الكبير قيمة وايجابية .

أما برامج الفلسفة فى مدارسنا فحدث عن البحر ولا حرج ! فالمحتوى يكاد يكون مماثلا لما يدرس في فرنسا ، وكل أستاذ " يتفلسف " بحسب المدرسة الروحية أو الجهة المذهبية التى ينتمي اليها مع العلم بأن جل أساتذة الفلسفة اجانب ، وما علمت أن " سلم قيم " واضحا تم الاتفاق عليه يوما وطولب مؤلفو الكتب الفلسفية أو واضعو النصوص الفلسفية المختارة بالتزامها والسير على هديها ، ثم تتعالى الاصوات بعد سنوات من الحصول على استقلالنا مستنكرة أن ينشأ شبابنا مقطوعا من أصله ، غريبا عن شعبه ، كأنه يعيش فى دار هجرة !

وشبه بما سبق حال عشرات آلاف المعلمين والمعلمات الذين تخرجوا في السنوات الاخيرة من مدارس الترشيح ليربوا أبناءنا وبناتنا !

فبينما كان حظ العربية يساوى أو يكاد حظ الفرنسية فى هذه المدارس منذ عهود الاستعمار الاخيرة نلاحظ اليوم تزايد حظ الفرنسية لأسباب تجاوزت أفهامنا فاصبح التاريخ يدرس بالفرنسية منذ سنة 1968 وكذلك علوم الاشياء وبينما كانت الاخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع وبعض أبواب علم التربية وعلم نفس الطفل تدرس بالعربية وجوبا ولكافة الترشيحيين سواء كانوا من ذوى اللسان الواحد أو من ذوى اللسانين منذ عهد الحماية أصبحت هذه المواد الأساسية تدرس بالفرنسية شيئا فشيئا بل أصبح التربص التطبيقى الذى كان مزدوجا ( درسا بالعربية ودرسا بالفرنسية ) يجرى بالفرنسية فقط منذ 1965 ، الى حد أن مئات المعلمين والمعلمات من ذوى اللسانين أصبحوا اليوم يجدون صعوبة فى التعليم بالعربية وينادون باعفائهم منها . . . والله لا يكلف نفسا إلا وسعها (*) .

ومن المفيد أن أذكر مثالا بسيطا فى هذا المقام للدلالة على أن الأمر لا يتعلق دائما بعزيمة سياسية أو ينجر عن خطة مضبوطة بل هو مربوط الى حد كبير باجتهاد الأفراد أو هو نتيجة لارتجالهم أو غفلتهم الشخصية ! . ففى سنة 1961 لما كنت مديرا للشباب والرياضة بعثت بتوجيه من الحكومة مدرسة بئر الباى لتكوين معلمى التربية البدنية والرياضية حتى يدرسوا هذه المادة فى الاقسام النهائية للمدارس الابتدائية بحساب خمس ساعات فى الاسبوع . فأخترت لها إطارات ادارية وتربوية تونسية وكان التعليم باللغة العربية مائة بالمائة . ولما غادرت هذه الادارة فى نوفمبر 1964 كان تخرج من هذه المدرسة حوالى أربعمائة من المعلمين الرياضيين يدرسون جميعا بالعربية ، وما سمعت قط أن صعوبات بيداغوجية أو فنية اعترضت سبيلهم ! وهل أبسط من تدريس الرياضة بالعربية فى الدرجة الابتدائية ؟ ولما أمسكت بمقاليد الشباب والرياضة من جديد منذ سنة تقريبا وجدت في المدرسة أساتذة فرنسيين ووجدت كافة المواد تدرس فيها بالفرنسية ، وعلمت ان متخرجيها يعلمون الرياضة فى الابتدائى بالفرنسية طبعا ! وأعتقد أن الحكومة لم تقرر من ذلك شيئا وإنما هو الاجتهاد الفردى وكثيرا ما يتم في مستوى دون المستوى الوزارى ! ولعله

التخلص التدريجى من " مركباتنا " ! والايمان المتزايد بالتفتح وعلى العكس من ذلك فان بعض المسؤولين وفى مقدمتهم المناضل المرحوم الطيب المهيرى عزموا على تعريب الادارة الراجعة لهم بالنظر واستقام لهم ذلك وأكبر صعوبة اعترضت سبيلهم وتجاوزوها إنما هى صعوبة نفسانية !... وإذن فان قضية التونسة والتعريب قضية وعى بواقعنا وتوعية بوجوب تطوير هذا الواقع بما يتلاءم مع شخصيتنا وتصورنا للكرامة والمناعة والتعاون الحق .

وإنه من ألزم اللازم أن نستخلص العبرة من نتائج خمسة عشرة عاما من سياستنا التربوية والتثقيفية ، ونتمعن فى الدراسات القيمة التى ظهرت فى السنوات الاخيرة حول عقلية شبابنا ونظرته للوجود وسلوكه الاجتماعى ( أنظر فى هذا الباب الدراسة الموضوعية التى قامت بها باحثة تونسية حول نتائج الازدواجية اللغوية والمنشورة فى العدد الاخير من كراس مركز البحوث الاقتصادية والاجتماعية ) ونهتدى الى الاسباب الحقيقية التى جعلت شبابنا يعانى اليوم ازمة حضارية وأخلاقية ويشكو جروحا عميقة فى تكوينه الروحى ، فنحتفظ بالنواحى الايجابية الكثيرة والحمد الله التى حققها هذا النظام التربوى والتثقيفي ونتصدى للجوانب السلبية فنعالجها بكل حزم ووضوح رؤيا وطول نفس .

ولن يكون ذلك إلا إذا أولينا التكوين الوطني والديني والروحاني العناية التى توليها لديمقراطية التعليم نفسها وللتكوين العلمي والفني ، وتساوى حرصنا على المستوى العام ( لكن هل نحن راضون عن هذا المستوى العام كل الرضا ؟ ) مع حرصنا على التربية الوطنية ، ولن يكون شئ من ذلك ما لم تمتلئ نفوسنا هولا بالخطر الذى يهدد شبابنا وأمتنا اذا ما تمادى هذا الحال وما لم نتفق على وجوب التونسة حالا وضرورة وضع خطة مضبوطة ورصينة للتعريب الذي هو ركن أساسى للتونسة ولا يمكن أن تكون تونسيا اذا كانت لغتك الأم غير اللغة العربية . ومن المسلم به ان تونسة التعليم وتعريبه اذا كانا أمرا ضروريا فهما غير كافيين طبعا لأن هناك ميادين أخرى يتعين العناية بها ، على نفس الأساس لأنها متكاملة مع التربية الوطنية وأهمها الاذاعة والتلفزة والصحافة والسنما والمسرح وأنشطة الشباب المختلفة وكذلك النهوض بالأسرة ورعاية العائلة وصيانة المجتمع بشتى الوسائل . .

ونعيد القول - حتى يسود الوضوح مقاصدى - ان التونسة لا تعنى الانفصال عن العروبة ولا تتنافى مع محبتها والاخلاص لتراثها ، ولا أقصد بها التملص من التعريب ، فان مواقفى بل أعمالى فى هذا الباب معروفة ، وإنما التونسة روح قبل كل شئ ووفاء للذات ، وعمل لخلق شباب تونسى مؤمن بمقومات أمته الاساسية : الدين الاسلامي ، والحضارة الاسلامية ، واللغة العربية والتاريخ القومي . . شباب تونسي مرهف الشعور بارتباطه بشعبه

وآعتزازه بأمته وصادق العزم على العمل الدائب من أجل صيانة بلاده وإشعاع فكرها وحضارتها .

والتونسة لا تعنى أيضا الانغلاق على النفس ولا الادبار عن العالم المتمدن ولا تتنافى مع وحوب الاخلاص للحضارة الانسانية والوفاء للثقافة البشرية فيقدر ما يكون شبابنا تونسيا يكون إنسانيا إذ التفتح لا معنى له إذا كان فى اتجاه واحد ولم يقم على قاعدة : الأخذ على قدر العطاء كما بينت ذلك فى مناسبات كثيرة .

وأقول ايضا لأعداء التعريب ، ضحايا الاستعمار ، أو للمغالطين عن قصد ، إن التعريب لا يعنى حذف اللغات الاجنبية وليس هو عمل رجعى وليس كل المنادين به من المتعصبين ولا تعنى الدعوة إليه العمل به وتعميمه حالا لأننا لسنا من المغامرين أو البسطاء . هناك ميادين يمكن تعريبها حالا وقد صدرت فى الأشهر الأخيرة مناشير فى ذلك من وزارة التربية القومية وأعني بذلك الادارة المدرسية ومخاطبة المديرين والقيمين والأساتذة للتلاميذ وأوليائهم بالعربية وبعض الادارات الأخرى وأشير مثلا الى المدرسة الادارية التى يتخرج منها الموظفون التونسيون فاذا فكرنا فى تعريب الادارة وجب تعريب المدرسة الادارية والتغلب على كل الصعوبات فى سبيل ذلك . وهناك مواد كالتاريخ والحغرافيا وعلم الأشياء والفلسفة بمختلف فروعها يمكن وضع خطة عملية لتعريبها شيئا فشيئا وخاصة بالنسبة لمدارس الترشيح ، أما العلوم الصحيحة فلا بد فى شأنها من التأني والتروى وتوفير أسباب النجاح وان كنت اعتقد شخصيا أنه فى الامكان تحقيق التعريب فى الابتدائى والثانوى خاصة ، فى أجل لا يتجاوز عشرة أو خمسة عشر عاما وعلى كل فاذا صح منا العزم وجب تكليف لجان فنية من ذوى الاختصاص للدرس والاقتراح مع إمداد أعضائها بأختيارات سياسية وتربوية واضحة مضبوطة ، إذ لو تركناهم وشأنهم لاكتفوا بتسجيل تناقضات الواقع التربوى الذى نعيشه ونريد - بالضبط - اصلاحه ! . والى جانب ذلك لا بد من عمل جدى وجذرى لتونسة الاطار وإيجاد المراجع ومضاعفة تعاوننا مع البلدان الشقيقة فى الاتجاهين .

إن العمل شاق وأول خطوة لتحقيقه تتمثل فى التوعية والاقناع ومقاومة ما ران علينا جميعا فى العقود الاخيرة من حياة بلادنا من مركبات وأوهام واضطراب عقائد وجفاف روحانى .

فاذا ما تبين شبابنا بالخصوص أبعاد القضية وقدر صعوباتها حق قدرها وأدرك مع ذلك ما يحققه من نخوة وعز اذا هو راهن على الظفر بروحه والفوز بمنزلة فردية وجماعية مرموقة فى الدنيا فآعتبر التونسة والتعريب جزءا لا يتجزأ من رسالته فى الحياة يكون قد اهتدى الى ما يكسب حياته معنى ونضال هدفا . فهل هو متحمس للاضطلاع بما تحتمه عليه طبيعة الأشياء فى تونس وفى الدنيا ؟ هذا ما أتمناه له وللوطن .

اشترك في نشرتنا البريدية