الطريق تمتد أمامه طويلة ملتوية تبعثرت على جانبيها أشجار قوية صلبة تتحدى الرياح الثائرة . لا حياة فى هذه الارض التى سيكون فيها السير بدون شك صعبا . تطلع الى الافق فلم يشاهد سوى المنعرجات السابحة فى البعيد وقرر أن يتزود بكل ما هو ضرورى لهذه الرحلة الشاقة لان الرجوع الى الوراء عنده سيكون ممنوعا . . . فى الجبل ستكون الحياة ولا شك جميلة رائعة ، ممتعة ، جدوده كانوا لا يرتاحون الى العيش الا هناك ، الزمن وحده وشيء آخر محزن تسببا له فى هذا الوجود الحزين فى السفح . تضاعف أمله وتصلبت عزيمته ، قرر أن يرتاح قليلا لتعود اليه قواه قبل الاندفاع الى القمة من أجل السمو بالذات والعظمة والمجد . . . حينما أفاق من غفوته أذهلته المفاجأة ، عرف أنه لم يكن بمفرده في الطريق الى المجد ، الى القمة الى الحياة ، تفرس فى الوجوه التى من حوله ، هى من نفس طينته سمرة وصفاء عينين وطيبة ملامح . وقف مذهولا يحدق فيهم والفرحة تغمره تطايرت الكلمات من حوله فارتاح
- جئت لأفجر النور وأحطم الاغلال القديمة - جئت لأشرب الخلود وأسقى المسافات بالدم - جئت لأتنفس الحرية وأزرع الامل وأحافظ على العهد - جئت لازرع ايماني وأثبت وجودى
الموكب الزاحف يتنقل بعظمة والاجسام تتطاول في كبرياء وفخر ويقظة وصمود ٠٠٠
- لا يتعلم أحد المشي حتى يسقط المرة تلو المرة ، الرجوع الى الوراء فقط ممنوع . . اليأس ممنوع .
سيكبر الامل وتنمو الارادة وتشتد العزيمة . . . الالم يدمي أقدامهم والعرق البارد يغطي اجسامهم فى حين كانت الشمس فى طريقها الى المغيب
- فكروا فى أن الراحة لن يكون لها طعم الا بعد التعب
- حتى اذا سقط أحد منا فالمهم أن لا يبقى على الارض ، البقاء على الارض أيضا ممنوع .
- لن يشعر أحد بالتعب حينما يفكر فى غير التعب ان الحق الذى نسترده بالتعب ينسينا كل شئ .
- المهم أن نواصل مسيرتنا المباركة بثبات
فى كل بقعة يمرون بها كان العدد يزداد تضخما ، كل الاعناق ممدودة الى الامام ، وخلف كل منعرج يجدون الجموع فيحدثونهم عن القمة وعن المجد وعن الفداء فيستبشرون . . .
- الذئاب لها غاباتها والوحوش الكاسرة لها أدغالها فما الذى جاء بها الى أرضنا الطاهرة ؟ ! .
- والعناكب لها السقوف المتداعية وجدران بيوتها الهرمة فما الذى تريد من التصاقها بجدران وزوايا بيوتنا النظيفة ؟ ! .
امتدت الايادى لتتشابك في حنان رهيب وتنسحب الاحلام من عالم الخوف الى رحاب الامل المشرق الحبيب
المسيرة شاقة ولكن الجموع الزاحفة كانت بصلابة ارادتها القوية تتغلب على كل المخاوف فلا تعبأ بالاشواك والصخور
- لقد تمكن جدودنا الكرام من التوغل فى الادغال واكتشاف المجهول وعبروا الحواجز زادهم الايمان والثقة وسلاحهم الثبات
- ستكون لنا نفس العزيمة فى رسالتنا الخالدة الانسانية المصيرية والتاريخية . . .
لم تزل الاقدام ضاربة فى الارض فى ثبات وقوة ولم تلبث أن جمدت الابصار خلف احدى المنعرجات فى أرض طاهرة حينما لاحظت الجموع وجود أفعى ممددة فى الطريق .
- انها من النوع الاسطورى الظالم - لن نقدم لها القرابين ، لن نتضرع ، سنقضي عليها . - ان الرجوع الى الوراء ممنوع ، يجب ان نتقدم ٠٠ - طريقة القضاء عليها لن تكون صعبة باذن الله
- أكاد أسمع أصواتا ، انى على يقين من ان وراء وجود هذه الحية تماسيح وأنواعا كثيرة من الحشرات التى تقلق ولكنها لن توقف زحفنا .
- سننتصر عليها هى ومن معها حتى ولو تملصت وتقلصت وحتى ولو بثت السم من حولها لتسميم غيرها من الذين اقتفوا أثرها متجاهلين حقيقتها . . انه الغرور ليس الا . .
- وجود الحشرات الاخرى ليس مشكلا ، الاصل قبل كل شئ - يقال انها لا تسمع ولا ترى ومع هذا فهى مضرة - بل انها تتجاهل السمع والبصر
اني أرى الخوف يغتالها ، انها فى حالة فزع متواصل وستبقى على تلك الحال الى ان تختار اما الانسحاب أو الدمار والموت الشنيع
- لن تصمد طويلا أمام هذا الجمع الزاحف أمام هذه البراكين المتفجرة خيرا ونضالا .
- إنها تعلم أن مكانها ليس هنا ، انما ارادت أن تكون حاجزا في طريقنا الى القمة ونحن عزمنا على ابعاد الحواجز من طريقنا .
اندفعوا نحوها ، كل من جهته وحينما أحست بالخطر بدأت تتململ وتتلوى وترسل أصواتا ممزقة فيها الكثير من الاستعطاف ، انها تطلب النجدة وتبث سمومها حولها حينا ثم هي تتقدم من جهة أو من أخرى لكن وحشيتها لم تسعفها ، كانت تجد من كل جانب جدارا من الاجسام المتراصة والأيادى الصلبة الممدودة بشتى وسائل الدفاع والانتقام . . ظلت فى ذلك الاطار الضيق تشعر بالاختناق مكونة حولها بقعا مشوهة من مادة سامة ذوت تحت تأثيرها بعض النباتات الصغيرة الطرية . . . نزل المطر باردا فى هذه اللحظة
فأصبحت الارض رخوة وأبعدت عنهم قطرات الماء الباردة شبح التعب وازاحت عنهم العرق ثم تكونت غدران صغيرة والأفعى تتململ
- انها الرحمة من السماء ، انها بداية الخير والانتصار ، انها صرخة الامل . .
- انها بدأت تحضر وتغوص فى الاوحال لا يمكن ان نترك لها أى منفذ للفرار . . .
- أصوات الوحوش الضارية من حولنا لا تخيفنا ، انها تريد الدفاع عنها . - كثيرة هي الافاعى التى تريد انقاذها . . . - كثيرة هي ايضا أصوات الرحمة التى تناشدنا الامل لتحيا معنا أفراح الامل وزغردة الامانى . .
فجأة انطلقت صرخة عالية عقبها أنين غامض ثم انتفاضة قوية . . . انحنت الجموع وبحركة واحدة القت بالافعي المحتضرة الى ما بعد الطريق ، الى المستنقعات التى انتشرت على حافتى الطريق . . . فى هذه اللحظة سكنت الاصوات الغريبة التى كانت تتصاعد من هنا وهناك مغلوبة على أمرها . .
أصبحت الطريق خالية الآن فواصلت الجموع زحفها الى القمة بكل ثقة . بدون مركبات .
- أكاد أسمع أصواتا عذبة تنادينا فتضفى على مسيرتنا مسحة من الروعة والاجلال .
- الوجود عندنا كفاح ضد السقوط ، ضد الهزيمة ، ضد البقاء فى سفح الجبل .
- لن نشعر بالخيبة أبدا ما دامت ذخيرتنا الايمان والتضحية والارادة
نزل الليل وأطلت النجوم فى السماء الصافية وتسلل نور القمر الحبيب من خلال الاغصان يملأ النفس ثقة واطمئنانا وانسا .
- غدا نكون فى القمة ، فى بيوتنا الشامخة
- غدا نقترب أكثر من الشمس ، من النور
- غدا وما اقرب الغد نولد من جديد ولكننا نولد ولادة خاصة نرتاح على إثرها من الاتعاب .
- سأبقى ظامئا ولن أشرب الا من عيون القمة الصافية ماء الحياة بكل عز
- سأبقى جائعا ولن أقتات الا من ثمار الاشجار النابتة فوق القمة الحالمة بكل كبرياء .
- حتى ولو كنت متعبا سأمشى وأبقى سائرا ولن ارتاح الا فى الظلال التى تهبها لنا الغصون الحبيبة . . . القمة حبنا ، القمة غايتنا ، القمة للأبطال ونحن أبطال .
وحين عاد السكون عادت الاقدام تضرب الارض بثبات ووضوح وهى فى الطريق الى القمة . . الى التاريخ . . الى المجد .

