سادتى رؤساء واعضاء الوفود العربية
لو كدسنا امامنا كتب التاريخ واستعرضنا حوادث الايام لما وجدنا واحدة منها غير فاعلة او منفعلة يروح الغزو ، فهو الحقيقة التى فشت فى كل كائن حى ، هو منطق سر البقاء دعامتاه اثنتان : الارادة والفعل ، ووراءه تلك الحبزبون الملحاح التى يمكن ان نطلق عليها اسم ؛ الحاجة الحاجة التى حملت الحوت الكبير على ان يلتهم السمك الصغير ، هى بنفسها التى دفعت القبائل الجرمانية على ان تزحف ، وهي مقررة مبدأ الرق عند اليونان والرومان لبست الاسكندر وتشبهت به في كثير من الرجال ، وهى زرادشت ينطح ذا القرنين ، بل هي الدم الفوار في عضلات " سبارتاكوس " فكانت صليلا للسيوف واغنية ترددها الحتوف ، وكانت السلام يرفرف بجناحيه على الناس ، هي سقراط يحرر العقل وهي قيده واساه ، بوحيها حاور افلاطون وفكر ارسطاطاليس ، هي اشعاع اثينا يغمر الابيض المتوسط ، هى غزو ابناء الجزيرة يقوض ايوان كسرى ، هى غزو الفكر الفارسى للعرب اجمعين ، هي حضارتنا فى الاندلس وزوالنا منه .
فلما خلق الجلباب وقدت الثياب . . لبست الحيزبون اللعوب رجال السياسية ووسوست فى صدورهم فكان الغزو الاستعمارى ، وراءه التجار والمعامل وتكاثر الالات والبضائع ، تشفعه البرامج والتصاميم ، فامتدت اصابع الاخطبوط اللعين ، وهجمت الجيوش من كل فج بدعوى التمدين والتعمير فوجدت فينا متسعها الحبوى ، وفتحت في صدورنا وفي رؤوسنا اسواقا نافقة ، ولم تك تلك الحيوش لتكتفي بالسلاح الذى في الايدى بل حملت الينا المشاعر التى فى النفوس والافكار التى فى الرؤوس ، وبعد ان اغتصبت الارض ومن عليها اخذت تغير ما بالقلوب وتمسخ ما بالعقول فكنا الحقل الخصيب تبذر فيه النظريات الغريبة وتورق فيه المذاهب المريبة ، هكذا بعد ان كنا هدفا لنبال التتار والمغول وفريسة لوحشية الفرنسيين والانجليز اصبحنا هدفا لاسلحة أكثر فتكا لا تمزق الاجساد ولكنها تقتل الارواح ، تطوق الانسان العربي كالثعبان وتحاول ان تمتص منه رحيق الحياة وان تنفت فيه زعاف السموم .
" تعددت الاسباب والموت واحد " الاستعمار الغربى الذى حسبنا اننا اطردناه
ما زال يعيشنا ونحياه ، ذهبت اشباحه وبقيت ارواحه ، يجرى مع الدماء فى الشرايين ويسرى كالكهرباء فى الاوصال ، بعينه نرى وبلسانه ننطق يسكننا كالمارد الجبار ويغمر حياتنا ظاهرا وباطنا .
جامعاته فى اوروبا ، معاهده عندنا ، بعثاته الثقافية ، فلسفاته كتبه ومجلاته ، صحفه والاذاعة ، السينما والتلفزة ، مساعداته المشروطة وغير المشروطة ، وسائله الحضارية ، اساليبه فى العيش الخ .
كل هذه الاشياء تملا حياتنا وتتحكم فينا ، من حيث ندرى ولا ندرى ، من حيث نحب ولا نحب ، وهي قيل كل شىء ، فقرنا المدقع وحاجتنا اليه . وهى ايضا حاجته هو فى ان يجعلنا " من جديد " منطقة لنفوذه الفكرى الذى يفضى حتما الى دوام النفوذ الاقتصادى وبالتالى الى النفوذ السياسى المقنع .
فما هو موقفنا من هذا السيل الذى يجرفنا ، وما عسانا نفعل ازاء هذا الزحف الاستعمارى الجديد ؟
هنالك طريقة للخلاص لها نتائجها الحاسمة ، تتمثل فى تمكين الطبقة المفكرة من النفوذ في التدبير والتسيير ، ذلك ان السياسة بغير علم - جهل ، وان العلم بدون سياسة - حرب على الانسان فاذا اجتمعت السياسة مع العلم اصبحا فى حاجة الى الفكر ، ذلك ان الفكر جماع العقل والقلب، به يعقل الشاعر ويشعر العاقل ، فالفكر هو العدل بين الاثنين ، ولا مناص من ان يكون ثاقبا ونبيلا ، الحق بغير قوة ضعيف ، والقوة بدون حق باغيه . فلما عجز الناس في ان يجعلوا من الحق قوة جعلوا من القوة حقا ، ومن الحق ان يتبع الحق ولكن لا مناص لهم من ان يتبعوا القوة ، ومن الخير ان نجمع القوة الى الحق ، جناحين للطائر ، بهذا يصبح الفكر نافذا ويكون النفوذ مفكرا .
وعملنا يتمثل فى جهد موحد هدفه تخليص الاصالة العربية مما هى فيه او مهددة به من اخطار تندس ، كالسرطان فى الاشعاع الثقافى الاجنبى :
غربلة الاطارات الوطنية ، مقاومة المركزية فى الثقافة ، احياء التراث العربى ، بعث الفنون الشعبية وتطويرها ، تشجيع الكتاب وتمكينهم من الحرية والتجربة العملية ، تمجيد القيم العربية وتكريم الملكات والمواهب ، القاء الضوء على اسلافنا من العلماء والفلاسفة ، خدمة اللغة العربية بنشر المصطلحات العلمية والحضارية وبتعريب الحياة فى البيت والمدرسة والشارع ، اعداد الجماهير لفهم القومية العربية على اساس اديولوجية متفتحة لها اسس ثابتة لا تأتى عليها الرياح .
ان الشعوب السوفياتية لا يوحد بينها لا التاريخ ولا الدين ولا اللغة ورغم نرامى اطرافها فهى تغزو الاقمار بفكرها الموحد .
امريكا لا يجمع بين سكانها لا دين ولا لون ، فهى خليط من الشعوب ، ويجمع بينها الفكر .
ونحن العرب يجمع بيننا التاريخ واللغة والدين من اليسير علينا ان سير فى طريق واحدة ومن العسير علينا الا نكون فى مستوى مسؤوليتنا لثقيلة والتى ستحاسبنا عليها الاجيال .
لقد فرقت بيننا غزوات فكرية وعقائدية عديدة حتى اصبحنا نعانى ازمة من الضياع والتشتت ، قلوبنا شتى ، جهودنا سدى كتل من العقد النفسية والفرد العربى فى مهب من الرياح الهوج ، تزدحم فى مخيلته الصور غير المتجانسة مما جعله غريب الاطوار كثير الانتفاضات ، لا يكاد يستقر على حال .
هو هو ، فى المشترق وفى المغرب ، ما زال يتثاءب حياته وياكل ايامه وليالية ، ومن حوله يمشى العالم ويخلق ويبتكر ، يغزو الموت والحياة ويخترق حجب السماوات والارض والمواطن العربى متفرج ، ويقول مع الشاعر التونسى الشعبى :
الدهر ابناسو لهانى كيف انراهم فكرى يسرح
لكن في دورى نسانى وحط الناس الكل علمسرح
خلانى وحدى فى لوج
واحد طالع لإخر هابط وآنا واقف في الدروج
هذا يلعب لاخر يرشم وآنا نشهد عللخروج
نمرح فى روحي على انى ما نحبش نحيا ممروج
نعم ، هو فى " لوج " ينظر الى العالم بدون ان يبذل الجهد ليفهم ولياخذ فكرة صحيحة عن الحضارة المعاصرة ، ذلك ان نظرته مستعارة مجلوبة من الخارج ، مشوهة كما شاءها صانعوها :
أين أنت يا ابن الهيثم ، يا ابن سينا ، يا ابن رشد ، يا ابن خلدون ، يا ابن حزم ، يا ابن هاني ، يا ابا الطيب ، يا ابا العلاء ، يا ابا ذويب ، يا ابا الاسود ؟ !
قوموا انظروا كيف يضيع الاحفاد مجد الاجداد ، تطايرى ايتها المعانى السجينة فى الالفاظ ، واذهبى شعاعا ايتها الحروف ويا سقوف المكتبات انقضى فلن يموت تحتك احد ، اقضمي ايتها الفئران ما بقى من مخطوطات وانظرى ايتها الشعوب الينا نظرة عين الشمس الى نملة تدب على الارض .
معاذ الله ان ارضى عما انا فيه من عذاب الضمير فليغفر لى حبى واخلاصى للمواطن العربى وليسمح لى الا اسمح له فى ان يشارك فى السامفونية الا اذا اعاد الى سمعه ( ميلوديته ) القديمة ، لا حق له فى ان يقف على خشبة المسرح الا بعد ان يشارك فى تاليف الرواية ، فلا نريده سامعا ولا متفرجا ابله، واجهة تعرض فيها بضائع لم تكن له فيها يد لقمة سائغة لكل يد تمتد . حقلا لكل زارع ، سمكة لكل حوته .
نريده انسانا عربيا ، عربيا كريما يشعر بحاجته الى ان يستفيد من العالم اكثر ما يمكن ، يشعر بالحاجة الى درء الاخطار اكثر ما يمكن ، على هذا المبدأ ندخل معركة الحياة المعاصرة ، ان سلاحنا لما يزل حادا وجبارا ، وهو لا يتمثل فى الذرة والصاروخ بقدر ما يتمثل فى القيم التى ورثناها عن اسلافنا ، ان هذه الاقمار الصناعية ذات ضوء اسود باكل الحياة والموت ، هى جهد الانسان قد استنفد اعصابه نسجوها مظلات نزلت به من سماء الى حضيض .
اما سلاحنا ، نحن العرب ، فيتمثل فى قيمنا التى جعلتنا بالامس البعيد على رأس هذا العالم ، وهى اليوم تلح ، من جديد ، على ان نجاهد من اجل بناء انساننا الحديث الشاعر بالمسؤولية ، يخلق من وحي اصالتنا اديولوجية لا تنبع الا من روحنا ولا تصب الا فينا ، بغير انانية ولا عنصرية ، اديولوجية عربية تعرف كيف تأخذ وتعرف كيف تعطى .
ولا يتسنى لنا ذلك الا بعد ان نكدس جميع حصادنا الفكرى للنظر فيه بعيون لا رمد فيها ولا تجعل الحبة قبة ولا الهرة اسدا ، بقلوب سليمة من الهوس ، بعقول لا تتحجر عند حدود الواردات من الخارج ولكنها تعتمد ، ايضا ، ما يصدر من الداخل ، ما يجود به الطبع العربى السليم من اشعاع يفضح الزيف ويبقى على الذهب الابريز .
فبعد ان نغربل ما يرد الى عقولنا من الخارج وما يصدر عن قلوبنا من الداخل يمكن لنا ان نميز القمح من الحسك .
ولن تكون لهذه الخطة فاعليتها الخلاقة الا اذا اشرف عليها نقدة مهرة يعرفون البهرج والمفرغ ويملكون القدرة على التمييز فيثقفون ما بين ايديهم ثقافة القلب والعقل واليد ، وهؤلاء هم ذوو الراى والدراية ممن جمعوا بين التعليم الكامل والتجربة الكبيرة وكانوا من الموهوبين الشاعرين بالحاجة تخزهم فى ضمائرهم ، وقبل كل شىء تكون قوى الحكم فى ايديهم ، ذلك ان هذه الحاجة لها جناحان هما الارادة والفعل ، ارادة فى ان نرجع الى وجه العربى ملامحه الحقيقية ، ارادة فى ان ننقل العربى من سمكة صغيرة الى حوته
كبيرة وكبيرة جدا ، اذ لا حياة ولا بقاء الا للحوتة الكبيرة ، على اننا سوف لن تمثل دور القبائل الجرمانية ولا دور الاسكندر ، اننا نريد ان نريح العالم من حاجتنا اليه . . ثم اننا نطمح في ان نشاركه كفاحه من اجل مقاومة الشر والجهل والمرض هذا العالم الذى ساده شئ يشبه الجنون وسيطرت عليه المصائب تتعاوره كالريح من كل فج ، لقد اعطانا كل شئ في حياتنا من واجبنا ان نقدم اليه شيئا - اشعاعا باشعاع .
عندما تختمر هذه الافكار وتتحول الى شجون في نفوس الادباء العرب ثم ترتفع الى مستوى فكرة شاملة تملا حياتنا ضوء يطارد فلول الظلام المنهزم وبقاياه فى البيوت ، عند ذلك نتقبل الفلسفات الحديثة بنفس الثقة وبنفس الادراك الذين تقبلنا بهما الفلسفات اليونانية ، ونفتح صدورنا لكل فجر يشع من اى مكان ومن اى كان ، ولا خوف على شخصيتنا من الزوال ، و حذر من المسح والذوبان فى الاخرين ولعلنا نجد انفسنا فى حاجة الى ان نغزو
غزونا فى فجر الاسلام وفى عهد المأمون وعلمنا الدنيا فاخرجنا اوروبا من حياة البداءة الى عالم الحضارة والنور ، اعطيناها من بيت الحكمة فى بغداد ومن دار الحكمة بالقيرواوان ما لا يجحده جاحد ولا ينكره منكر وقد كانت اوروبا منا كما كنا نحن من اليونان على نقيض السريانيين او المسيحيين الشرقيين الذين هاعوا وماعوا خوفا على عقائدهم من زحف الثقافة اليونانية ولذلك عمدوا الى تشوية الحضارة الاغريقية ويدلوا فلسفاتها تبديلا فالبسوا افلاطون وارسطو مسوح رجال الكنيسة فلم يقدروا على ان يستفيدوا مر اريحية الفكر الاغريقى وكانوا من الجاهلين ذهبت ريحهم ، الا انهم كانوا لا يعلمون .
وسوف لن نقع فى ما وقعت فيه بعض الشعوب التى لا ماضى لها تلك الشعوب التى لا تملك الا جهاز الالتقاط ، تستجيب لكل وحى ، شان الخاضع للتنويم .
ان ملكة الالتقاط هذه ، طبيعية توجد عند الكثير من الافراد وعند الكثير من الجماعات ، وتقابلها ملكة اخرى هى ملكة الارسال ، والذى ليس له الا الاولى ، يغزى ولا يغزو ، مات فيه القصد وعطل الطلب ، اما الذى حبته الطبيعة الملكة الثانية تكون الحاجة فيه قادرة على تحقيق اغراضها فى الاخرين وهنا يسمو الانسان ويخلق ، يشع فى ما حوله من فضاء ، يسيطر على الطبيعة يصارع حوادث الايام الفاعلة والمنفعلة ، بروح الغزو الذى هو حقيقة الحقائق تفشو فى كل كائن حى .

