الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "المنهل"

في الدروب

Share

١ - موهبة

كان يمسك بقلم بين اصابعه دون ان يحركه على الورق ، وكان سابحا مع أفكاره يستشف غيوم خياله كأنه يبحث عن فكرة بالذات يريد التقاطها .

والقيت عليه التحية واتخذت مقعدا بجانبه ، فرد على ، دون ان يرفع رأسه عن الورق ، ودون ان يفلت القلم .

قلت في ذات نفسي معللا : دعه وشأنه ولا تشغله . . لعله يكتب رسالة مهمة مستعجلة أو يحاول حل مشكلة مستعصية بقلمه . فجلست ملتزما الصمت ، ومضت الدقائق تلو الدقائق ، ثم التفت اليه عله انتهى من كتابته ، ولكني وجدته كما كان : سابحا مع أفكاره والقلم بين أصابعه دون أن يحركه على الورق ولاحظ هو التفاتتى فقال : أمر عجيب !

قلت متسائلا ماذا هناك ؟

فكان جوابه ناولنى ما بيده من أوراق ، فالقيت نظرة إلى ورقة منها فوجدت

التالية في عمود رأسي : ورود . . وعود . . جنود . . شهود . . خلود .

قلت في دهشة وتساؤل : لم أفهم ؟

قال : مرت نصف ساعة وأنا احاول نظم أبيات من الشعر ، ولكن دون جدوى ، فقد استعص على ، الشطر الاخير من البيت الثاني ، مع انى درست علم العروض وقرأت كثيرا من الشعر . . .

وهنا قاطعته مصححا : يا عزيزى الصديق ، ان الشعر موهبة قبل أن يكون علما ودراية وصناعة ، فلا معرفة بالقوافي والبحور والأوزان تنفع ، ولا اكثار من قراءة الشعر تجدى ، ان لم تكن لك موعبة فى الشعر من أول الامر وقبل كل شئ .

قال وهو يضع القلم والورق جانبا يجوز .

٢- قصة قصيرة :

قال محدثي وهو احد الشباب الجامعي :

لنا زميل كريم متفوق دوما في دراسته . . فى فصله . . في نجاحه . . يفوز بالأولية كل عام . . ولم يتزحزح عنها قيد أنملة ولم يستطع أحد منا دفعه عنها ، فظل محتفظا بها طيلة دراستنا وزمالتنا له .

وهو بعد ، شاب هادىء مثقف وقور اعجبنا به وبهمته العالية ، ولكم خلونا إلى بعضنا نتفكر فيه وفي أمره وفي سره . . سر نجاحه وتفوقه الدائمين ، ولم نزل نقلب الامور على اوجهها ورحنا نضرب اخماسا

فى اسداس ، وتهنا في سهوب واسعة جدا من الحيرة والتخمين .

وذهبنا فى تحليلنا وتتبع سلوكه مذاهب شتى

كان احدنا يقول : انه شخص لا يهمه من الحياة سوى الدراسة والمذاكرة ليل نهار .

ويعقب آخر : لذلك فحياته من البيت إلى المدرسة وبالعكس

ويتابع الثالث قائلا : أما في البيت فهو يعيش بين جدران أربعة منكبا على كتبه ومذكراته ليس غير

فيعود الاول يقول : هو شخص عبقري شاذ لا طاقة لنا به ولا حيلة لنا بالتفوق عليه . الى آخر ما هناك من أسئلة وتعليقات كلها تتخبط في دياجير ظلماء وبدون جدوى أمام هذه الشعلة المستنيرة .

أما أنا فكنت اكثر الزملاء اعجابا به ، وحاولت جاهدا أن أصل الى أعماقه . . أن أتحرى اعماله وأترقب حركاته " لا لشئ سوى دافع الاعجاب به ، في دراسته وتحصيله المثمرين ، وبالتالي اتباع سلوكه ان امكن

وفي هذا العام صممت عازما على الفوز بالأولية دونه أو مساواته في مجموع الدرجات على الأقل ، فأعددت العدة وحرصت على المذاكرة قبل الامتحان بشهر ونصف شهر ، وانقطعت عن التنزه كالعادة ، بل اعتزلت الصحاب مؤقتا استعدادا للمعركة الرهيبة . وغرفت من بحور المذاكرة المجهدة من بعد

العصر حتى ساعة متأخرة من الليل ، أما في ليالي الامتحان فجعلت أسهر حتى السابعة ليلا وبين كل نصف ساعة وأخرى أحتسي كوبا من القهوة أو الشاي الاسود الثقيل ابعادا للنوم .

ومع كل ذلك . . مع هذه المذاكرة المجهدة ثم احصل على الأولية ، وكان هو كعادته متفوقا .

وكان طيلة أيام الامتحان مبتسما متفائلا واثقا من نفسه على العكس منا نحن زملاءه المحطمي الاعصاب ، المجهدى الاعين من جراء المذاكرة في ليالي الامتحان

وهنا لم أجد بدا من أن أسأله عن سره . . هذا السر الكبير

وخرجت بالنتيجة الاخيرة من حديث واحد حظيت به منه فى صميم الموضوع . ولكم دعشت لهذا السر ، وكم كانت مخيبة لظننا ، لقد كانت النتيجة عكس ما خمنا تماما .

فلم يكن سلوكه في الحياة من البيت الى المدرسة ، وبالعكس تماما . . وبالتالي لم يكن يعيش بين جدران أربعة ليس غير . . منكبا على دروسه . . ولم تكن حياته كلها جدا ومذاكرة البتة .

كان مثلا يخرج فى الاصائل للترفيه عن نفسه ومشاهدة كرة القدم بجرول ، أو بحي العزيزية - هذا في دراسته البنوية - وكان

يذهب الى جدة في بعض الجمع لمشاهدة المباريات .

وكان يسمر مع بعض أصدقائه بعض ليالي الجمع .

وانما كانت له ميزة نادرة في الدراسة ، كان طابعه وسلوكه فى التحصيل : الترتيب والنظام في كل شئ . . في المذاكرة . . في النوم . . في سماع الراديو . . في الترفيه . . الخ .

ففي المدرسة تراه يحرص على حضور الحصة أو المحاضرة بالجامعة والاصغاء كلية لما يلقيه المعلم . وفي البيت يعاود مذاكرة ما تحصله في اليوم لمدة ساعة . -

اما سر نجحه . . أما سر تحققه المستمر ، فالفضل - كما قال - يرجع لحادثة واحدة في حياته ، يرجع لفشله ورسوبه فى السنة الخامسة الابتدائية وفي مادة النحو . ومنها اعتبر ، وكان درسا قاسيا لا ينساه ، كان يجعل الحادثة نصب عينيه ان هو تكاسل بعض الشئ او اهمل بعض الوقت ، فكانت بمثابة آلة للتنبيه لديه .

وهكذا نجح لأنه فشل ، واعتبر وامن بان الفشل سر النجاح .

وكانت طريقته المثلى في المذاكرة : الاول فالأول . . وكل يوم بيومه .

اشترك في نشرتنا البريدية