الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

في الجمال او الجمال طاقة "

Share

يظن بعض المتطفلين على " الالتزام " المتشدقين به أن فى التغنى بالجمال اعراضا عن الواقع المر واستهانة بمشاكل العصر ومنافاة للروح الثورى

ولكن هناك جمال وجمال والعبرة بموقف الفنان من موضوعه وطريقة معالجته له . فقد يغض الاثر الملتزم - الناقص فنيا - من شأن الثورة ويخذلها ويزهد فيها وقد يكون فى الترنم بحسن المرأة وسحر الطبيعة ما ينعش ويلهب الاحساس القومى ويستنهض الهمة ويثير الحمية ذودا عن الحمى

وهل الانسان موقوف على العمل الثورى المباشر منحص فيه ليس له حاجات ورغبات جوهرية أخرى لاغني له عنها ولا اكتمال له الا بها ؟ !

ثم ما هدف الالتزام الصحيح ان لم يكن زرع حب الحياة فى قلب الانسان والايمان بقيمتها ونبلها والسعى من أجل عالم أفضل وهذا لا يتم بمجرد الدعوة الى النضال والتصدى للمشكلات واعتماد القوة أو العنف فحسب وانما يحصل يضا - وفى الآن نفسه - باجلاء الجانب الباسم المشرق من الحياة المنعكس فى مفاتن الطبيعة وجمال الوجود ونعمة الحب والفن على السواء !

وهدا الجانب المشرق هو بعض من الهدف الذى يرمى اليه أخيرا كل مسعى وكل نضال .

ليس الجمال صورة محضا . . وقفا على الشعور الفني أو الشهوة ومجرد التذوق الحسى

انه كل ذلك وأكثر من ذلك

الجمال طريق الى الانسان ، فرصة من انبل فرص اللقاء به والنفاذ اليه والاتحاد به . وسيلة من أبلغ وسائل الحوار والتآلف والانسجام . الجمال مفتاح من مفاتيح الانسان والوجود ولا بدع فلا معنى ولا مبرر لكون بلا جمال .

الجمال نور خفي لطيف يشع من الباطن . انه تجاوز للفن والشهوة وتسام الى ذروة من النشوة أشبه بسكرة الخلق انصهر فيها وانتلف الحس والذوق والروح . حاله من الصفاء والاشراق تخرج بك عن دنيا الواقع الاجرد الموات واسار الزمن المحدود لتسبح فى الانسان مع الانسان

الجمال تحسس واستكشاف وغوص واستبطان . حيرة ) 1 ( وقلق وتوتر الى حد الالم والمأساة . سعى دائب . . يقظة متصلة وان حالمة وبصيرة نفاذة قوتها فى لينها وقبولها .

نتأمل السطوح والظواهر بحثا عن ميزة كل شىء وحقيقة كل مخلوق . " الخلاصة " ، اللباب ذاك ما يعنينا . نهفو الى " وصال " ممتاز مع كل جميل ، نتحرق توقا الى اللغز ونتصيد " الجوهر الفرد " من خلال الكثرة المعقدة والفوضى الظاهرة والنشاز المحير

أن تتملى الجمال معناه أن تكتشف جانبا من بشريتك المحجبة المهملة وتلتقي بذاتك الصميمة فتثريها وتعمقها أصالة ورسوخا فى تربتك ، فى بيئتك ، فى الطبيعة ، فى الانسانية جمعاء .

لبس الجمال ملاذا آمنا ساكنا ، انغلاقا وانطواء على الذات ، حالة من القرار السلبى ، موقفا هروبيا أشبه بغيبوبة الخمر والافيون . كلا ! بل هو مهماز حافز على الخلق وهو مادة الخلق أيضا وغايته

انه نقطة ارتكاز ومنطلق . به نكسر قيود الواقع الجائر ونفلت من جميع صور القبح فنتنفس حينا ونتطهر ونستعيد قوانا وافرة لنندفع قدما وقد خلصت ذواتنا وسلمت طاقتها واحتفظت بمنعتها وشوكتها وهى اقدر ما تكون على البقاء والصمود وأشد ما تكون ايمانا وتشبثا بالحياة

نحن لا نعرف ما هو الجمال !

ولكننا ندرى ونعرف أنه " حس الحياة " قد اشتد فينا وآحتد ودق ورق وأزهر حبا رفيعا شاملا . . عشقا للوجود كأثرى وأوسع ما يكون

الجمال صنو الحياة . ) 2 (

أجل . ذاك سر انجذابنا اليه وحنيننا الظامىء أبدا اليه هو ما يسمو به ويبرره ويجعل منه " سحرا حلالا " وينزهه تنزيها ويهبه خلودا

اشترك في نشرتنا البريدية