الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

في الميزان, التاريخ فى سير أعلامه, السيد احمد الفيض آبادي، في مباذله

Share

١

رزء عظيم لا يقاس بغيره   موت الزعيم على احتياج بلاد

يمتاز فن كتابة السير الحديث عن زميله القديم بانه استعراض جميل ودقيق لحياة الراحلين الذين يعنى الكاتبون بتدوين سيرهم وتخليد حيواتهم : على شريط من الخبرة الواسعة المستمدة من المراس الطويل ، والوثائق المثبتة ، شخصية ورسمية .

وانا مزمع فى هذه الفصول المتسلسلة ان اجلو سيرة ذياك البطل الصامت ، العالم العامل استاذنا السيد احمد الفيض آبادى غشاه الله بظلال نعيمه - على اسلوب فن كتابة السير الحديث متوخيا الحقيقة ، ملما بحياة الفقيد العزيز الماما كليا وجزئيا ، ولعل هذه أول مرة بجلى فيها سيرة مترجم بفتح الجيم على هذا النمط الطريف الجديد

وانا مزمع فوق ذلك - ان ساعدت المقادير - أن اضم هذه الفصول بعضها إلى بعض واهذبها وأخرجها للناس في سفر خاص ، ليكون ) اولا ( جامعا لشتات سيرة هذا الرجل الناهض ، وليكون ) ثانيا ( مدرجا لمن تحدثهم نفوسهم من شباب البلاد بالنهوض بهذا الوطن ، من طريق التضحية ونكران الذات ذلك الطريق القيم المعبد الذي اختطه لهم الراحل الفقيد ، فالفقيد كذلك كان ، بهذه التضحية فاز ، وبهذه البطولة امتلؤ ، وعندي بحمد الله تعالى وحسن توفيقه من وسائل كتابة سيرته ما يذلل لى كثيرا من العقبات الفنية ، كما ان عندي من وسائط تسجيل أعماله ما يسعفني بانارة الطريق أمامي ، فقد قالوا إن المترجم المخلص المطلع خير من يجلو حقائق المترجمين ) بفتح الجيم ( . وطالما لازمت الفقيد ملازمة الظل منذ سنة ١٣٤٢ ه إلى يوم انتقاله ، وطالما استنبأته عن مراحل حياة وخفايا اعماله وطوايا آماله وآلامه ، وطالما انبأني بكل ذلك عن رضا منه وثقة واطمئنان . وطالما تأملت فى زوايا حياته الحافلة بروائع العمل والثبات ونكران الذات ، والتي تبدو للبسطاء وقصار النظر ساذجة ، وتتجلى للباحثين المنقبين مفعمة بمعاني البطولة والرجولة ، وكلما تأملت في هذا وذاك ، وقارنت بين المظاهر والمخابر ، تضخمت امامي أسفار سيرة ) السيد احمد الفيض آبادي ( وأكبرت جهاده وجهوده ، وهكذا كنت اكتشف منابع عظمته من مزايا بساطته ، وأدرك كنوز بطولته من ثنايا سذاجته . وأخيرا توصلت إلى فهم : كيف يتم للمسلم العالم فى مباذله أن يقود بعزمه شم الجبال ، وأن يستنزل بحزمه عصم الآمال . وهكذا تمثلت لى سيرة هذا الراحل العامل فى مظهر يماثل سيرة زميله فى صدر الاسلام ) اسد بن الفرات ( رحمه الله فقد كان عالما يقضي بين الناس فى القيروان ويسير بينهم فى مباذله ورعا تقيا زاهدا ، واذا بالحمية الاسلامية تنتدبه لجلائل الاعمال فيشمر عن ساعد الجد ويقود جند الاسلام إلى فتح ) صقلية ( فى بلاد الفرنجة واذا به يتوج باكليل الظفر والانتصار ، واذا هو يعد طليعة المجاهدين الفاتحين ، والابطال العالمين . وكذلك كان

) السيد احمد الفيض ابادي ( رحمه الله فقد كان عالما عاملا يمشى بين الناس فى ) المدينة ( فى مباذله ورعا تقيا زاهدا واذا بالحمية الاسلامية تنتدبه لجلائل الاعمال فيشمر عن ساعد الجد ويقود ابناء البلاد إلى فتح علي مجيد ، بهذا المعهد العلمي العملي الكبير الذي افتتحه لهم عن ثقة واطمئنان ، واذا به يتوج باكليل الظفر والفلاح ، واذا هو يعد فى طليعة المجاهدين الفاتحين والابطال العالميين

ومما يشيع روح الثقة فى قرارة نفسي بنجاح مهممتى فى تدوين سيرته على المنهج الذي ارتضيه وترتضيه الحقيقة والتاريخ انى قد كنت شعرت في السنوات الاخيرة من حياته انه مشرف على مفارقة هذه الدار الفانية إلى دار البقاء دلنى على ذلك كثرة تكراره على مسامعي فى كل فرصة تسنح انه " يريد الآن . بيتا فى البقيع " ولما تملكنى هذا الاحساس المريب وداخل نفسى من جرائه ألم . عميق ازمعت انتهاز الفرصة قبل الغصة فكنت اكثر عليه السؤال ، وامطره . بوابل من البحوث . وكان رحمه الله آية فى التواضع ونكران الذات واسناد . جميع الامور إلى الله تعالى . ومن اجل هذا الخلق المستقر فى اعماق ضميره كان . فى اكثر ما يبحث يكنى ولا يوضح ، ويلمح ولا يصرح ، ويجمل ولا يفصل ، وذلك كله ابعاد لنفسه عن مهاوى تقريظ النفس ومدحها ، ولكنه مع ذلك . المشاعر بان امانة العلم تقضى عليه بان يقول ما يمكن قوله ، لانه يدرك ان مباحثى . معه انما هى لتنوير التاريخ وتدوين الحقائق على وجهها ، ومن هذه الجه ولاعتقاده الراسخ في اخلاصى كان يقابل اسئلتي بالبشاشة واللطف والاستئناس والقبول ، ويتبسط لى احيانا نادرة جدا فيبدى لى اشياء هامة ، وقد كنت عرضت عليه ان اكتب تاريخا مفصلا لأحوال المدرسة التى أسسها وأخبرته بما لدي من وثائق مثبتة فسر لذلك وشجعني على المضى فى هذا السبيل واعطاني مجموعة وافية من تاريخها المطبوع بلغة الاردو ، لأراجعها عند اللزوم

وها انا اليوم افي بما وعدته ، وقد دلف إلى رحمة الله تعالى واستقر فى بيته بالبقيع وحال بيننا حجاب البرزخ الكثيف ، فعسى ان يصل صدى هذا العمل

إلى قلوب تقدر عمل الابطال الصامتين ، فيرسلوا شابيب دعواتهم المخلصة ، وتقديرهم العاطر إلى روح طالما سهرت ودابت في احياء المجد الاسلامى التليد ، عن طريق نشر العلم الاسلامي المجيد ، فى هذا الوطن العزيز

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية