١٣ - القراءة الحرة أيضا : قبل ثلاث عشرة سنة استطعت ان أرسب بتفوق - كما يقولون - في مادة الانشاء . وكان ذلك في المرحلة الاعدادية ، وقد تحصلت على ٥ من ٢٠ .
والتقيت بمدرس المادة وقبل أن أبداه الحديث قال في حدة : ما هذا ؟ تحصل على خمس وتكتب سبعة أسطر فقط ؟! ثم هى كلمات وجمل لا رابط بينها ولا مفهوم لمعناها ؟!
هذا خطأ فظيع .. اقرأ يا بني .. اقرأ كثيرا .. اقرأ ولو صفحة واحدة من مجلة أو كتاب كل يوم .
وفي الحقيقة لا أستطيع أن أصف مدى تأثرى ومبلغ خجلى من كلمات أستاذى . خيل الي انه عرف عنى الكثير ، ولا اغالى اذ قلت انى ذهبت بعيدا بأفكارى وخدت انه يعيش معى وفي منزلى ، فادرك ان المجلة والكتاب لم يعرفا الطريق الى منزلى ولم يدخلاه البتة.
وتأكد من أن القراءة لم تستهونى ، او انى لم اهتم بها .
وكان موقفا حرجا للغاية ودرسا قاسيا ومفيدا في الوقت نفسه لن أنساه ، حسبى انه كان نقطة تحول في مجرى حياتى الثقافية .
هذه - عزيزى القارىء - مقدمة واقعية لا أحسبك لم تفهم ماذا أقصد من ورائها ،
وباختصار : اقطع الوقت قبل أن يقطعك .. استفد من أوقات فراغك . واشغله فيما يعود عليك بالمتعة والفائدة .. وفي القراءة الحرة بالذات .
وأعيد عليك عبارات معلمى الفاضل : اقرأ كثيرا .. اقرا ولو صفحة واحدة من مجلة أو كتاب كل يوم .
وأزيدك : اقرأ في تعمق وتفهم وتأن .. اقرا في راحة نفسية وانسجام بال .
واقرأ وما يتفق وميولك . وان صممت فاقرا بدون استثناء .. اقرا ولا تتعجل النتائج .. اعني لا تقرأ اليوم واليوم بالذات لتكتب في الغد أو بعد اربع وعشرين ساعة مقالة او قصة .
١٤ - مع ديوان وهج الشباب : ليس هذا نقدا لهذا الديوان او تحليلا له او حتى دراسة عنه .
وانما هى لحقات ماتعة عشتها مع قصائد هذا الديوان لهذا الشاعر السعودى الممتع « ابراهيم خليل العلاف» احببت أن أشرك القارىء معى في التجوال والمتعة في هذه الحديقة الغناء .
وهذه هى الطبعة الثانية للديوان بعد أن طبع للمرة الاولى في عام ١٣٧٣ ه حاملا اسم « البعث » وبعد ان وجد الاسم مشتركا فكان ان بدله بــ « وهج الشباب » وهو اعتراف صريح بأن كل ما حوى الديوان هو انفعالات شاب أو كما قال : اشعاعات من ضحى الشباب الباكر ونبضات حارة من وجدانه . هذا - عدا - اضافات جديدة اليه .
صدر الشاعر ديوانه بصورة له في ريعان شبابه ومقتبل عمره ، أيام كان يدرس بكلية دار العلوم بالقاهرة . وتحت الصورة نجد مدين البيتين تحت com/books٤all.net [email protected]
عنوان « في الجامعة » :
شجتنى صورة العشرين عاما
فقد أوحت الي ، بما ترامى
بها الآمال والآلام شتى
أعاتبها ، فتومىء لى سلاما
ونقلب القصيدة لنجد أول قصيدة تحمل عنوان « ابتسام الحياة » وفيها يتعصر على بقائه وعدم مشاركته الاهل في المصيف « الطائف » . ويسترسل مع ذكرياته الماضية فيها :
أضحى بك الفكر في دنيا من الذكر
وهيج الشوق عهد رائع الصور
أيام لهو مضت لذت بزهرتها
لنا الحياة وكانت نفحة القدر
أيام كان الصبا حذوا غرارته
ما للهموم وكدح العيش من وضر
و « الطائف » الخصب جنات محملة
يترجم الطير فيها صورة الشجر
وتكون بمثابة تجربة له ويحس فيها أن الزمن متقلب :
مضى الزمان الذى كانت مباهجه
تترى وآناؤه خلو من الغير
فعز قلبك مما قد ألم به
فلا دوام على صفو ولا كدر
والشاعر من الدين يؤمنون بأن ارسال الكلام لا بجدى ان ثم يدعم بالأفعال فيقول في قصيدة أخرى :
يأيها الشعراء كفوا لغوكم
ان العواطف لا تنيل مراما
لينب عن الشعر المرن بسمعنا
نعي القنابل كالقضاء ترامى
وكاى انسان يفرح بلقاء اخيه خاصة وهم بعيدون عن مسقط رأسهم . فيعبر عن شوقه وحنانه وفرحه بذلك في قصيدة ألقيت في حفل استقبال اعضاء البعثة بالقاهرة :
علام نسيم الشرق نشوان يلعب ؟
اعن نبأ يختال فيه ويطرب ؟
احس خيال الصحب يملأ ناظرى
ويطرق سمعى خطوه المتوثب
يشاغلنى في طيفه كل اروع
تمثله الذكرى الى فأعجب
وشاعرنا يملك قلبا ينبض بالحب . ويسحره الجمال .
استطاعت ممرضة حسناء أن تتسلل الى قلبه وتحتله وقد رآها وهو يعاني من المرض على فراشه فجاش خاطره :
يا نشوة الروح أين اليوم مسراك
وهل لطيفي مثول نصب ذكراك
ما زلت منى في سمعى وفي بصرى
وفي دمى وفؤادى لست أنساك
الى أن يقول :
هذا جمالك مسطور على ورق
اشراقه اثر من ومض معناك
يا معجما في معانى الحسن منفرد
وحجة تتلقى الغيد فتواك
عفوا اذا الوصف لم يجرؤ كعادته
فقد سموت ، وحسب النفس مرآك
وهو ان احب يفدى حبيبه بكل ما يملك ، ويلبي له كل ما يطلب :
سليني فؤادى لست أمنعه بخلا
وان كنت قدما لا اجود به سؤلا
ويوم شب الحريق الهائل في شارع فؤاد بالقاهرة كان الشاعر هناك ، فكان ان وصفها بأبيات جامعة :
مجالى المنى أمسيت دور خراب
عبث اللظى : متاجر الألباب
امسيت ثاكلة تمسحها الصبا
في مآتم من هامة وغراب
لبست حدادا بعد زخرف زيها
وتهالك منهارة الاعصاب
الى أن يقول في خاتمة القصيدة :
لم يكفهم ان دمروك غباوة
فتحرشوا بمجامع الاحباب
من كل مشرقة الرسوم تآلقت
في منظر متلاحق خلاب
فحمت كان لم تغن دهرا بالسنا
وخلت من الايناس والاطراب
فمتى نراها في جديد نشاطها
ويكر قابل عهدها الوثاب
وفي عام ١٣٧٣ حين تحولت مديرية المعارف الى وزارة ، وعين سمو الامير فهد بن عبدالعزيز أول وزير لها تكون وفد من رجال المعارف لاستقبال سمو الامير الوزير في جدة . فكان ان القى الشاعر هذه القصيدة مرحبا به :
اسرك الوصل ممن كان قد هجرا ؟
أم جاءك الدهر يبغي الصفح معتذرا
فقلت لا من اباه ، إنه نبا
ما لامس القلب حتى بارك القدرا
هذى المعارف قد خلت مرحبة
بيمن لقياك ، والاقبال قد سفرا
وودعت كل ما تحشاه من عنت
واستقبلت كل ما تهواه مزدهرا
وعاد ما كان آمالا معلقة
تحت المضاء وأمسى الشك محتضرا
وفي ٥-٥-١٣٧٣ ه تفضل صاحب السمو الامير فهد بن عبد العزيز وزير المعارف فزار المعهدين في مبناهما القديم بالقشاشية ثم زار المعهد العلمى
السعودى ومدرسة تحضير البعثات بمكة المكرمة . وكان الشاعر مدرسا للغة العربية وآدابها بالمعهد فالقى أمام سمو الامير هذه القصيدة تحت عنوان : « يد الاصلاح » :
ماذا ارتل عن فخر وتنويه ؟
حسب الثقافة ما قد رحت تنويه
عهد جديد به الاصلاح مغتبط
قد اشرأبت له شتى نواحيه
الى ان يقول :
وشد بفضلك للطلاب أبنية
تؤوى الغريب ومن رقت حواشيه
واشمل بعطفك واستصلح « مؤسسة
شعبية » جهدها في البعث تعطيه
ضمت شبابا أراد العيش طلبتهم
من الدراسة قسرا فى دواعيه
كم بينهم من ذكي الفهم ذى هبة
وقدرة تتجلى في أياديـــــه
انا نحس فراغا في مرافقنا
وتحت أعصابنا فيض نعانيه
انا لنرقب عهد البعث فى ثقة
وحاطك النجح فيما أنت تنويه
وفي اطول قصيدة بالديوان تحدث الشاعر عن مشاعر الحج وكيف أنه مؤتمر كبير للمسلمين فيه منافع للناس وقد صور ذلك في بيان رائع وددت أن انشر القصيدة بكاملها .. ولكنى اقتطف منها :
أمل يلح على النفوس مسيطر
وهوى يزيد على المدى متكرر
والحج اروع ما تعلق مؤمن
بشهوده ، فهو الوصال الأكبر
وهناك حول البيت راق شتيتهم
فمهلل شخص سواء مكبر
أو خاشع متبتل أو ماسح
او من يناجى ربه يستغفر
او خانف او آمل أو مرعد
أو دامع بازاره يتعثر
حتى اذا اقترب الوقوف تقاذفت
بهم الفجاج وماج حشد أغبر
طبق الفضاء فلست تترك موطنا
الا وخلفك لاحق بك يقطر
وللشاعر رأى طريف وحكم صادق على المرأة جدير بالتأمل :
انت اسمى من الهوى المعثار
انت ام عظيمة المقدار
انت نصف الحياة ، بل ثلثاها
وانبعاث الشريك للاوطار
أنت وحي الفنون، أنت هداها
أنت لطف مشوق الاسرار
أنت مجلى أناقة وجمال
أنت رمز السلام والايثار
وعن الموقف تحدث الشاعر وأفاض ، وانك لتقرأ القصيدة فتحس بهذا العامل يؤدى خدمته للوطن ، ثم حياة الموظف ما بين مكاتب وأوراق .
بصر النهار ودبت الاسواق
وتيممت أصحابها الارزاق
ومشى الموظف ناشطا متحاملا
متأنقا ترنو له الاحداق
متنقلا عبر الطريق محملا
بحقيبة تحتلها الاوراق
هى خدمة دوما تمص شبابه
وسميره المتبسط المشتاق
والى الملتقى في دراسة اخرى لديوان شاعر سعودى آخر ان شاء الله .
