الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

في القريه نماذج مهداة إلى العالم الحر

Share

فى ٨ فيفرى ١٩٥٨ حلقت الطائرات الفرنسية فى سماء القرية التونسية " ساقية سيدى يوسف " ثم عادت تاركة فيها من اعمال الوحشية نماذج .

في القرية نماذج لصنع الانسان باخيه الانسان ، فيها امثلة قذة اهتزت لها قلوب الملايين ، وارتعشت من اجلها ضمائر العالم ، فيها اقام سلاح الطيران مأثرة تضاف الى مآثر الجيش الفرنسى التى يأتيها فى سبيل المجد . . ! مأثرة تضاف الى مآثره الخالدة في ندرومة وملوزة بالجزائر . وفي كل ارض صب فيها ناره وحديده على الابرياء الضعاف ، على النساء فى بيوتهن . والاطفال فى مهودهم ، والعجز في مآويهم ، والعزل في غفلاتهم

في هذه القرية نماذج . . لوكالات الانباء ، ومراسلى الصحف ، ومسجلى الافلام ان ينقلوا ما شاءوا من صورها ، وينشروا ما ارادوا من مشاهدها الرائعة وحقائقها المخجلة ، وتدميراتها الفظيعة الرهيبة !

في هذه القرية نماذج لشعبنا التونسى ان يستخلص منها ما تقدم له من عبر وعظات وما تثير فيه من حوافز وهمم وعزمات ، وما تتيحه لهم من فرص التطهير لكل شبر شبر من ارض الوطن ، والاجلاء لكل غادر غادر بأمن الشعب

في هذه القرية الصغيرة نماذج لقادة العالم ان ينظروا ما تجسمه لهم من قضايا جائرة وتلقيه عليهم من مسؤوليات جسام ، لينظروا ما تحملته الانسانية فى حماها المباح ، وسلامها المنتهك ، وضميرها الجريح :

لكل هؤلاء شأنهم مع هذه القرية ، ولكل هؤلاء ان يصطفوا ما تقدمه اليهم من نماذج ؛ اما انا فنموذج واحد منها فقط قد افعم نفسى ، وتملك كيانى . وبرح بمهجتي ، وادمى فؤادي ، واحد منها فقط هو نموذج الطفولة المفترسة

بالمدرسة الشهيدة ، نموذج اولئك الزهور المخضدة بل الاكباد الممزقة ، والامال المحطمة ؛ نموذج اولئك الايفاع الذين خرجوا صباحا وقلوبهم تنبض ، وثغورهم يسمر واصواتهم تنغم ، وقلوب الامهات من حولهم ترفل ، ورجاء الاباء فيهم يتأثل ، فما كان المساء حتى عادوا جثثا هامدة ، واشلاء ممزقة ، وقطعا مجزورة ، وابعاضا ممزقة ، ونجيعا مهرقا . .

نموذج اولئك الاطفال ارتسم فى نفسى ، وضجت به عاطفاتى والتجت له أفكاري فأسبت ، وتساءلت : هل حق ان حقوق الانسان قد اعلنت ؟ هل حق ان للعلم الحر مبادئ وهو حريص على تنفيذها ؟ هل حق ان لاحفاد الثورة الفرنسية دعاة الاخاء والحرية والمساواة صعيدا هم واقفون عليهم ، ووجودا هم يشعرون به . وحدودا هم منتهون اليها ؟

ان كان هذا حقا فلم يحرم الانسان البرئ بل لم يحرم الاطفال البراء من اقدس حقوق الانسان وهو حق الحياة ؟

ان كان هذا حقا فلم تمثل مأساة هذه الطفولة بقطر هوفي نطاق العالم الحر ، وما يفتا رئيس جمهوريته يصدع بانه من حملة مبادئ هذا العالم الحر ، والراغبين فى التعاون مع دوله ، والداعين للتعايش السلمي بين شعوبه ؟

ان كان هذا حقا فلم تجرؤ مجموعة من طائرات المطاردة الفرنسية فتفرغ  نيران رشاشاتها على سكان القرية الوادعة ، ثم تتجه صوب الجزائر لا لتستقر بقواعدها بل لتأتي مآسي اخرى . مآسى الحرب التى ما تزال فرنسا تشنها في سبيل المجد والشرف : مجد الاستعمار المزيف ، والشرف العسكري الملوث

ان كان هذا حقا لم تهاجم القلاع الطائرة الامريكية الصنع ، والحاملة للعلم المثلث على قرية صغيرة سكانها اشد ما يكونون ايمانا بالاخاء والحرية والمساواة ، واشد ما يكونون توقا الى السلام والتعاون مع شعوب الدنيا

نموذج اولئك الاطفال ارتسم فى نفسى ، وضحت به عاطفاتى ، والتجت له افكارى ، فأسيت وتساءلت : اما آن للعالم الحر ان يقضى على الاستعمار لعنة هذا العصر ، اما آن له ان يلقى بهذه المدية النقيعة بالسم والتى ما تزال تطعن ضمائر البشر فتملأها نغلا وقيحا وتضفي عليها جراثيم حقد وحرد وحسد واثرة وبغضا أما آن له ان يلقيها فقد اوشكت ان تعرض العالم كله الى الحرب ، الى تحطيم اثمن تاج تطمح الانسانية ان تتوج به مفرقها ، تاج السلام ظل البشر وملجئه الذى يسعى اليه .

نموذج اولئك الاطفال ارتسم فى نفسى ، وضحت به عاطفاتى ، والتجت له أفكارى ، فآسيت وتساءلت : البست تونس موطن هذه الطفولة المروعة المفترسة قد بلغت جهدها فى دعوة ابناء هذا العالم للتخلص من داء الاستعمار الوبيل ، وازالة ما يعلق باوهام اولئك المصابين به من ان عيشهم سيضيق ورفاهيتهم ستقل وعظمتهم ستضؤل ، وكبرياءهم سيتضع اذا تحررت اقطار شمال افريقيا واصبحت مساوية لهم فى الحرية والعزة والكرامة ، ليست قد بلغت جهدها فى اقناع اولئك المسعورين بداء الاستعمار ان التسليم بحرية الشعوب وتطبيق مبادئ الاخاء والحرية والمساواة انفع فى توسيع العيش ، وانماء الرفاهية ، والمحافظة على المجد ! انفع لتجنب نفقات الحرب ، والسلامة من فظائع الحرب وآلام الحرب وماسى الحرب ومخازيها ،

نموذج اولئك الاطفال ارتسم فى نفسى ، وضحت به عاطفاتى والتجت له أفكارى ، فأسيت وتساءلت : اذا كان فى العالم الحر من لا يريد ان يقتنع ، ادا كان فيه من يصمم على ان يقوض جهارا مبادئ الانسانية ، وينتهك عمدا واصرارا حرماتها ، فماذا على بقية دول العالم ان تتخذه نحوه ؟ ماذا على المحافل الدولية ان تفعله لتردده الى الصواب ، وتقى العالم من شر مغامراته التى لا تنعكس تأثيراتها عليه وحده ؟

نموذج اولئك الاطفال ارتسم فى نفسى ، وضحت به عاطفاتى والتجت له افكارى ، فأسبت ، وتساءلت وتساءلت . وفى النهاية قدمت نماذج القرية هدية الى العالم الحر عسى ان تكون ضحاياها الشهيدة واطفالها المقتلة واكبادها الممزقه ونجيعها المراق سببا من اسباب السلام ونشر المحبة والسلام .

اشترك في نشرتنا البريدية