لعله يفيدنا كثيرا ، ان نقف بين فترة واخرى ، امام هذه الاحداث المتغيرة ، التى تغمر المغرب والمشرق ، وتهتز لها كل مناطق العالم الاخرى . لنتأمل فيها بهدوء حركة اليقظة والتطور ، التى انطلق بها شعبنا فى مسيرته الحديثة ، ونستوعب بوضوح بعض خصائص تاريخنا الوطني ، الذى رسمت ابعاده المحكمة اجيال من المكافحين والرواد ، تقمصوا عبقرية الشعب واستمدوا من طاقته النضالية التى لا تنفد ، كل معاني الاخلاص للمبدأ والعقيدة ، وروح التضحية السخية فى سبيل الوطن ، وقوة الثبات فى وجه الأعاصير ، واستطاعوا بذلك ان يحققوا ارادته فى الحياة الكريمة ، وعزته العالية فى حكم نفسه بنفسه ، وتمكينه بنجاح من النظر الجدى فى اعادة صياغة الواقع المتخلف ، إرساء لدعائم المستقبل الأفضل ، باشاعة قيم الخير والعدالة للجميع ، وممارسة الحق والواجب بديمقراطية سليمة لا زيف فيها ولا لبس .
والمتأمل فى تاريخنا الحديث ، يدرك بيسر أن مقدمات النهضة التونسية وعوامل تطورها ، اقترنت منذ البدء بنمو الوعى الوطنى لدى جماهيرنا ، وان كل تطور فكرى او اجتماعى يتحقق فى ساحة العمل الكبرى ، كان مصحوبا باشتداد التيار بفكرة الارض والوطن ، وان الاحداث المفاجئة بالخطر قد انذرت أجيالنا السابقة ، ونبهتهم الى هوية وجودهم الحقيقية ، ودرجة منزلتهم في الحضارة والتطور ، فقد كانوا مطمئنين فى عزلتهم الكئيبة ، الى نواميس الخلافة العثمانية ، وما كانت تشبعه من اوهام لا تتحقق ابدا ، واعتمادها في استغلال الناس والبلاد على العنصر الديني وربطه بالخلافة الاسلامية ، تمكينا لابنائها من الاتراك ضباطا وجنودا وإداريين ، من نهب الارزاق واقتطاع الضياع الكبيرة واستبعاد اصحابها الشرعيين ، وفرض الضرائب الباهضة التى كلفت الاهالى مشقات لا سبيل الى احتمالها ، ثم ما كانت تعمد اليه من
محاربة الثقافة العربية ، وحصرها في مؤسسات بدائية بالية لا صلة لها بالعصر ولا امتداد لها فى الواقع ، وأخذها بالقشور دون اللباب من جوهر الدين ، وما نجم عن كل ذلك من جمود وتحجر غريبين فى فهم الاسلام ، أدى لى انقطاع رهيب بين الدين والحياة . إذن لم يكن ميسورا فى ظل هذا النظام الاقطاعى المتخلف ، ان تنمو لدى الناس فكرة الوطن او الشعب ، وانما كان لا بد من هزة عنيفة ، او أحداث مصيرية كبرى ، تبده الناس بالفجيعة وتوقظهم بالانفجار المدوى ، فلا يطمئنون بعد ذلك مطلقا ، وأتت هذه الاحداث فعلا ممثلة فى احتلال فرنسا للجزائر الشقيقة ، واندفاعها نحو ازالة كيانها العربى الاسلامى ، ثم بلغت الاحداث ذروتها الفاجعة باحتلال تونس نفسها وانتشارها فى كل اجزاء الوطن بالحماية المقنعة ، وسعيها العملى الحثيث تطويق السيادة التونسية وافراغها من كل محتوى ، قد يتعارض واهداف لاحتلال الفرنسي في التغريب والنهب والاستغلال
فى هذا المناخ المتكاتف الظلمة ، انبثق الوعى الوطنى ، فى نفوس وعقول جماهيرنا ، بدأ حسرة وآلاما تجترها النفوس المقهورة ، وحماسا وغضب و غليانا ، يرتفع صداه فى هذه المدينة او تلك ، او فى مشارف هذا الجبل او ذاك ، ولكنه سيتطور وينمو الى درجة النضج ، فى ساحة النضال ، ووسط الممارسة الفعلية لاساليب الكفاح المختلفة ، واثناء الاتصال بحركات التحرر الوطني الاخرى ، التى تمرست بفنون المجابهة والتصدى للمحتلين واحرزت مكاسب ، كانت سببا فى نزع روح التشاؤم واليأس من القلوب ، وكان من اهم عوامل رسوخ الروح الوطنى في نفوس جماهيرنا ، الصوة على واقعها العملى ، وادراكها من خلال الملاحظة والممارسة ، انها فى مجابهة حقيقية مع العدو ، وانها فى مواجهتها القاسية هذه كانت وستكون وحيدة ، فدولة الخلافة العثمانية التى طالما تغنت بقوتها التى لا تقهر ، وبعظمتها التى لا تدانيها عظمة ، قد انكفأت على نفسها ، وكأن تونس باتت قطعة غريبة عنها ، وهذا الباى واهل بيته ووزراؤه ، قد استسلموا بخذلان ، وسلموا البلاد بما يشبه ان يكون رضي وخيانة ، ثم ما لبثوا أن انخرطوا فى سياسة المحتل الجديدة ومكنوا له من ان يجوس خلال البلاد ، ويزرع فيها عروقه اللعينة ، كل ذلك من اجل مصالح خاصة ضمنها المستعمر لهم ، وهي المشاركة فى نهب الشعب وسياسته بالرهبة والبطش ، تلك السياسة المطلقة التى كانت دستورا للاتراك من البايات ، وقاسى منها الشعب الويلات والمصائب ، وادت فى احيان كثيرة الى ردود فعل عنيفة ، بل الى ثورات شملت البلاد فى وقت الاوقات من اقصاها الى اقصاها .
ان الصحوة على هذا الواقع القاسى ، كانت منطلقا حقيقيا لحركة الوعى الوطني ، كفكرة واحساس ، يربط الناس بعضهم ببعض ، وقت المحن والشدائد ، وكمؤسسات سياسية صغيرة يقودها الشباب المثقف ، يحاولون ان يحابهوا بها العدو ، وبأساليب ربما تبدو لنا الآن متخلفة ، ولكنها كانت فى وقتها ذات شأن ، فى تنبيه المستعمر وتحذيره من ان اصحاب البلاد الحقيقيين يتصدون له جهارا ، وان الطبقة الحاكمة التى يتعاون معها ، لا تمثل الشعب على اى مستوى من مستويات التمثيل ، ثم هى من جهة اخرى رمز وتعبير لنزوع الشعب الى التحرر والانعتاق من قيود المحتلين الجدد ، وهكذا فنحن لا نستطيع ان ننتقص من " حركة الشباب التونسى " بزعامة على باش حانبة ، لانها لم تبن حركتها على اسس متينة من العمل السياسي المنظم ، شأن الحركات السياسية الكبرى فى العصر الحديث ، وانها لم تتخذ لها استراتيجية كفاحية طويلة المدى ، ولم تتوسل فى تحركها بتكتيك ناجح تكفل الديمومة والاستمرار ، فذلك أمر لم يتهيأ لها ولرجالها ، ولا الظروف الموضوعية التى كان يحياها الشعب تسمح بذلك ، ومع ذلك فقد أفادت ودلت على الطريق ، بالأخطاء التى وقعت فيها ، وبالانهيار السريع الذى انتهت اليه ، وكانت دروسا وعبرا ذات شأن ، للحركات السياسية الجديدة ، التى تبوأت مقاعد القيادة والنضال فيما بعد ، لقد كان الحماس الوطني يملأ النفوس ، وبعم البلاد طولا وعرضا ، ويجد له تعبيره الامثل فى المظاهرة والانتفاضة والاحتجاج ، ولكنه يكن منظما فى حركة محكمة ، تشمله بالرعاية والصيانة ، وتوجهه فى الوقت المناسب الى افضل السبل لتحقيق المطالب العادلة ، بل انه كان يحتاج شديد الاحتياج الى ضرب من ضروب العقل والكبح ، لاتاحة الفرصة للتأمل الهادىء ورسم الخطط المنهجية
للوصول بالقضية الوطنية الى حدود النجاح ، ودفعها الى مسالك لا يملك الخصم معها الا التسليم بها والاذعان ، وفي الوقت نفسه كانت الظروف الدولية مواتية ، فقد انتهت الحرب العالمية الاولى ، بألامها ومآسيها المدمرة واجتمع الاقطاب فى باريس يتقاسمون الاسلاب والغنائم ، ولكن أنساما من الحرية كانت تسرى ، وتبشر الناس بحق تقرير المصير للشعوب المولى عليها ، وبخاصة شعوب المنطقة العربية ، التى انسلخت عن دولة الخلافة العثمانية ، وكانت الفرصة مواتية لعدد كبير من المثقفين التونسيين لتأسيس حركة سياسية منظمة ، تتولى الدفاع عن مطالب الشعب ، وتعمل على جمع الكلمة وتكتيل الصفوف فى الداخل ، فكان ميلاد الحزب الحر الدستورى التونسى ، بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبى
والحق ان هذا الحزب الوطنى ، فى الظروف التى تأسس فيها ، وبالآراء التى عبر عنها فى كثير من مواقفه المختلفة ، كان تعبيرا حيا عن بذرة الوعى الوطني ، التى أخذت تترعرع ويشتد لها عودها ، وانه كان الحركة المنظمة التى حاولت أن تقود النضال والكفاح بطرق ، فيها شئ من الواقعية ، وقدر كاف من المنطق ، ضمن لها فترة طويلة أن تتصدر الصفوف ، بل وان تحرز نجاحات مختلفة ، مهدت للاعتراف بالحركة الوطنية وانها شئ مغاير لحكومة الباى الاستعمارية ، الا ان هذه الحركة الوطنية ، اصيبت فى الصميم بموقفها الغريب ، من حركة العمال التونسيين التى كان يقودها المرحوم محمد على
فقد كان المؤمل أن يلتحم الدستور القديم بحركة محمد على ، أو على الاقل الا يتخذ منها موقفا معاديا ، الا انه انزلق فى الخطيئة وأدان النقابين ، الذين كانوا يناضلون ببسالة لتأسيس حركة عملية عملية تونسية حقيقية ، بعيدة عن تأثيرات الشيوعية الفرنسية أو الدولية ، فاذا أضفنا إلى ذلك مواقفه الرجعية فى كثير من قضايا الشعب الاجتماعية ، كموقفه العنيف من الطاهر الحداد صاحب كتاب " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " ادركنا بكل وضوح ، ضروب التناقض التى انحدر اليها ذلك الحزب ، والتى أدت فيما نعتقد الى عزلته عن المثقفين الحقيقيين الذين كانوا يزدادون يوما بعد يوم ، والى عزلته عن الشعب ، وبخاصة طبقته العاملة ، التى كانت تتعرض مباشرة لقسوة الحيف الاجتماعى ، ولمختلف أنواع الظلم التى كان يسلطها المستعمر على الجميع
وقد كانت هذه المعطيات كافية لتصدع الحزب ، ولينشق على نفسه ، ولأن يجد الشباب المثقف من عناصر قيادته العليا ، القناعة الموضوعية والذاتية للانسلاخ عنه ، وتأسيس حركة جديدة ، تحافظ جهدها ، قدر الامكان ، على التلاحم بقواعد الحزب المناضلة ، ليقينها من أن جوهر الشعب باق لا يتغير وان النكسات والهزائم ، لن تزيد ذلك الجوهر الا صفاء وقوة ، واخذت هذه الحركة الجديدة تنظم صفوفها ، وتضبط خططها ، بزعامة المحامي الشاب الحبيب بورقيبة ، ثم نجدها تندفع كالسيل القوى ، تمكن لها فى جماهير الشعب ، وتلتحم بالمقهورين فى الاصقاع النائية ، بما تقيمه من خلايا منظمة وبما تعقده من صنوف الحوار والحديث ، وبما كانت تحرص عليه من تنظيم طبقات العمال والتجار والفلاحين والمثقفين ، فى مؤسسات مهنية واجتماعية وهكذا ارتفعت تلك المؤسسات العتيدة ، واضافت طاقة كبرى الى طاقات العمل السياسى الذى يباشره الحزب الحر الدستورى الجديد
ويهمنا فى هذا الحديث الموجز ، الذى نشارك به فى الذكرى التأسيسية
الاربعين لميلاد الحركة الوطنية الجديدة ، هو ان نتوقف قليلا عند بعض الظواهر الباروزة ، التى يجدها الباحث فى تاريخنا الوطني الحديث :
واولها : جماهيرية العمل السياسي الذي نهض به الحزب الجديد ، فلم تعد السياسة بالممارسة ، عملا مكتبيا او صحفيا ، يوجه القضية الوطنية وجهة انا , وانما هي حركة صراع حقيقي ، وملحمة نضال مأساوية ، ينبغى ان يتمرس بها الشعب ، وان يكون هو وقدتها الملتهبة ، التى تضئ الطريق للاجيال الآتية .
و ثانيها : وضوح الرؤية وصفاؤها ، ومنذ البداية حدد الحزب خطته او استراتبحه دون لبس او التواء ، والقائمة على المطالبه بتحقيق المؤسسات الدستورية ، الضامنة لتمثيل شعبى حقيقي ، والتى لا يستطيع العدو الاجنبى جحدها او انكارها ، لانها حق شرعى دولى من حقوق الانسان الطبيعية ، واليضا لان الفكر الحر الفرنسي والعالمى كذلك لا يملك أمام هذه المطالبه العادلة الا التسليم بل والتأييد ايضا ، ثم إن رسم الخطة بذلك الاسلوب يؤدى حتما الى تحقيق الاستقلال التام ، ورفع كل قيد كبل به الشعب فى أي وقت من الاوقات ، وصاحب وضع تلك الخطة المحكمة ، تكتيك سياسي مرن ، دراعي مقتضات الظروف الصعبة او السهلة ، القريبة او البعيدة .
وثالثها : الانفتاح وعدم الانغلاق ، فليس هناك خطة جامدة لا تتحول او تتطور ، وانما هي متحركة ، تكتسب ابعادا جديدة بجدليتها الدائمة مع الواقع الخاص او العام ، وبجوارها المستمر مع الأجيال الجديدة الشابة ، ولذلك فسرتعا ما انفتحت لتستوعب طموح الشباب والشعب ، فى اقامة بنياننا الاقتصادى على أسس من اشتراكية عادلة ، تتبع من واقع الشعب واحتياجاته الملحة ، لتعديل اوضاع اجتماعية جمدها نظام الاحتلال المستبد .
ورابعها : توفر هذه الحركة على قيادة مثقفة ، ذات نبوغ وعبقرية ، ومؤهلات اخلاقية عالية اصيلة ، نجدها مجسدة فى باعث الحركة الرئيس الحبيب بورقيبة ، الذى امتاز بحنكة سياسية أقر بها الجميع ، واعتبر وجوده على رأسها كسبا عظيما ، لانه استطاع ان يسدد خطاها فى الاوقات الحرجة ، التى تشتبه فيها على الناس السبل ، وان يسبغ عليها طابعه الخاص الذي عرف به دائما من ميل الى الحكمة والمنطق وجمع كلمة الشعب بالشورى والاقناع ، ومواجهة القضايا بجرأة فاتحة ، تتجاوز التقدير ، فى كثير من الاحيان
