الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

في القطار القديم

Share

كادت رجلاى تتحطمان ، وركبتاى لا تقدران على حملى من كثرة الدوران . ثقل عليهما جسمى رغم خفة جسمى فصرت أحملهما بل أجرهما جرا ثقيلا متباطئا . . استبعدت المسافة التى لا تزال تفصلني عن محطة القطار . وصرت أنتظر اللحظة التى أصل فيها الى محطة القطار " المشؤوم فليكن مشؤوما هذا القطار ؛ لم يعد يهمنى من شؤمه شىء ؛ فقد تساوت الامور فى نظرى بعد ان لم أجدها . .

م أجد من كادت رجلاى تتحطمان من أجلها .

تشتت ما كنت جمعته أمس من بقايا الامل الشاحب ، بعد أن جبت كل شوارع المدينة المكتظة بالخلائق ، ودخلت مرات الى " المونوبرى لانني أعرف انها تقصده كثيرا لتشترى " بنوارا " او " بنتلونا " او " مريولا " . .

ولكننى لم أجدها . . كأنما الارض ابتلعتها أو كأنما هى تبتلع الارض في سيرها لانها تؤمن بعصر السرعة وتوقن بضرورة مواكبة الحضارة . .

- خاب ظنى وباءت محاولتى بالفشل . . اذ انها لم تجب شوارع المدينة ولم تدخل " المونوبرى " هذه المرة ، وربما لم تعد فى حاجة اليه وقد تكدست فى خزانتها الملابس الثمينة . .

بااءت محاولتى بالفشل ، فرجعت الى محطة القطار اللعين بيد فارغة وأخرى لا شىء فيها . . كما رجع الاعرابى فيما مضى بخفى حنين بعد ان أتلف بعير وما تبعه . . أتلف الاعرابى بعيره وعاد بخفين وأتلفتها ولم أعد بشىء . اتلفتها فى الواقع وأتلفتها فى الخيال . . صار من المستحيل على ادراك خيالها أو تمثل وجهها الصغير بملامحه الظاهرة وملامحه الدقيقة التى تكاد تخفى على الناظرين . . صرت لا استطيع تمثل وجهها الصغير الغريب حسنه و استطيع تبين مواطن الجمال فيه . . كل ما أذكره هو أنها جميلة . . وانها لا. تولى شعرها الناعم الطويل ما يستحقه من العناية . . ولكنها تجعل بعضه

مشدودا وترسل أكثره على كتفيها وظهرها . . بل انها تهمله جميعه فى الغالب ، فكانت الروعة تنبثق من ذلك الاهمال المطلق .

ولكن اين انا من هذا الاهمال المطلق او من تلك الروعة . . بل ها انا أجدني في القطار " المشؤوم " قطار حمام الانف ، مسمرا فى مقعد تمزق بعض غلافه الاحمر وظهر حشوه الرمادى الوسخ . .

كنت مضطرا الى الجلوس رغم ما أصابني من التقزز والاشمئزاز لاننى كنت متعبا مكدودا لا أتحمل الوقوف أكثر مما تحملت . . ولم يكن بامكانى اختيار مقعد آخر لان القطار كان مكتظا بالخلائق حتى الشيوخ الذين عاشوا زمن الاحتلال ومرت على رؤوسهم أهوال الحربين

وهذا أحدهم قد جلس قبالتى ووضع على عينيه نظاراته الخشبية ليقرأ صحيفة " لوموند " الفرنسية . . لقد كان حسب ما بدا لى يفهم ما يقرأ ، لان تجاعيد وجهه الهرم كانت تتفاعل مع النص تفاعلا كليا . . وكانت عيناه الغائرتان الضيقتان تلتهمان الحروف والكلمات والاسطر التهاما عجيبا . . وشفتاه تعملان فى حركة دائبة دون ان تنطقا بشىء يسمع . . فعجيب أمر هذه الحركة الدائبة وفمه لم يبق فيه من الاسنان سوى بعض أعجازها النخرة .

وعجيب أمر هذا الشيخ الهرم ، فرغم أنه - على ما يبدو من مواليد أواخر القرن التاسع عشر ، يكاد يلتهم الصحيفة الفرنسية . . فعهدى بالشيوخ الذين هم فى سنه - ان صادف أن لمسوا بأيديهم صحيفة - لا يقرؤون من الصحف الا ما كتب بلغة الضاد . . ومن أين لهم أن يفهموا غير لغة الضاد و تتوفر لهم فى عهدهم من دور العلم سوى " الكتاب " والمدارس القرآنية و " الزيتونة " على أقصى تقدير ٠٠

ولكننى أدركت أن هذا الشيخ يعتبر مخضرما . . اذ انه قد عاش الجيلين المختلفين كليهما : الجيل المحافظ والجيل المتحضر . . فلا بد أنه قد تثقف بثقافة الغرب بطريقة او بأخرى . . ولا بد أنه يعرف عن تاريخ هذا القطار الذي نركبه معا - الشىء الكثير . . ولا بد أنه والقطار ينتميان الى جيل واحد والى طبقة واحدة . .

لقد فكرت في شأن الشيخ الهرم . . وفكرت في شأن القطار القديم الذي يزحف على السكة متعبا . . فعجبت من الدهر كيف أضناهما وأفناهما ولكنه لم يذهب بهما تماما بل أبقى عليهما ليعيشهما أبناء الجيل الجديد

ثم رجعت أفكر في شأن الفتاة التى فقدتها . . فشعرت بأن فكرى يضطرب . . يعمل عملا جنونيا . . يتحول بين أمور لا يربط بينها رابط . . يجول بين خواطر متباينة متباعدة لا استطيع أن أجد بينها علاقة ما . .

شعرت بأنني أفكر كثيرا فى شأن الفتاة اللطيفة الوجه الجميلة الانيقة ، وبأنتى أوليها من الاهمية الشىء الكثير بل ربما الشىء الذي يفوق ما تستحق . .

هى لطيفة الوجه . . جميلة . . أنيقة . . ذات شعر حريرى مرسل على كتفيها . . هذا صحيح . . ولكن ماذا بعد ؟

ورأيت أمامي الشيخ - وأنا مستمر فى مقعدى المتواضع بعد جولة الخيبة والانكسار فى شوارع المدينة - رأيته أمامى وهو يكاد يلتهم الصحيفة بعينية وفمه وملامح وجهه . . فتحول فكرى اليه وصارت عيناى مسمرتين فى وجهه المتجعد وانشغلت به عن كل ما سواه . . حتى عن صاحبة الشعر الناعم المهمل . .

لم أعد أفكر الا فى هذا الشيخ الذى أضناه الدهر وافناه فكان يستنرف حشاشة طاقاته الذهنية والجسمية لمغالبة الدهر . . لتجاوز حدود الزمن

كنت أسائل نفسي : لماذا يقرأ الصحيفة هذا الشيخ ؟ لماذا يرهق عينيه الفاترتين اللتين يكاد يذهب تماما ما بقى بهما من طفيف البصر ؟ لماذا يقبل على الصحيفة بهذا الاهتمام العجيب وقد اشرف على شفا حفرة الفناء ؟ ما هى غايته ؟ الى أين يذهب ؟

قلت لنفسي : لا غرابة ! ذلك هو الانسان . . يستفزه الامل فى الحياة فيحاول ان يغتنم كل فرصة من عمره للعمل الدائب . . لا يريد ان يترك لحظة واحدة من حياته تذهب سدى ولو كان على شفا حفرة الموت .

ولكن ما كدت أتحول بفكرى بين مختلف هذه الخواطر حتى سمعت " بائع القلوب " يترنم بنغمته المعهودة التى لا تفارق ولا يفارق صاحبها " قطار حمام الانف " : " قليبات . . كويس . . قليبات . . قليبات . . " .

هذه هي النغمة المعهودة التى لا تفارق لسانه ما دام فى القطار بل ما دام فى المحطة . . ولا تدعه ولا يدعها الا ساعة يذهب الى " الحماص " ليملأ سلته الرمادية البالية بالقلوب ثانية ، ثم يعود الى المحطة ويصعد القطار والسله ملآنة " بالقلوب السخان " . . وقد تعبت بطنها من الحمل وملت اذناها من الحط والرفع وكلت . . ولكن النغمة لن تمل . . بل ينبغي ان تكون جهورية نشيطة لان ساعة الغنم قد قربت " فليبات . . كويس . . فليبات . . فليبات . . "

تلك هى النغمة التى يرددها " بائع القلوب " فى القطار والتي يؤديها بفنيات عجيبة يعجز السامع عن محاكاتها . . هي أعز ما يملك " بائع القلوب " فى حياته اذا أضفت اليها تلك القفة الرمادية المتخاذلة . .

هى أعز ما يملك لانها أساس مهنته . . هي بمثابة الخطبة لدى رجال السياسة . . بها يروج بضاعته . .

ولولاها لما فرغت القفة من " الفليبات " . . ولما صارت أفواه الركاب فى حركة آلية دائبة . . ولما انتثر " قشور القلوب " على أرضية القطار بكيفية مهولة . . ولما ضمن كناس القطار خبزته وخبزة صغاره . .

لولا هذه النغمة الروتينية لما امتلأ جيب " بائع القلوب " بالدريهمات البيضاء والصفراء . . ولما قال له بعض الشبان من الركاب هازئا عابثا : " عند كشى صرف دورو . " . . لولا النغمة والقفة وما تحمله فى بطنها الواسعة العريضة لما استطاع " بائع القلوب " ان يضمن عيشه وعيش من هم يرقبته من الاطفال الذين لست أدرى كم عسى ان يكون عددهم .

هكذا كنت أفكر . . فكانت مشكلتى تقلقني دائما . . تضخم رأسى . . لا تقلع . . لا تنتهى . . ما دمت الاحظ كل الاشياء من حولي ٠٠ مشكلتى لا تضمحل ما دام كل شئ يلفت انتباهى لا بد ان اعمل فيه خاطرى .

مشكلتى تحيرنى ما دمت أفكر فى امر الفتاة التى لاتنفك يدها تعمل فى شعرها الحريرى المهمل على خديها وكتفيها وظهرها . . وما دمت أفكر في فستانها الاحمر الثمين الذي تتجول به فى شوارع المدينة وفي " المونوبرى .

ثم تعود بعد انتهاء جولتها الى محطة القطار لتركب فى العربة الاولى لانها تقتني دوما تذكرة من الصنف الاول . .

أما أنا فأقتني دوما تذكرة من الصنف الثاني . . فأجدنى بعدئذ مسمرا فى مقعد غالبا ما يكون غلافه ممزقا فيظهر من خلاله حشوه الرمادى الوسخ .

تذكرت أن صاحبة الفستان الاحمر كانت لا تركب الا فى العربة الاولى من القطار حيث يركب وجهاء القوم . . وعرفت اننى لا أركب الا فى عربة على غاية من البساطة حيث سواد الشعب : حيث يتسابق بائع القلوب وبائع " الكلوروفيل " ، وحيث المساكين على اختلاف صورهم يتسابقون الى الركاب الجالسين ويمدون أيديهم بوجوه شاحبة منكسرة ويطلبونا بيضاء وصفراء ، ليسدوا بها رمق الجوع ويدفعوا بها غائلة الامحال والفناء :

شيخ ضرير يقوده ابنه وعكازته . . ورجل آخر مسن فقد احدى رجليه - من يدرى ربما فى أيام الحرب - فصار يستعمل عكازتيه ويتحول بهما من عربة الى اخرى مستجديا ، فيكون لهما وقع شديد يوحى بصراع الانسان مع الحياة .

كنت أتمنى حينئذ لو لم أفقد صاحبة الشعر الناعم والفستان الاحمر وكنت أرجو لو كانت جالسة مثلى على مقعد من هذه المقاعد الممزق أكثرها فى هذه العربية المزمنة لتشاهد عن كثب مسرحية الحياة . . لتتعمق فى أسرار الحياة . لتدرك كنة الحياة . .

كنت وأنا مسمر فى مقعدى البالى فى قطار حمام الانف القديم أفكر فى كل شئ حولى . . وأستحضر صورة الفتاة بشعرها الناعم وفستانها الاحمر الرفيع وحذائها الاسود الطويل الذى يكاد يصل الى ركبتيها علوا .

كنت استحضر صورتها بمجملها وأقارنها بكل شئ من حولى . . واقارنها بنفسى وانا جالس على المقعد المتمزق غلافه الاحمر . . فأرى بين ذلك كله بونا شاسعا . . بل هوة سحيقة . .

كنت أفكر في ذلك كله فكانت مشكلتى تزيدنى حيرة بعد حيرة . . وكانت تضخم رأسى . . وتعشش فى رأسى . . فلا تقلع أبدا . .

اشترك في نشرتنا البريدية