إذا قسنا مبلغ انتشار اللغة العربية الكريمة بتغلغلها فى اعماق مختلف لغات العالم قديما وحديثا - نعرف حينذاك مبلغ عظمة هذه اللغة المجيدة، ونتوصل بذلك الى تقدير المدنية الاسلامية التى نشرت عبير هذه اللغة الفواحة فى ارجاء العالم، فهناك حتى الآن عشرات من الكلمات بل مئات، اضطر كثير من امم العالم حتى فى أوربا الى استعارتها وادماجها فى لغاتهم الدارجة والعلمية تكملة لنقصها بهذه الكلمات الراقية، وتلقيحا للغاتهم بهذه المادة القيمة، ومن غريب امر بعض هذه الالفاظ السيارة انها انتقلت اولا من العالم العربي في حلل عربية زاهية ثم عادت أخيرا الى هذا العالم العربي فاستعملها ابناؤه على ما اعتراها من تشويه قابل جدا للاصلاح باعادة استعمال اصلها الاصيل، وحقيقتها السامية، وهذا ما دعانا الى ذكر بعض هذه الكلمات وتحليل أصولها وكيفية عودتها الينا اخيرا توخبا للاصلاح المنشود. ونشرا لبعض مفاخر هذه اللغة الجليلة التى اضطر خصومها الى تقديرها بعد لأي وجهاد دام عدة قرون . فمن ذلك كلمة :
١ - شيك بكسر الشين
فانها فى الاصل (شيق) بفتح الشين وتشديد الباء وكسرها، بمعنى جميل واخذها الفرنسيون فحرفرها الى (شيك) وابقوها على معناها العربي الذي هو (جميل) وعاشت عصورا لديهم بهذا الوضع وبهذا المعنى، ثم عادت الينا أخيرا
على السنتهم حاملة طابع اللغة الفرنسية فاستعملناها بالصيغة الجديدة دون مراعاة لأصلها العربي الجميل . ومن عجب أن ترى بعض الصحف المصرية الراقية اليوم تستعمل هذه الصيغة فى قولها (هذا اشيك من ذلك) بالكاف ، مهملة الاصل الفصيح ومتمسكة بالفرع المشوه ...
ومن تلك الكلمات أيضا:
٢ - مغازة
فان أصلها العربي (مخازن) واستعملها الفرنسيون والانكليز بلفظ (مكازن) بالجيم الفارسية، ووضعوها لمعنى الحانوت الذي به التحف النادرة ثم نقلها الامريكيون الى معني مجازي حديث فاستعملوها فى معني (مجلة أدبية) تشبيها لها بالحانوي الحاوي للتحف الطريفة اذا فيها من كل بستان زهرة ، واخيرا أخذها الاتراك وحذفوا نونها الاخيرة ، وقلبوا جيمها غينا على حسب ما ادت اليه لهجتهم واستعملوها بصيغه (مغازة) للدكان التى تباع بها الطرف والتحف وبالتدريج وبحكم اختلاط الاتراك باهل هذه البلاد سابقا عادت (منازة) التركية الصيغة، العربية الاصل الى مسقط رأسها بعد ما لاقت من التشويهات والتغييرات ما أقض مضجعها . وكثير من علماء العرب انفسهم لا يعلمون تاريخ هذه الصيغة.
ومن تلك الكلمات أيضًا :
٣ - بكالوريا
فقد ثبت اخيرا ان اصلها الاصيل عربي وهو (بحق الرواية) ونقلها احد الاسبان فى حروبهم مع العرب المسلمين فى المعنى الذى تستعمل فيه الآن ، محرفا اياها عن الأصل العربي وقد عمت هذه الصيغة فى أوربا وبعد سياحتها الطويلة
عادت ثانية إلى بلاد العرب (١) وعلى جبينها ندوب التحريف المشار اليها، وكثير من المثقفين العرب لا يعرفون تاريخ هذه الكلمة.
ومن الكلمات السيارة أيضا :
٤ - ترسانه
فقد حققت البحوث العلمية الممحصة ان اصلها عربي وهو (دار الصناعة) فنقلها الاتراك الى لغتهم واعملوا فيها الحذف والبتر والابدال فظهرت بعد كل ذلك فى هذا القالب المهلهل : (ترسانة) ونقلها الافرنج عن الاتراك بهذه الصيغة واستعملوها فى (دار صناعة السفن) ثم عادت اخيرا الى بيت ابيها مقنعة ببراقع التبديل المذكورة.
وتوجد غير هذه وتلك كلمات كثيرة سيارة اصلها عربي وقد ضاعت معالمها بسبب كثرة تنقلها على السنة الأجانب حتى فقدت ميزة شكلها الاصلى، وبالبحث الدقيق عنها وبالتحقيق العويص عن تطورها يتوصل الباحثون الى استخراج حقائقها المطمورة، واستكشاف تاريخها العربي المدفون.
فمن باحث ضليع يقوم بهذه المهمة الجليلة فيفيد لغتنا العربية بهاءا ويضفي عليها برودا موشاة بالفخر والجلال ؟ !

