الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

في الذكرى السادسة لوفاة طه حسين

Share

(( اذكروا موتاكم بخير ))

(( ونحن نرى فى هذه الايام التى سهل فيها البحث والتقصى ، وروقبت فيها الاذاعة ونشر الدعوة ، ووضعت فيها القوانين الصارمه لعقاب الذين يسبون الناس ويقذفونهم ويقولون فيهم غير الحق ، ويحملونهم ما لم يحتملوا ، ويضيفون الى ما لم يقولوا ، نحن نرى فى هذه الايام كيف يتهم الناس بما لم يقترفوا من الذنوب وكيف يحمل عليهم ما لم يحتملوا من الآثام )) (1)

هذه الجملة من القول كتبها طه حسين فى أثناء رده لما الحق بالمتنبى من نعوت وما نسج حوله من أكاذيب ، وسواء أصاب طه حسين فى دفع ما شاء أن يدفع من تهم عن المتنبى أو أخفق ، فان هذه المقولة تبقى صحيحة جائزة ، لا أدل على صحتها وجوازها من هذا الكتاب (2) الذى حبره أنور الجندى وعقبت دار الاعتصام الاخوانية فى قفاه بقولها :

(( لاول مرة بعد وقت طويل يتمكن أحد الباحثين المسلمين وهو انور الجندى من مواجهة عميد التغريب فى الادب العربى المعاصر والفكر الاسلام الحديث الدكتور طه حسين الذى شغل الناس أكثر من خمسين عاما بأحجاره وقذائفه التى ألقاها على كل زاوية من زوايا بناء الاسلام من خلال سيرة الرسول والدين والحضارة والتاريخ والادب . ألقاها فى كلية الآداب والصحافة ومجمع اللغة واللجنة الثقافية للجامعة العربية ووزارة المعارف ، وقد سار طه حسين قدما فى طريقه تحوطه هالة من الخداع والتضليل والحماية تحت أسماء التجديد والتقدم والعصرية والبحث العلمى .

وظهرت الاجيال الجديدة من الشباب فى هذا الجو المطعم بالخرافة الاسطورية فلم تستطع أن تتبين وجه الحق ، رأت ما أطلق عليه عميد الادب محاطا بهالة من التبريز والدوى ، فلم تعرف حقيقة الدور الذى قام به فى مجال التغريب والغزو الثقافى فكان لابد أن يتطلق للحق لسانا (كذا) ))

وقد عمدنا الى نقل جملة تعليق الناشر لانه يوجز المدخل الذى كتبه المؤلف فى صدر الكتاب .

والكتاب كله يقوم على فكرة مزدوجة ، جانبها الاول ، وهو الصيغة ، تدعى أنه بحث علمى لمفكر مسلم ، وثانيها وهو المضمون هو بيان أن طه حسين كان فى نفس الوقت ملحدا ومسيحيا ويريد امامة المسلمين ، وكان صهيونيا وشيوعيا وعميلا لفرنسا والغرب عامة عدوا للاسلام والعروبة خائفا من الشعب سارقا يسطو كذابا ينقل البدع ، ولمن يريد قراءة هذا الكتاب مفاتيح وابواب فاما ان يكتفى بتعقيب دار الاعتصام ، أو أن يقرأ المدخل وهو مدخل ومخرج فى الوقت ذاته . وله ان يصابر ليقرأ الكتاب على علاته ، وهى مشقة بدون اجر، وله أن يقرأ رد رجاء النقاش (3) أو رد انور الجندى على رد رجاء النقاش (4) .

واصل هذا اليسر فى هذا البحث العلمى أنك واجد فى كل هذه الابواب نفس المواد على عين النهج .

فما هو هذا المنهج المتبع :

يقول المؤلف : ولا نريد ان نتعجل الحكم على الرجل وآثاره . واما نود ان تضئ الطريق الى فهمه بتقديم الوقائع والوثائق المتصلة بحياته وفكره على النحو العلمى الصحيح حتى يجئ الحكم عليه ( كذا ) منصفا عادلا غير مشوب بشئ من التحامل او التحيز (5)

ولاضاءة الطريق الى هذا المنهج العلمى الصحيح ، لابد من تقديم ملاحظات منهجية حول هذا العمل .

وتتعلق أولها بعنوان الكتاب فهو على واجهة الدفة الاولى للكتاب هكذا طه حسين : وفكره فى ميزان الاسلام وهو فى الصفحة الاولى والثالثة ( دون ترقيم ) هكذا : (( طه حسين : حياته وفكره فى ضوء الاسلام )) .

وهو فى المتن هكذا : (( هذا مدخل الى دراسة طه حسين ( حياته وادبه ) )) وهكذا : (( مدخل الى حياة طه حسين وفكره )) (6)

وليس أغرب من هذا التحول من عنوان الى آخر ، الا هذا التنافض الصريح فى التسميات اذ تدل العناوين الاولى على أن هذا الكتاب قائم بذاته ، ولا يحتاج الى سواه ، فى حين يدل التالى منها أن هذا الكتاب مدخل للبحث الكامل الجامع (( طه حسين مفكرا وأدبيا )) (7)

وهى مغالطة أدبية وعلمية واقتصادية ، اذ كم من الكتب ما ترى عليه عنوانا بالاحرف التاجية عن تاريخ الادب المعاصر أو المسرح أو القصة ، وتحته بأحرف لا تكاد العين تتبينها عبارة (( حتى سنة 1920 او ما يليها )) ؟

والملاحظة الثانية ان هذا الكتاب جمع لما سماه المؤلف (( وقائع حياته ( طه حسين ) ومفاهيمه وآرائه بالادلة والاسانيد والوثائق ، وهى أدلة واسانيد ووثائق - ان صح كونها كذلك - (8) مرصوفة متراصة ، لا يتخللها الا التعليق القصير ، يفرغ منها المؤلف ليعود اليها ثم يكررها عليك حتى تمجها .

واما عما يتصل منها بوقائع طه حسين ومفاهيمه ، فيكفيك ان تقرأ ما كتبه طه حسين عن نفسه يوما حيث يقول (9) :

(( وما أكثر ما أعجب وما أضحك أيضا ، حين أقرأ ما يكتبه الناس عنى بعد ان يفرغوا من قراءة هذا الكتاب او ذاك من كتبى ، لانهم يحصلون لانفسهم . ويعرضون على الناس صورا يزعمون أنها تمثلنى ، ولست أدرى . وليس المتصلون بى من قريب يرون ان بينها وبينى سببا )) .

والملاحظة الثالثة ، وهى متصلة بالثانية - اذ هى متعلقه بهذه الادلة والاسانيد والوثائق تتمثل فى انعدام الضبط العلمى فهو يشير الى واقعة واحدة فى سياقين مختلفين ويضع بين يديه قرينة على وجهين فيقول (10) :

(( وقد القى الدكتور طه حسين عددا من المحاضرات عن البحترى ، وقد شب الدكتور زكى مبارك ( البلاغ 12 مارس 1933 ) عن هذه المحاضرات تحت عنوان : الدكتور طه حسين يغلط ثلاث مرات فى محاضرة واحدة )) . ويقول (11)

(( وقد القى محاضرة عن البحترى فكتب زكى مبارك فى جريدة البلاغ يقول : الدكتور طه حسين يخطئ خمس مرات فقط فى محاضرة واحدة )) .

فهذه الوثيقة المنقولة عن جريدة البلاغ لا يوثق بها بل لا يوثق بناقلها - وهو باحث علمى ثم هو قبل ذلك مسلم - لاختلاف نصها ومتنها ، ولو كانت رواية شفوية - وما أكثرها فى هذا الكتاب ( 11 مكرر ) - لهان الامر ، اما وهى حبر على ورق فلا ، فلسنا ندرى ان كانت محاضرة او عددا من المحاضرات - وهو أمر يهم كل من يهتم بطه حسين والبحترى وما له صلة بهما ، كما لا ندرى ان اخطأ طه حسين او غلط والفرق شاسع بين المعنيين لا يغيب عن ذهن باحث علمى أداته اللغة ولا ندرى أيضا كم كان ذلك من مرة حتى نعد على طه حسين أخطاءه ونحصى اغلاطه كما تسقطها المؤلف ، ونقف من عبارة (( فقط )) موقف الحائر ، لماذا لم ترد فى الرواية الاولى وهى اكمل الروايتين بدليل ذكر تاريخ الوثيقة فيها وفى تراص هذه الوثائق وتراصفها ، تجد بعضها يدفع بعضا دون ان يتخذ المؤلف منها موقفا ، فيمحصها فكان همه هو

الحكم على طه حسين لاله ، وادانته دون اهتمام بشئ من العدل والانصاف ، فتارة يرى المؤلف ان اراء طه حسين فى حديث الاربعاء مأخوذة عن جرجى زيدان والاغانى (12) واخرى يرى انه اخذها من سانت بيف (13) وان اراءه فى هامش السرة اعتمد فيها على الاساطير وكتاب اجنبى مرة (14) ومرة اخرى اخذه من كتاب على هامش الكتب القديمة (15) وثالثة اخرى ينقل ان اسم كتاب على هامش السيرة منقول من الفريد اورشلم الاستاذ بجامعة اكسفورد صاحب كتاب على هامش سيرة المسيح (16)

وملاحظة اخرى تتعلق بغلط انور الجندى ، الباحث العلمى او بجهله حين يقول : ان رأى طه حسين فى ( مع المتنبى ) اخذ نظريته من بلاشير (17)  ذلك ان من جملة تنويهات طه حسين فى كتابه هذا قوله (18) :

(( ونحن نستطيع ان نفهم عجز الاستاذ بلاشير عن ان يذوق جمال هذا الفن من شعر المتنبى وان نعلله ، وان لم يكن فى حاجة الى هذا التعليل ، فجنسية الاستاذ بلاشير واختلاف مزاحة وطبعه ، واخشى ان اذكر دينه أيضا ، كل هذا يجعل تأثره بهذا النحو من الشعر قليلا ضئيلا وربما جعله تأثرا عكسيا ، وربما دفع الاستاذ الى الغض من هذا الشعر والازدراء به ، أما نحن فان هذا الشعر ( وصف المتنب لحروب سيف الدولة عند الثغور ) يثير فى نفوسنا عواطف اخرى ، ويتتبع فيها حركات لا تنتظر من نفس الاستاذ بلاشير وامثاله من العلماء الاوربيين )) ، وليس غريبا ان يكون انور الجندى على جهل تام بكثير من الكتب التى يورد اسماءها محتجا بها لصحة ارائه (19)

هذه ملاحظات ، تتعلق بالمنهج الذى اتبعه انور الجندى فى محاكمة طه حسين (20) حيث يتبع منهجا يقبل الرفض والقبول غير ان فى الكتاب المذكور كلاما على غير منهج ومنه :

- ان عمل طه حسين على اعادة طبع رسائل اخوان الصفا وتقديمها بمقدمة ضخمة فى محاولة احياء هذا الفكر الباطنى المجوسى الذى كان يحمل المؤامرة على الاسلام والدولة الاسلامية قرينة مدينة له

- وان فى ترجمة مسرحيات شكسبير محاولة للتغريب وان فى ترجمة واذاعة (كذا) شعر بودلير العنيف فى اباحيته ، المسف فى اسلوبه (!) وترجمة واذاعة القصة الفرنسية المكشوفة تعديا على الاخلاق والاذواق مثلما هو الامر فى اهتمامه بالشعر العربى الاباحى القديم وتصيده وتصيد شعراء الاباحة والمجون ودراستهم والاهتمام بهم امثال : بشار وابى نواس والضحاك وغيرهم (21)

ويتبين لكل تحامل المؤلف على طه حسين بما لا يدع للشك بابا حين تراه يورد هذه الفقرة من كتاب الايام (22) : ويقبل صاحبنا على الامتحان واذا الاستاذ قد كتب على اوراق صغيرة اسئلة كثيرة وضعها امامه وجعل الطلاب كلما اقبل واحد منهم على الاستاذ يرقبونه ويرقبون ما يسعفه به الحظ ، ويقبل صاحبنا ترافقه زوجته ، فاذا اخذت ورقة ودفعتها الى الاستاذ نظر فيها ثم ابتسم ، ثم قال فى صوت عذب : لقد اسعدك الحظ بمرافقة هذه الآنسة : حدثنى اذن عن الامبراطورية العربية ايام بني أمية )) ويعلق انور الجندى تعليقين لا وجه لهما ، أولهما قوله : (( واعفاه من اسئلة التاريخ الرومانى واليونانى القاسية وثانيهما قوله : ترى ماذا كتبت السيدة فى الورقة التى دفعتها الى الاستاذ ، علم ذلك عند الله ، ولكن الذى فهمه الاستاذ هو ان هذا الرجل قد جاء محبا . وسيعود مواليا للثقافة الفرنسية خادما لها ومعه ملاكه الحارس ))

و لا تتمالك ازاء هذين التعليقين عن السؤال : هل يفهم انور الجندى ما نقل وما عليه علق : فكتاب الايام يقول صراحة ان هذا الاستاذ هو استاذ التاريخ القديم ، وهو عند الاوربيين كل ما كان قبل النهضة ولا شك فى انه لو كان السؤال عن التاريخ اليونانى او الرومانى واحسن طة حسين الجواب عليه ، لاقام انور الجندى من ذلك حجة عليه وأدانه بالولاء والتغرب

والفقرة واضحة تقول فى جلاء واضح ان الذى كتب الاسئلة انما هو الاستاذ لا السيدة وان السيدة التى تقود صاحبنا لم تزد على ان اخذت ورقة من تلك الاوراق ولو كتبت شيئا وكيف تكتب - لما فات الاستاذ ذلك .

وانما يغيظ انور الجندى ان يمازح الاستاذ تلميذه تطييبا لخاطره كما يفعل المدرسون العارفون بأساليب التربية والبيداغوجية حين يلاطفون للممتحنين من التلاميذ والطلبة على خلاف اولئك الذين ينتصبون كالجلادين حتى إذا اخطأ التلميذ قال له الاستاذ : وقعت . وتذهب به الظنون كل مذهب وهى اثم ويشرك الله معه فى باطله ، ويرجم بالغيب ليكشف ما فهمه الاستاذ وان هو الا اسقاط لما خالج صدر المؤلف لا صدر الممتحن ؟

لماذا هذا الكتاب ؟ :

أشار ناقدو هذا الكتاب الى كونه بعثا لمعركة قديمة كان طه حسين أحد أطرافها بعد ان نشر كتابه (( فى الشعر الجاهلى )) وليس ذلك ببعيد ، ذلك ان هذه اامعركة قد اتخذت ابعادا خطيرة وخرجت من الوقائع والقرائن الى دنيا الفكر ، فصارت معركة فكرية حاده بين تيارين هامين من التيارات الفكرية التى سادت مصر منذ العشرينات ومازالت تطفو من حين لآخر على السطح لتغمر احيانا المسرح السياسى هنالك فى مصر ونعنى بهذين التيارين ، التيار الاسلامى المحافظ المغالى فى المحافظة ، وتمثله خاصة جماعة الاخوان المسلمين او طائفة منها (23) والتيار الثانى اسلامى كذلك ، ولكنه لا يتردد فى قبول مقتضيات العصر ، يحاول ان يطوع من الاسلام ماخلا الاصول ، كل ما رأى به حاجة الى اصلاح بل وتبديل

وقد توالت هذه المعركة طويلا ، واصبح المحافظون يتسقطون كل ما يعمله طه حسين او يقوله ليسارعوا بالتسخيط والتقريع ، فقد ادخل طه حسين يوما مسرحية لبرناردشو لتدرس فى الجامعة واعتبرها الجماعة طعنا فى الاسلام ، فحاصر (( الطلبة المسلمون )) (24) طه حسين فى مكتبه وآذوه ، وكان ان هرب وخلصه البعض .

وفى حفل تكريم لطه حسين بمناسبة تعيينه مراقبا للثقافة العامة بعد خروجه من كلية الاداب خطب طه حسين فى الحفل فقال (25) اريد ان انتهز هذه الفرصة ايها الاصدقاء لاقول ما قلته الف مرة وما سأقوله الف مرة ، فقد يظهر اننا هنا لا نسأم من القول والتكرار هو ان الاسلام اثبت مكانة فى قلوب المسلمين وفى قلبى انا كذلك من ان يتعرض لخطر لان فلانا قال او لان فلانا لم يحسن القول .

ايها الاصدقاء ارجو ان نكون احسن ظنا بالاسلام وأحسن ظنا بالله من ان نظن ان الاسلام معرض لاى خطر لان فردا يرى هذا الرأى او ذاك ، وأتمنى ان يقيض الله للاسلام من يدافع عنه كما ادافع انا عنه وان ينشره ويحببه للناس كما ابشر به انا ، وكما أحبب مبادئه للناس

وانبرى له الشيخ حسن البنا بنفسه مكذبا ساخرا فكتب فصلا فى مجلة التعارف بعنوان (( إذا كان هذا صحيحا يا دكتور فقد اتفقنا (( رمنه )) اننى لاتمنى من كل قلبى مخلصا ان أرى ذلك اليوم الذى تدعو فيه انت للاسلام وتيسره بين الناس وتحبب تعاليمه اليهم )) وبدهى ان الخلاف بين الشيخ والدكتور لا يتعلق بالاسلام فى حد ذاته بقدر ما يتعلق بتصوره عند كل منهم - فقد ذكر نيكوس كزنتزاكى الكاتب اليونانى فى احدى رواياته انه اجتمع فى بيت عمدة عثمانى فى قرية يونانية امام القرية واحد عوام المسلمين . وفلاح منهم ثرى فساقهم الحديث الى وجوب محاربة أهل تلك القرية النصارى او موادعتهم فحرض الامام على وجوب الفتح والقتال وسانده ذلك العامى فى حين اعترض المثرى ، وكل يستشهد بآيات من القرآن الكريم ، فقال العمدة . انكم لا تقرؤون ما فى القرآن ، وانما تقرؤون ما فى رؤوسكم .

وتتوالى اتهامات الشيخ حسن البنا لطه حسين ليصل الى الحادثة التى اشرنا اليها فيقول : (( وما كان عليك ولا على الجامعة ولا على حرية الفكر من

بأس أن تستجيب لابناء مؤمنين من تلامذتك رأوا فى هذا الكتاب طعنا فى مقدساتهم ، فلجأوا اليك بالطريق القانوني فى هدوء وآداب ، أو ما كان اولى بالداعية الى الاسلام ان يشجع هذه الغيرة وييسرها ويعطف كل العطف على القائمين بها ))

واذا تجاوزت عن تضارب الشيخين حين يقول لك الاخير ان طه حسين حوصر فى مكتبه واوذى ، فهرب الى ان خلصه البعض يقول الاول ان هؤلاء الطلبة قد لجأوا اليه بالطريق القانونى فى هدوء وادب ، إذا تجازرت عن كل ذلك ، وعدت الى اصل المسألة وجدت انها تتعلق بمسرحية (( جان دارك )) لبرناردشو ، ينقد فيها احد الابطال النبى محمدا ، فيرد عليه بطل آخر مدافعا عن الاسلام وعن محمد ، وطرحت القضية فى مجلس النواب ، وكان العقاد عضوا به فدافع عن المسرحية لانها (( تحمل فى حقيقتها دفاعا عن الاسلام بحجج قوية ازاء حجج ضعيفة فى الهجوم عليه )) (26)

الخصومة

وإذا كان طه حسين لم يسلم الا قليلا من التشديد التى تفرضه عليه نزعات وطيارات مخالفة له فى الرأى ، فقد كان يرد على ما يتهم به مرة ، ويتغاضى اخرى ومع ذلك كانت حياته فترات متلاحققة او حلقات متواصلة من الخصومة والنزاع يدافع عن آرائه ويدافع عنها بالصمت ولسان حاله يقول (27) (( انى من قوم قد بلوا السفهاء فأحسنوا بلاءهم ، وصبروا لهم واحتملوا منهم شرا كثيرا لا ضجرين ولا متحرجين ولا مستخفين فى ثيابهم )) او ان يدافع عنها بالقول الخطاب مثلما كان شانه فيما كتب فى جريدة السياسة ، وما جمعه فيما بعد فى حديث الاربعاء ، على ان الخصومة التى فرقت بينه وبين كثيرين من اصحاب مذهبه وبينه وبين كثيرين من غير اصحاب مذهبه ، لم تكن من الحدة بما كان بينه وبين المحافظين المتزمتين الذين كانوا يرمونه بالمروق عن الدين والدعوة للتغريب ، حتى إذا صدر الامر بحل جماعة الاخوان المسلمين سنة 1943 بتهمة ارتكاب جرائم عديدة وما تلاه من قتل محمود فهمى النقراشى رئيس الوزراء الذى كان يسمى حاكما عسكريا بسبب الحرب فى فلسطين ، وعثور الشرطة على مخازن للاسلحة تابعة للاخوان كتب طه حسين يقول : (28) : ما هذه

الاسلحة وما هذه الذخيرة التى تدخر فى بيوت الاحياء وفى قبور الموتى ، ما هذا المكر الذى يكمن ، وما هذه الخطط التى تدبر ، ولم رخصت حياة المصريين على المصريين ؟ يقال انها انما رخصت بأمر الاسلام الذى لم يحرم شيئا كما حرم القتل ، ولم ينه عن شئ كما نهى عن التعاون على الاثم والعدوان )) ، وبذلك تتخذ الخصومه كل أبعادها وتخرج من اطارها الادبى لتتوسع فتشمل الدين والسياسه أصلا ، وبذلك تفهم لماذا يتحامل جانب كبير منهم على طه حسين ساخطين مشنعين ، لاختلافهم واياه فى تصور الاسلام ، ففى حين يعتبرون انفسهم (( جماعه المسلمين )) و (( أهل الحل والعقد فى السلام )) و (( جند الرحمان وحماة دينه )) ورهبان الليل وفرسان النهار (( الذين يجيدون )) (( فن الموت )) او (( صناعه الموت )) ويرون (( من خرج على الجماعة ضربوه بحد السيف )) (29) يرى طه حسين أن لا رهبانية فى الاسلام وان الاسلام لم يحرم شيئا كما حرم القتل ، وبذلك تتنزل القضية فى اطار عام ، يتجاوز انور الجندى وطه حسين ، بل تتجاوز شخص الشيخ البنا وشخص طه حسين . هذا الاطار هو التفكير المصرى الحديث واختلاف مشاربه وافتراق مذاهبه وتباين اهدافه التى اثرت الفكر المصرى الحديث وان حجمته أحيانا كثيرة المآرب السياسة ولوحت به بعيدا عن مقصده المتمثل فى البحث عن انجح السبل للنهوض بمصر التى يعتز المصريون كثيرا بأن يسموها (( ام الدنيا )) و (( قلب العروبة النابض )) ؟

مفارقات فكرية سياسية

ومن هذه المآرب السياسية ، التى اتخذت الفكر لها مطبة ، انقسام الكتاب والمثقفين المصريين على انفسهم بعد مبادرة السادات بزيارة القدس ، فصاروا يمينا ويسارا ، واستشرى الامر بين مؤيد ومناهض ومطالب ومطلوب وتقسمتهم الاهواء واصابهم داء السياسة ، فتركوا الانتاج وعمدوا إلى المقالات السياسية بين هجوم ودفاع ووسط فصار العمل الفكرى لعبة سياسية ، والسياسية ظرف والظرف زائل بطبيعته ، والخوف كله ان ينسدم الينبوع الفكرى والثقافى فى مصر ، على غرار انسدامه فى لبنان .

ومن مبررات هذا الخوف ، هى هذه المحاكمات التى يورط فيها الادباء والمثقفون بعضهم بعضا ، قمع الحملات التى تستهدف نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوى من جانب ويوسف ادريس من جانب اخر (30) واغتال يوسف السباعى ، عرضت مجلة المعرفة (31) كتابا جديدا لمحمود شاكر يدعى فيه أشياء يتهم بها طه حسين ، وبرز فى مصر كتاب لعباس خضر (32) بعنوان (( خطى مشيناها )) (33) (( يتناول العلاقة بين بعض ادبائنا ومفكرينا الكبار بآخرين كانوا خلفهم يعينونهم على الانتاج بأى وجه من الوجوه )) يقول كاتبه : كان محمد شوقى امين (34) قد اتصل بالاديب الكبير محمود تيمور وعمل معه وبدأت العلاقة بالاتفاق على ان يصحح اصول كتابته ، ثم تطورت الى أكثر من التصحيح ، ورايت ملامح من قلم الصديق المكافح تطل من خلال كتابات الكاتب الكبير ، ويمضى عباس خضر مفصلا يزيد فى الايضاح : (( ثمة اعمال ادبية ولغوية اخرى غير القصص اعتقد ان شوقى أمين كتبها منذ البدء مثل الفاظ الحضارة التى كان يقدمها محمود تيمور الى مجمع اللغة العربية وان قلم شوقي كان يجرى فى كتابة جاد المولى فى شرح (( البخلاء للجاحظ )) لعلى الجارم واحمد العوامرى

هذه التجريحات التى ليس فيها من التعديل الا قليل ، وهذا التقاذف بالتهم وتبادل اللوم العنيف والاستنتقاص والتهجين ، اتراها تخدم الثقافة بمصر ؟ كل اولى اصحابها أن يختلفوا فى غير فرقة والا يحاولوا هدم اسس شامخة فى البناء الثقافى المصرى خاصة والعربى عامة حتى لا يفشلوا وتذهب جهودهم سدى ؟ أم ماذا بمصر ؟

كلية الآداب ( تونس )

اشترك في نشرتنا البريدية