قرات فى مجلتكم الزاهرة فى عددها الاخير ( 1 ) مقالة السيد توفيق بن عياد " حول الاحرفية " فى باب " مطالعات " ، والاحرفية او القواعد الجديدة فى العربية من تأليف يوسف السودا ومن منشورات دار ريحاني للطباعة والنشر ( بيروت 1959 ) . والكتاب كما اشار كاتب المقال نهج فى تيسير قواعد اللغة العربية ، وقد وقف كاتب المقال وقفات مناسبة على اجزاء الكتاب فحمد للمؤلف امورا ورد على اخرى .
واللغة مشكلة من المشكلات القائمة ، وتيسير هذه المشكلة ضرورة تستدعيها ظروف الامة العربية التى تتطلع الى حياة كريمة جديدة ، والتي تريد ان تاخذ باسباب الحضارة الحديثة ، كما تريد ان تملأ الهوة السحيقة بين هذا الحاضر و ما فيه من مشكلات وصعوبات ، وبين ماض عريق مندثر فيه تراث وامجاد .
وتبرز مشكلة اللغة الفصيحة بصورة واضحة فى انها لم تعد لغة يتكلم بها مختلف الناس في اقطار العربية ، وذلك ان الناس فى محادثاتهم وفي شؤونهم العامة يستعملون لغة عامية درجوا عليها وجرت بها السنتهم ، وهي تختلف عن الفصيحة اختلافا كبيرا . وقد تخففت هذه اللغة من القيود والضوابط التي تدخل في ناحية اللغة المعربة ، ثم انها محشوة بالفاظ غير عربية فهي دخيلة اجنبية ، ومن هنا كانت العربية المستعملة في الحياة اليومية هي غير العربية المكتوبة الفصيحة ، ومن ثم ندخل في باب اللهجات الدارجة فتعظم المشكل وتخطر ، ذلك ان لكل قطر من اقطار العربية لهجة خاصة به وربما تعددت اللهجات فى القطر الواحد ، ودونك الحال فى العراق ، فالساكن في القسم الشمالى من العراق يكاد لا يفهم شيئا اذا خاطب قرويا من القسم الجنوبي ولعل هذا الشىء حادث فى كل قطر عربي في ايامنا هذه ، وربما نستطيع ان نقول : ان المواطن البدوية او القروية في اى من اقطار العربية تختلف في لهجاتها وفي طرق تعبيرها عن المواطن الحضرية . والاختلاف يتناول امورا عدة ومنها طريقة النطق ومجىء المخارج ذلك ان اهل العربية لم يعودوا متساون فى اخراج الاصوات . ولعل عبارة " العرب الناطقون بالضاد " تحتاج الى شىء كثير من الروية والتبصر ، فالنطق بصوت الضاد كان ميزة تميز بها العرب دون سواهم ، بيد ان النطق بالضاد في ايامنا هذه مضطرب لا يتبع طريقة واحدة ، وذلك لان لكل اقليم من اقاليم العربية طريقته في اخراج هذه الصوت . واذا وازنا بين مخرج هذه الصوت وبين ما ينبغي ان يكون عليه لتبينا ان الفرق
بعيد بين الطريقتين ، فمخرجه الان ليس كما نص عليه الخليل بن احمد الفراهيدى وهو من اوائل الذين بحثوا فى اصوات العربية ومخارج الحروف واحيازها ولا نظن ان قطرا من اقطار العربية يقارب ما نص عليه العلماء المتقدمون .
ومشكلات العربية كثيرة والناشىء من ابناء العربية مضطر ان يتعلم هذه اللغة بالتلقين والدرس ، وان يباشرها كما يباشر اية لغة اجنبية ، فهو ملزم ان يعيد بناء مخارج الصوت واتقان السيطرة عليها اذا جاءت مفردة او مجتمعة ,
ليكون له نظام صوتى سليم ( Systeme phonetique ) وهو ملزم ايضا ان يتعلم قواعدها صرفا ونحوا ليستكمل الادوات حتى يدخل مداخل اكثر صعوبة وتعقيدا فى دراسة العربية .
ولعل مما ذكرنا تتضح مسألة تيسير تعلم العربية وتعليمها ، وقد احس المسؤولون عن هذا الواجب الخطير بالمشكلة ، وتقدم للامر الافراد والجماعات والحكومات ونشطت المجامع اللغوية في البلدان العربية ، وربما كانت جهود الافاضل من المستشرقين معينة ومفيدة فى هذا الموضوع .
واهتمام صاحب " الاحرفية " داخل فى هذا الباب ، وهو فى مكانه ايضا ، ولكنى اريد ان اقول : ان من يتصدى لهذه المشكلة الخطيرة يلزمه ان يستكمل ادواته وآلاته وان يكون متوفرا على مادة البحث في جميع عناصرها واشكالها فالالمام باللغات الاجنبية الحديثة ولاسيما الغربية منها ضرورى مهم ، وتتضح هذه الضرورة فى اننا - معاشر القائلين بالتيسير - مفتقرون الى تجارب الغربيين فى هذا الميدان ، وقد قطع هؤلاء مراحل طويلة فى تفهم المشكلة اللغوية التاريخية فيما اسموه ب ( Linguisique Historique ) وما اظن ان الاقتصار على الالمام باللغات الحديثة ييسر السبيل فى هذا الموضوع ، ذلك ان التوفر على دراسة المسألة في ظروفها التاريخية القديمة ومعرفة جهود المتقدمين من النحويين الاوائل فى هذا الباب ، كل ذلك ضرورى ايضا لا غنى عنه فى دراسة المشكلة فى ظروفها الراهنة .
يدعو السودا الى العناية بالمعنى وضبط التعريف وتجنب الخوض فى فلسفة اللغة .
(1) المعنى دون الشكل يستشهد السودا فى هذا الباب بالفاعل ونائب الفاعل . أكل الذئب الخروف . أُكل الخروف .
ويستنكر صاحب " الاحرفية تسمية التركيب الثاني بنائب الفاعل ، وهو على حق في استنكاره لهذه التسمية ، ولكنه لو رجع الى المطولات من كتب النحو الاولى لتبين ان النحويين القدامى قد فطنوا الى العيب فى هذا المصطلح الذي لا يعبر عن ظاهرة تركيب ، والى هذا ذهب من سمى هذا التركيب اللغوى النحوى ( باب المفعول الذى لم يسم فاعله ) .
واريد ان اعقب على قوله - فى تجنب الخوض فى فلسفة اللغة ، فاقول - ينبغى ان نفهم فلسفة اللغة ، ذلك ان لكل لغة فلسفة وان العقلية اللغوية لابد ان يكون وراءها عقل فلسفى ناقد مفكر ، وان واضع اللغة او المتكلم فى اللغة والمستعمل لها ينهج نهجا فلسفيا اراد ام لم يرد وان لم يكن شاعرا بهذا النهج الفلسفي . ولكننا ينبغي ان نفرق بين فلسفة اللغة وبين التيار الفلسفى الذي اجتاح علوم العربية ، فقد استهوت الفلسفة المفكرين العرب ودرسوها , واستعانوا بها على فهم ما عندهم من الوان المعرفة وتأثروا بها وظهرت هذه الاثار فى علوم شتى من علومهم ، ومن ذلك علوم العربية ، وقد بدأ هذا التأثر فى العصور الاسلامية الاولى .
وقد افادت الثقافة العربية من فلسفة الاغريق كثيرا وربما كانت هذه سببا فى توسع القوم فى البحث ومعينا على الابداع وطلبا فى الاصالة . وقد اعتمد العرب على هذا الدخيل الاجنبى فى دفع ثقافتهم خطوات الى الامام ، وعمدوا الى نوع مما نسميه الآن بالتركيب (Synthese) على ان هذا التاثر بالعامل
الفلسفى لم يكن ذا اثر مفيد فى جميع شعب المعرفة ، فقد كان تأثيره سلبيا فى علوم العربية ، وهكذا اساء في علوم العربية وكان تأثيره مضرا .
ولعل من خير ما تستدل به على هذا التاثير السلبى الذى اضر بالعربية وبطريقة تعلمها ، وصارت قواعد العربية بسببه مادة فكرية فيها شئ كثير من العقم والجفاف ، مسألة نظرية العامل . ونظرية العامل تواجهنا فى كل موضوع من موضوعات النحو ، فاذا كان الفاعل مرفوعا عند النحوى ، فلا بد له من البحث فى سبب الرفع ، واذا كان المفعول منصوبا ، فلا بد من عامل فى سبب النصب ، وقل مثل هذا في سائر ضروب النحو . وقد سببت هذه النظرية اختلاطا واضطرابا فى نحو العربية ، فاذا قالوا : ( حضر محمد ) اعربوا التركيب على الصورة التى نعرفها ، ولكنهم اذا قالوا : ( محمد حضر ) اعربوا ( محمد ) مبتدأ وذلك لان " العامل " فى الرفع هو الابتداء والابتداء علة من العلل النحوية وهي تلزم رفع المبتدأ ، ومن اجل ذلك قالوا في ( حضر ) انها جملة من فعل وفاعله ضمير مستتر . والناظر فى التركيبين يهتدى الى انهما شىء واحد ، والمعنى واحد فى الجملتين .
وكان يلزم الاستاذ السودا ان ينظر فى كتب النحو المطولة القديمة قبل ان يتوجه بالنقد ليعرف ان الذى اهتدى اليه ، كان نحاة الكوفة قد قالوا به ، ولكنا ما زلنا متمسكين باقوال النحويين البصريين . فعند نحاة الكوفة ان ( محمد حضر ) و ( حضر محمد ) تركيبان متساويان وان كلا منهما . جملة فعلية والفرق بينهما هو تقديم الفعل وتاخيره والتقديم والتاخير سببه معنوى بلاغى لا علاقة له بالتركيب النحوى .
وانهم نظروا الى المسألة نظرة خاصة وذلك ان الفاعل وهو ( محمد ) ( مسند اليه ) والفعل ( حضر ) ( مسند ) والكلمة كيفما كانت لا بد وان تكون مؤلفة من طرفى الاسناد وهو مسند ومسند اليه .
ولعل فى هذه المسيميات الاصطلاحية تأثرا بالمحمول والموضوع الذى ذكره الاغريق فى كتبهم .
اما استحداث المصطلحات الجديدة في كتاب " الاحرفية " فانا اتفق مع كاتب المقال الاستاذ توفيق بن عياد فى انها تحدث ارتباكا وانها اطول من المسميات التى قاومها . وقد اتجه الراى فى المشرق من ديار العربية الى تعديل المصطلحات فقد اخذوا فى مصر وفى غير مصر بمسألة المسند والمسند اليه وهو من اصطلاحات المتقدمين والتى جاءت في كتاب سيبويه (1) . وقد اخذوا اصطلاحا جديدا اسموه بالتكملة وهو ترجمة للكلمة الفرنسية (Complement) ولكنهم فرقوا فى هذه التكملات فقالوا تكملة بالمفعول به ، وتكملة بالزمان , وتكملة بالمكان ، وتكملة بالحال ، والى آخر ذلك مما هو داخل في هذا الباب .
وقد اصطلح الاقدمون على هذه المسائل بالقيد او الفضلة ، ومعنى ذلك ان ما خلا طرفى الاسناد هو من هذا الباب .
وانا انهى هذه الكلمة القصيرة بقول السودا نفسه ( ان الاحرفية محاولة قد ترضى وقد تسئ وقد تفسح مجال النقد والاعتراض لكل معترض وناقد ) . والحقيقة ان عملا كهذا يتطلب جهودا متضافرة لجماعات كثيرة ، ذلك ان المشكلة لم تخص قطرا واحدا من اقطار العربية ، بل هى مشكلة يعانيها كل من نطق العربية واستعملها اداة حضارية في ايامنا هذه .

