الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

في الدروب

Share

١ - ما هوايتك ؟

يقول المثل ما معناه : " قل لى : من صديقك ؟ أقل لك من أنت ، . . وعلى غراره نستطيع أن نقول : " قل لى : ما هوايتك ؟ أقل لك من أنت ، . . فالحديث عن الهوايات ممتع وذو شجون ، فما أكثر الهوايات النافعة في دروب هذه الحياة الواسعة الصاخبة وبين ضجيجها المشحون بالأعمال والآلام والآمال . . هوايات مفيدة مسلية في وقت واحد نستغل بها أوقات فراغنا القاتل على حد تعبير بعضهم.

هذا ولا يختلف اثنان في أن الهوايات تدل على ذوق صاحبها فبقدر نفعها وامتاعها يقاس ذوق الهاوى ومدى ميوله ومقدرته العلمية والفنية .

اعرف شابا جامعيا يقتني سجلات البومات ، لجمع الصور التذكارية والمناظر الطبعية الجميلة ، ولا تسل عن دهشتى وتقديري لذوقه وأنا اقلب صفحات سجلاته . كنت آنئذ أتنقل بين بلدان شقيقة وأخرى أوروبية في مناظر أخاذة ، وحسبي انى أمتعت ناظرى في بعض بلدان العالم في دقائق

وعرفت شبابا يجمعون طوابع البريد في البومات خاصة بها ، وسيتبادر الى ذهنك السؤال التقليدى : ما فائدة جمع طوابع البريد ؟ فيكفي أن نعرف الاجابة الشائعة من أحدهم وهو يتحدث بملء فيه وبكل اقتناع عن تاريخ الدء . ويعرفك ببعض آثار البلدان . ويضك على نوع الحكومات لكل دولة .

وثمة هواية جميلة وذات نفع كبير وهى كتابة اليوميات وتدوين المذكرات

فباستطاعة أحدنا أن يحضر كراسته ويكتب . . أجل يكتب حوادث هذا اليوم باختصار وبرؤوس أقلام ، والطرائف والقصص اللطيفة التى حدثت له فى الشارع . فى المدرسة ، في المكتب . . ويطوى صفحة اليوم . وفي الغد يكتب ويفعل مثل اليوم ان وجدت الحوادث والطرائف وبدور الزمن دورته ، وعند ذاك يقلب هذه الصفحات ويقرؤها ويتأملها . . وعندئذ تكون لديه لحظات سعيدة لانه يعيش مع نفسه ويحس بها . . يتعلم من حوادث أيامه . يضحك مع الطرائف التى صادفته ، كل ذلك من خلال مذكراته ويومياته

وأما انه الهواية الاولى والاخيرة ، والتي يجب أن نضعها نصب أعيننا ، والتى لا غنى للانسان عنها ، فهى باب العلم الواسع الذي يلجه كل طالب ، حيث تنمي عقله وتزوده بالخبرة والمعرفة والتجربة ، وتوصله بالعالم الذي يعيش فيه . .

وهي بعد وسيلة من وسائل التهذيب والمتعة واللذة .

انها القراءة . . القراءة الحرة . . ولأن تنجح المدرسة فى أن تجعل القراءة هواية سننميذ ينعشقها ، ويحرص عليها خير من أن تمنع أكبر شهادة ثم لا تجده ميالا للقراءة والإطلاع .

وعن اخرى : قل لى : ما هو ابنك ؟ أقل لك من أنت " .

٢ - قصة صغير

فتح عينيه وتفتح ذهنه ونما عقه حين رأى نفسه فى هذه الدنيا . . فى هذه الحياةا الواسعة الصاخبة . . حين وجد نفسه أكبر والديه وكانوا . . ورفع ناظريه الى مزلنه الصغير الكبير . . الى أمه الرؤوم . الى أبيه المريض . الذى هده الكبر وأقعدته الشيخوخة ، فطفرت من عينيه دموع ساخنة وشالت على خديه غزيرة وهو يرنو الى أخوته الصغار ، وتطلع الى أشعة الشمس وقد تفتحتت الغرفة ، وهنا أدرك أن موعد المدرسة قد حان . وخرج مسرعا وأغلق الباب على السكون المخيم والقفز المطبق ، ودخل المدرس وشرح الدرس وصاحبنا الصغير موجود مفقود . . موجود بجسمه غائب بفكره .

وانتهت الحصة الاولى و تلتها الثانية والثالثة ، والسادسة ، وانتهى اليوم وانصرف الطلاب ، وقفل صاحبنا الى منزله راجعا قلبه وفكره يتبعانه الى منزله .

وفي البيت مر عليه الوقت بطيئا متثقلا ، وهو لا يزال يجتر همومه .

أنه يحس بالفقر والجوع والحرمان . وهذا أبوه مريض في حاجة الى عونه . فيعمل أى شىء ليساعده ، ترى كيف نسبين ليساعده . . لحمل بعض أعبائه

وقفز حين واتته الفكرة ، ومن توه تحرك وأخذت الفكرة تنمو وتتبلور فى ذهنه .

وأخذ يردد فى ذات نفسه : أجن سأعممها كل يوم وبعد العصر ، بعد الانتهاء من الدراسة . وأتمت الساعة الحادية عشرة من عصر ذلك اليوم حين كان الصبيين العاده يتعبون ويمرحون فى الأزقة

وفي زذق دارهم بالذات كان بعضهم يذهب . وقد طلع على صاحبنا الصغير . وكان يحمل

على رأسه . وتوقف الكل عن اللعب وتدهشه مرئه على وجوههم . . يرى ماذا دهاه ؟ وماذا يحمل ؟ أيريد أن يبيعنا شيئا ؟ دارت هذه الأسئلة فى الرؤوس الصغيرة وعلى الألسنة وأنزل صاحبنا ما على رأسه وبجمع الاولاد حوله . لقد كان حما ما ظنوه انه يريد بأن يبيعهم شيئا ، وكانت البضاعة : اللبيلة وتوابعها لقد أخذ من أمه ريالا من الريالات القليلة التى كانت تدخرها لمثل هذا اليوم وابتاع البليلة . وبأسرع ما يمكن طبخها وانق طبخها بمساعدة أمه .

وحدث ما توقعه صاحبنا الصغير . . لقد طفرت على الوجوه الصغيرة علامات كثيرة منها العطف والرثاء ، ومنها السخرية والاستهزاء ، فانكمش أول الامر وخجل ولكنه استطاع أن يكبت كل ذلك الشعور حين فكر فى والديه وأخويه . وفي سرعة بديهة أخذ يشاركهم ضحكهم فى تصنع وخجل زائد . . تم انصرفوا عنه الى الشعب والصياح . ومضى بعض وقت حين فرغ الاطفال من اللعب أو كلوا منه فى الواقع وقد هموا براحة ، وتجمعوا حول صاحبنا مرة أخرى ، ولم يشتر منه أحد منهم شيئا . انهم كانوا يتأملون ثم تردد احدهم قبل ان يمد يده بالنقود ليبتاع ويأكل . . ثم اشترى بقرشين وأكل وتلذ وأعاد الكرة . .

وهنا امتدت لأيدى الصغيرة سنخرج القروش من الجيوب وتبتاع وكن ممت كل متلذذا رفيقهم

وقبل المغرب رغ كل ما لديه من البليلة وحمل الأوعية الفارغة إلى منزله وفى نفسه نشوة بالفوز والربح وفي قبه خففات بالنجاح

لقد كان بيده في المساء وهو مقبل على منزلهم الصغير الحقير . ثلاثة ريالات وثلاثة قروش .

اشترك في نشرتنا البريدية