الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

في العيادة

Share

قال لصاحبه وعربة " الترام " المكتظة بالركاب تقترب من ميدان الازهار بالقاهرة ، بعد ان قطعت بهم الطريق من من منشية البكرى حيث منزلهما : -

كيف تستطيع ان تعرف الجناح الذي فيه عيادة طبيب العيون . . بين هذه العمارات الشاهقة المتشابهة المتشابكة ؟ . .

وكيف تتبينها فى حين انك لم تزرها غير مرة واحدة ؟ . . فأجابه وهو يبتسم ابتسامة ساذجة : " من سأل ما تاه " . .

وكان بجوارهما في القرية شاب يبدو على ملامحه انه على جانب عظيم من دمائة الخلق ، وكان يصغى الى حديثهما باهتمام زائد ، لان اللغة التى كانا يتحدثان بها هي العربية الا ان اللهجة لم تطرق سمعه قبل الآن ، ولعل هذا سر اهتمامه . . ولذلك كان يحاول جاهدا ان يفهم ما يدور بينهما . .

ولذلك حمد الفرصة التى اتاحت له التعرف بهما ، عندما التفتا اليه معا وسألاه عن عيادة الطبيب . . فأجابهما فى لطف بانه قاصد نفس العيادة واردف بقوله : الا انها ليست فى ميدان الازهار وانما هى فى ميدان التحرير . .

واشتبك ثلاثتهم فى حديث دقائق انتهت بوقوف العربة فى الميدان .. فتقدمهما الشاب الى حيث العمارة .. مشيرا الى اللافتة المعلقة فى مدخل العمارة ، والتى تحمل اسم الطبيب وانه نفس الاسم الا انه ليس طبيب العيون . .

اذن طبيب العيون فى ميدان الازهار حقا ، فما زادا على ان شكرا له اهتمامه وعادا ادراجهما يبحثان عن العيادة والطبيب . . وبعد جهد جهيد استدلا على مكانه وارتفع بهما المصعد الى الطابق الذي فيه العيادة ، فما صدقا ان ارتميا على كرسى متجاورين فى غرفة الانتظار ، وقد ازدحمت بالمراجعين حتى لم يعد يبقى مقعد لقادم بعدهما . .

وكان الاجهاد قد اخذ منهما كل مأخذ فاحسا بالظمأ وحاجتهما الى رشفة من الماء ولهذا تعلقت ابصارهما على الخادم الانيق الهندام وهو يحمل كأسا من الماء لاحد الزائرين الذي سبقهما لطلب الماء . .

وشرب الزائر هنيئا فراح صاحبنا ينادى الخادم طالبا منه كأسا أخرى . فرد الخادم بانحناءة مؤدبة وايماءة تحمل معنى الايجاب . . ورجع فعلا بعد دقائق يحمل الكأس ولكنه قدمها لزائر آخر . . فما كاد يشربها حتى

رفع صاحبنا عقيرته بلهجة فيها بعض العنف طالبا من الخادم كأس ماء . . فما زاد الخادم على ان كرر الانحناءة والابتسامة ورجع بالكأس ملأى لزائر ثالث . . فكان هذا مثار ضحك الجميع واغاظة له . . . ولهذا وثب ليصفع الخادم . .

اما الخادم فقد شارك الجميع الضحك في سذاجة وانحنى فى ادب مغادرا غرفة الانتظار . . وعاد بعد دقائق لا يحمل كأسا ليدعوهما الى مقابلة الطبيب لانه فى انتظارهما !

وتقدم المريض وصاحبنا يقفو خطاه وهو يتميز من الغيظ ويكاد الشرر يتطاير من عينيه . .

وصافح الطبيب المريض وحياه بحرارة دون ان يعير صاحبنا اية التفاتة أو يلقى اليه بالا فارتمي على احد الكراسي وقد زادته هذه المقابلة الفاترة من الطبيب حنقا وغيظا

ولم يفرغ الطبيب من التحدث الى المريض ويبدأ فى معاينته حتى سمع طرق الباب وما ان اذن للطارق بالدخول حتى اقتحمت الغرفة فتاة غيداء قد لعب بعطفها المرح وابتسم الربيع فى وجنتيها ولم الدرفى ثناياها وقفزت قفزات سريعة انتهت بها إلى صدر الطبيب بعد ان بسطت لاستقباله ذراعيها واحتضنته وراحت تقبله قبلات حارة رنانة الصدى . .

اما الطبيب فقد اخذ برأسها بين كفيه وراح يشبع وجنتيها تقبيلا ولثما دقائق تركها بعدها ، وتقدم بها الى حيث استقر بهما الجلوس على كرسيين متقابلين . .

واخذت تخرج وريقات من الحقيبة الصغيرة التى يحملها في يدها حينما راح صوتها النغوم يسكب في اذنيه انغاما ساحرة رقيقة باللغة الافرنسية واستغرقا في الحديث فنسى الطبيب المريض وصاحبه بل نسي المرضى والمراجعين الذين اكتظت بهم غرفة الانتظار فلم يعد يشعر بوجود أحد غير صاحبة هذا الصوت الساحر وهو يسكب في اذنيه انغامه الطرية المهذبة !

لقد اهملهما فلماذا لا يثور ؟ . . ولماذا لا يثار لكرامته وكرامة المريض أو ليس هذا وضعا شاذا وتصرفا غير لائق من الطبيب اوليس من الاليق بطبيب ذائع الصيت والشهرة ان يجعل هذه المقابلة فى غير العيادة .. وفي غير وقت العمل ؟ وما دام - الطبيب نفسه يتصرف مع مراجعيه هذا التصرف فقد وضح سر تصرف الخادم الشاذ فهو اذن قد استمد ذلك التصرف الشاذ من نفس تصرفات الطبيب ..

ولكل هذا لم يفعل اكثر من ان نهض واقفا وبدأ يخاطب الطبيب .. بلهجة حماسية منفعلة . واخذ ينتقد بشدة تصرفه هذا . . اذ كان عليه ان يفرغ من معاينة المريض ثم يفعل مع فتاته ما شاء ويفرغ لها الى ماشاء الله . . وراح يذكر الطبيب باللياقة وما تقضى بها فى مثل هذه الظروف واستدرج به حماسه الى التعريض بموقف الخادم الشاذ وتصرفه الذى كان مقدمة لتصرف الطبيب الشاذ

وكم زاد غيظة عندما قابل الطبيب وفتاته خطابه الحماسى بقهقهات عالية

متواصلة حتى كادا ان يستلقيا من تواصل القهقهات . . فوقف مشدوها ماذا يفعل ؟ وما هو الموجب لكل هذا مع انه ليس فى كلامه ما يضحك . . ولكن الطبيب لم يمهله بل ضغط على زر الجرس فجاءه الخادم نفسه . . فصار الطبيب يصرخ في وجهه قائلا :

- هات كأس ماء مرارا . . ولكن الخادم وقف جامدا مكانه ،

ولم يفهم ما يعنى الطبيب لانه اخرس واما الفتاة فوحيدته . . وقد نجحت بدرجة ممتاز من كلية الآداب . . وتسلمت شهادتها لتوها وجاءت تسلمها لوالدها . .

وهنا ارتمى صاحبنا على كرسيه خجلا وهو يكرر " تعست العجلة " وصدق الله العظيم : " ان بعض الظن اثم ، . .

اشترك في نشرتنا البريدية