الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

في امكان الادب الحماسى في عصرنا الحاضر

Share

فى الاصطلاح اللغوى عندنا، يكاد ينحصر مدلول الحماسة فى الشجاعة الحربية، وفى القتال من أجل فكرة سامية كالعقيدة او الحرمة او الشرف. وتوسع مدلول الكلمة فى الأدب، فضم الشعر الذى ينظم فى هذه الأغراض، اما للتحريض على القتال قبل الموقعة، واما لاستعراض تفاصيل الوقعة بعد النصر، استعراضا فيه الفخر المغالى والنخوة الشديدة.

واشترك فى هذه الدلالة جملة من المفردات، كلفظة ((الحمية)) التى تعنى العصبية والنصرة والدفاع والنضال، والأنفة من الشئ المستكره الذى فيه مساس بالشرف والمروءة. وكذلك كلمة ((الحميا)) فى معنى الغضب الشديد وفى معنى الحرارة المكتسبة من عنفوان الشباب أو من حر الشمس وحتى من الحوامض المسكرات. ونجد ايضا فى اطراف هذا المعنى لفظة ((الحمى))، وهو كل منطقة حرام يجدر بالمرء أن يحميها ويضحى فى حرمتها بحياته. والحمى يتمثل فى البيت والدار، ومنازل القبيلة وفى مسقط الرأس، ثم فى الوطن الواسع، وقد سمى ابن الرومى داره وطنا فى بيت معروف:

((ولى وطن آليت ألا أبيعه           وألا أرى غيرى له - الدهر - مالكا

وفى الأناشيد الوطنية الحماسية، كثيرا ما نسمع تمجيدا ل((حماة الديار)) بمعنى ((حماة الحمى)).

هذه المعانى تعرف فى الأدب الغربى بعنوان ((ملحمة Epopee)) و ((أدب ملحمى Litterature epique)). والملحمة عندهم هى القصة الشعرية التى تروى - فى صياغة أدبية رائعة، وفى خيال شعرى عجيب - أعمالا جبارة يقوم بها بطل فذ، كعوليس فى الأوديسا، وآخيل الاغريقى وهكطور الطروادى فى الالياذة، او مجموعة أبطال كملوك ايران فى الشاهنامة الفارسية. وقد أحسن المعاصرون ترجمة العبارة اليونانية بلفظ ((ملحمة)) لان مادة ((لحم)) فى اللغة

تدل هى الاخرى، على القتال الشديد الذى يختلط فيه المقاتل بعدوه ويلازمه حتى كأنهما لحمة واحدة. الا أنهم - أعنى المعاصرين - حادوا قليلا بالكلمة فالحقوها بالغرض الشعرى المعروف عندنا قديما بـ ((حماسة)) و ((أدب حماسى)).

وبهذا الاسم - حماسة - سميت المختارات الشعرية الأولى التى كان الأدباء بجمعونها لغاية تعليمية تدريسية ك ((حماسة)) أبى تمام حبيب بن أوس. وانما سميت حماسة لأنه صدر مختاراته بأفضل غرض فى نظره، وهو شعر الحرب أو شعر الحماسة.

ولكن من النقاد المعاصرين من قصد قصدا آخر بتحويله مدلول الملحمة الى الشعر الحربى: ذلك أنهم، باكتشافهم للملاحم اليونانية، ووقوفهم على مدى تعلق العقلية الغربية بالالياذة مثلا، تملكهم مركب النقص لخلو أدبنا من مثل هذه القصص البطولية، فدفعتهم غيرتهم على تراثنا الى الاعتزاز بهذا الشعر الحماسى، وحملتهم الحمية على رفعه الى مستوى الملاحم العالمية، فسووا بير الملحمة والحماسة.

ومنهم من اعتبر فقدان هذه القصص من ادبنا قصورا وعجزا وعقما، فانبرى العلامة سليمان البستانى لنقل الالياذة الهوميرية الى العربية، وقدم لها ببحث نظرى مطول حلل فيه مقومات الملحمة، وعلل تقصير العرب فيها. وبعد هذا الدرس النظرى، بادر بعض شعراء العصر الى التطبيق فألف أحمد محرم ((الالياذة الاسلامية)) وقد ركزها على سيرة الرسول (صلعم)، فيقول فى وقعة بدر:

((جد البلاء، وهب اعصار الردى          يرمى بأبطال الوغى ويطوح

((نظر النبى فضج يدعو ربه:               لا هم نصرك! اننا لك نكدح

((... الله أرسل فى السحاب كتيبة         تهفو كما هفت البروق اللمح))

وألف حافظ ابراهيم ((العمرية)) فى مناقب الفاروق عمر بن الخطاب:

((حسب القوافى، وحسبى حين ألقيها      أنى الى ساحة الفاروق أهديها))

وهاتان ملحمتان دينيتان جامعتان، وقد ألفت الملاحم الحزبية كمطولة ((أهل الغدير)) لبولس سلامة، فى مناقب أئمة الشيعة.

ولكن هذه المحاولات المعاصرة أخفقت. ولعل سبب اعراض الجمهور عنها هو تخلص الشعوب من العقلية البدائية التى تؤمن بالخرافات والخوارق للعادة، ودخولها فى عصر العقل الايجابى والعلم، فكأنها انتقلت من مرحلة الخيال إلى طور الواقعية، وذلك بفضل سيطرة الانسان على قوى الطبيعة التى كانت تخيفة لانه لا يفهمها ولا يعرف كنهها، فيجعل لها عليه عظيم السلطان. ومعلوم أن كل مجهول مخيف، فاذا حلل وعرف وعلم، عادت الطمأنينه الى القلوب ورجعت الثقة بالنفس. والمجهول فى وقتنا الحاضر، وقت الاكتشافات الفضائية وخروج الانسان من محيط أمه الأرض الى أجواء أخرى، لم يعد البرق ولا الرعد ولا كسوف الشمس، وانما هو كوامن النفس البشرية، وعوالمها الغامضة التى بدأت بحوث ((فرويد)) (S. Freud) وأتباعه تزيح عنها بعض الحجب فى مستهل هذا العصر، فدفعت بالأدب المعاصر الى نواح جديدة داخلية، وأبرزت للبطولة مفاهيم غير معهودة.

ونحن، بصرف النظر عن هذه الملاحم المفتعلة، لا نعتبر فقدان شاهنامة أو انياذة من أدبنا نقصا ولا قصورا: ذلك ان خيالات الشعوب تختلف، ومهابط عبقرياتها تتباعد، فكما لا يخطر ببال أحد أن يعيب على الانجليز فقرهم فى الموسيقى بالنسبة الى الألمان، ولا على الاسبان قلة الاوبرا عندهم بازاء الطليان ثروتهم فيه، لا يصح أن نعيب على العرب، كما فعل أبو القاسم الشابى فى نظرته الى خيالهم الشعرى، ضيق مخيلاتهم لانهم لم يصوروا آلهة تتطاحن فوق جبل الأولمب.

على ان فى ادبنا الشعبى مطولات ملحمية غذت عقول أجدادنا وآبائنا طيلة دهور ودهور، وشوقتهم بما فيها من مفاجآت غريبة، وبطولات خارقة للطاقة البشرية، وتخيلات عجيبة: تلك هى السير الكبرى مثل سيرة ((عنطر)) وسرة الملك سيف (اليزن) وتغربة بنى هلال. كان القصاصون الشعبيون، الى عهد غير بعيد، يتغنون بمغامراتها على نغمة الرباب الموحدة المكررة، فى حلقات من الجماهير المأخوذة المشوقة. وكانوا خبراء بأسلوب التشويق، يقطعون روايتهم فى الموقف الشائك، فيتركون عنطر فى السجن، والبطل فى مأزق متلاحم حتى يغروا السامع بالرجوع اليهم. بهذا كان هؤلاء القصاص - ومعهم شهرزاد حين تسكت عن الكلام المباح - مكتشفى فن ((السوسبانس)) قبل هيتشكوك بمدة.

انتهى عصر البطولات الشعبية وتغيرت المفاهيم وتنوعت الأهواء والأذواق،

فصارت هذه البطولة، على حد قول أحد أدبائنا، باطلة، او كما قال: البطل باطل. بطل البطل وقضت عليه التقنية الحديثة، وعلم التحليل النفسى والسيطرة على المادة والتغلب على قوى الطبيعة. وفى متحف البطولات، غار نجم أبى زيد الهلالى، والفتى ذياب، والجازية، وذهبت ريحهم وولى ملكهم، وعوضتهم بطولات غربية فى صورة طرزان وزورو فى زماننا، وصورة جامس بوند فى الوقت الحاضر. لم يعد الصبيان يعتدون بالسيف والرمح والقوس، بل بالسلاح الحديث الذى يكون فى حجم القلم، ومع ذلك يفجر قلعة، ويعزز بحيش من آلات الاشعاع، والميكروفونات وآلات التصوير الدقيقة، تلك التى يسميها الأميركان ((قادجات gadget)). اندثرت تلك البطولات التى كانت تجعل للمروءة وللكرم والنجدة والصدق والعفة أكبر حساب، وغلبتها بطولات السينما والتلفزة، بل غلبها الغناء المائع، والرقص الماجن، والصور المثيرة للجنس. وقد وصف رشاد الحمزاوى بعض هؤلاء ال ((فداوية)) فى قصة ((بودودة مادة)) وصور لنا نجيب محفوظ نهاية قاص من قصاص المقاهى فى ((زقاق المدق)) غلبه المذياع فلفظه المقهى وأسكت الى الأبد. ولعل هذه الملاحم الشعبية جديرة بعناية من يصقلها ويختصرها ويحذف منها المكررات، ويهذب لغتها، كما فعل السيد الطاهر فيفة أخيرا فى جمعه لبعض أقاصيص بنى ملال، فيجد فيها ناشئتنا ما يغذى اعجابهم الفطرى بالبطولة وميلهم الطبيعى الى المغامرات.

فى الأدب الفصيح، نجد شعرا حماسيا ذا نفحات ملحمية، فيه تحريض على القتال، ودعوة الى الجهاد، وفيه وصف للمعارك والسلاح والخيل، واستعراض للبطولات، وفخر بالنصر، ونخوة بالظفر. ذلك هو الشعر الذى برز فيه عنترة - الحقيقى - وعمرو بن كلثوم وعمرو بن معدى كرب، وكانوا كلهم مقاتلين، ولمع فيه نجم أبى تمام والمتنبى وابن هانئ المغربى، وكان هؤلاء وصافين لأبطال الجهاد ضد البيزنطيين كالمعتصم وسيف الدولة الحمدانى والمعز الفاطمى. هذا الشعر يطفح بالحمية، حمية قبلية عند الجاهليين، وحمية اسلامية جهادية عند الآخرين الذين وصفوا الفتوحات الكبرى، او تعرضوا الى الحروب الصليبية. هذه الحمية الدينية نجدها حتى فى القرن العشرين: فقد كانت عامة شعبنا تطلق على الفرنسيين لفظة ((نصارى)) او ((روامة))، وشعارات كثيرة من الاحزاب السياسية التحريرية فى العالم العربى كانت تنزع منزعا اسلاميا سلفيا، وتدعو الى مقاومة الاستعمار باسم الدين. وكان نشيد ثوار الريف بالمغرب عام خمسة وعشرين لا يرى فى الاسبان الا نصارى، فيقول فى مطلعه:

((بني الوطن، بنى الوطن، تقدموا تقدموا، الى النصارى!..)) وهذا الشعر الحماسى يجعل للمرأة سلطانا عظيما على الرجال: فهى التى تحرض على القتال، وتوبخ القعدة، وتندد بالمتخاذلين. فالنساء التغلبيات مثلا يهددن أزواجهن فيقلن:

((............... لستم            بعولتنا اذا لم تمنعونا))

وهذه الشموس، احدى فتيات جديس، تصب جام غضبها على قومها، وقد تهيبوا بطش العمالقة:

((فبعدا وسحقا للذى ليس دافعا            ويختال يمشى بيننا مشية الفحل فكأنما المرأة هى الحمى الذى يحمى، وهي حسيب البطل فى أعماله، إليها يقدم عنوان بطولته وفيها يفكر حين يهب للقتال، واياها يشهد على اقدامه، فيقول عنترة لعبلة:

((هلا سألت الخيل يا ابنة مالك ...؟

((يخبرك من شهد الوقيعة أننى ... ))

قد انتقل هذا الجانب من الفروسية الى الأدب الغربى، بل الى عادات أوروبا وتقاليدها فى العصور الوسطى، فترجموا له بعبارة مماثلة، فيها الفتوة وفيها ذكرى الفرس الذي يحمل صاحبه الى المعالى، وهي عبارة Chevalerie وما يشتق منها فى اللغات اللاطينية: Caballero - Cavalleria وصارت بطولات الغربيين تقدم قربانا الى السيدات الرفيعات، فيحمل الابطال ألوانهن، أى لواءهن، وباسمهن يقاتلون، ويتفانون فى طلب رضاهن والاحراز على اعجابهن، ومنذ قرن قال ستاندال (Stendhal) ان الحب أوله اعجاب Admiration. وقد أغرقوا فى هذا التقديس للمرأة حتى أخذ الكاتب الاسبانى سيرفانتاس يهزأ بهم فى قصته الخالدة عن دون كيخوتى، ودولشينيا ((سيدة أفكاره)) حسب العبارة المألوفة آنذاك. ولعل ما نراه اليوم من اشهاد النساء والفتيات على نوع عصرى من البطولات - وهو البطولات الرياضية - لعله من بقايا هذه الفروسية: فالبطل الفائز فى السباق يتلقى، فى خاتمة عدوه المضنى - باقة الزهور وقبلة الاعجاب، لا من شيخ ملتح، بل من فتاة وسيمة.

هذه بعض عناصر الشعر الحربى فى أدبنا تؤهله لأن يكون شعرا ملحميا، فلا ننس ان الالياذة تصف بعض أيام حرب طروادة، وان هذه الحرب اشتعلت

نيرانها بسبب امرأة، وهى الفاتنة هيلانة، هرب بها باريس الطروادى وكان قد نزل ضيفا على زوجها مينيلاس. ففي ملحمة هوميروس ايضا نجد هذين العنصرين: فكرة الحمى والحرمة، وسلطان المرأة على أعمال الرجال. يد *

ولكن موضوع حديثنا هو التماس الميادين التى يمكن للأديب المعاصر أن يستخدم فيها الحماسة الطبيعية عند الناشئة، ويسخر فيها حميا الشباب لخدمة الادب الرفيع. وهنا ألاحظ أن الفكر المعاصر قد جدد الاعتبار فى شأن البطولة والشجاعة، وفي خصوص الأدب الحماسى عامة. تغير مفهوم الشجاعة بفضل دراستنا لكثير من الشخصيات البطولية، فى التاريخ، وفى أدب التخيل والابتكار، وحتى فى الحياة المعيشة المشاهدة، فصرنا ننفر من الأبطال القدامى لما يعترى سيرهم من رتابة وتشابه أحوال، لان الشعراء كانوا يصفونهم فى صورة واحدة ثابتة قارة، فى انتصار دائم، واقدام متواصل، وكمال مستمر، فلا خوف يأكل عزيمتهم، كأنهم سبائك فولاذ مصبوبة، مهما تقلبها تجدها صلبة ملساء، ولا ضعف يعتريهم ولا تردد، كأنهم أبطال الأفلام الأميريكية من فصيلة الواستارن، ولا تخالط الصفات السلبية طبائعهم قط، بل هم يدورون فى فلك الثنائية المطلقة والمانوية الدائمة، مثل أشخاص المنفلوطى او قصص الكونتاس دى سيقور: فالخير كله من جانب صاحبنا، والشر كله من الجانب المقابل.

وانما الانسان، كما نعلم، عالم من المتناقضات، فيه، كما يقول أبو العتاهية:

((لدواعى الخير والشر         ر دنو ونزوح ))

والبطل الحق فى نظر اليوم، هو ذاك الذى يبرزه لنا الفنان فى صراع داخلى مع دواعى الضعف والخذلان والاحجام، وفى نضال ضد أهواء النفس الجموح وفى تردد وتساؤل وبحث مضن عن الطريق السوية فى تشعب المناهج وتناقضها بمثل هذا التحليل النفسى الصادق، قرب الينا كورناى (Corneelle) صورة بطله ((السد))  Le Cid فى ذلك ((الحوار الداخلى)) المؤثر الذى يظهر فيه رودريق ممزقا بين أمرين ((كلاهما مر)): اما ان يثأر لأبيه فيقتل أب شيمانة ويفقد حبها، واما أن يغضى على الاهانة فيخسر مروءته وتذهب فتوته أدراج الرياح. مثل هذا البطل الذي ينتصر على نفسه قبل ان ينتصر على عدوه أقرب الينا من ذلك الذى يمثل قوة قاهرة سادرة فى طريقها لا تعرف الكلال ولا الفتور، كأنها قاطرة تدك الجبال، أو دبابة صماء. على هذا الاساس،

بني فهمنا لعبارة ((الأدب مأساة أو لا يكون)) المشهورة فى ربوعنا، فليس معناها أن لا أدب الا اذا كان باكيا متفجعا حزينا، يصور الذئاب تعوى فى العراء، والسدود تنهار بين العواصف والأعاصير، وانما معناها ان لا أدب ان لم يكن مبنيا على صراع ما، كالذى يجرى فى النفس بين قوى متناقضة، ومصورا لكفاح يصير به الانسان، حسب كلمة السيد محمد مزالى فى مؤتمر الأدباء العرب حول البطولة، ((هذا الانسان الذي خصه الله بالعقل وكرمه به، سيدا يخضع شؤون نفسه لزمام ارادته)).

فالشجاعة لم تبق محصورة فى الحرب، مخصوصة بالسلاح الجارح والعتاد القاتل. ولنفرض ان حلم الانسانية القديم فى إلغاء الحرب واحلال السلم الدائمة تحقق يوما، فهل تبطل الشجاعة ويندثر رهط الأبطال؟

بل ان ميادين الشجاعة لا تحصى وسلاحها لا يحصر. فالدفاع عن حريات الشعوب والجماعات والأفراد، كما فعل سارتر والمثقفون الفرنسيون ابان كفاح المغرب العربى، وكما فعل برتراند روسل فى مظاهراته العديدة ضد الحرب، وضد السلاح الذرى الفتاك، وكما يفعل الطلبة الأميركان ضد حرب فياتنام الشنيعة، هذا الدفاع هو أول ميدان لهذه الشجاعة الجديدة التى لا تحمل سيفا ولا تركب جوادا.

وكذلك رفع كلمة الحق مهما كانت المخاطر، ومقاومة الظلم والكذب والباطل، مهما زوقتها الدعايات المنتصبة المنتصرة، والتصدى لجور الحكام كما فعل عمرو بن عبيد المعتزلى وابن المقفع ازاء المنصور العباسى.

وكذلك العمل على اقرار عدالة اجتماعية حقيقية، والمطالبة بصرف أموال الأمة فى وجوهها الشرعية، كما فعل أبو ذر الغفارى ازاء عثمان وحاشيته الأموية.

وكذلك الاستماتة فى سبيل عقيدة او فكرة او دين، شأن الامام أحمد بن حنبل فى محنة خلق القرآن، والامام ابن تيمية بعده: لحق كل هؤلاء الأذى، وأذيقوا العذاب والتنكيل، ولم يتراجعوا ولم يلجأوا الى مداراة ولا الى تقية، رغم ازورار الأتباع عنهم والأصحاب. وقد فهم السلطان ان سلاح ابن تيمية هو الكلمة والكتاب، فمننعوه القرطاس فى حبسه والقلم، فكتب بالفحم على جدران سجنه. واذكروا بطولة غاندى القريبة ومدى ايمانه بشرعية كفاحه

الصامت ضد الانحليز، فقد انتصر وتحررت القارة الهندية بفضل هذه الشجاعة الأدبية النادرة الخالدة.

وهناك بطولات صامتة، وشجاعة هى شجاعة ((كل ساعة)) حسب عبارة جان جوراس (Jaures J.)، كأن نتخذ عملا فنقوم به على أحسن وجه، دون طمع فى مكافأة ولا انتظار لاطراء، ولا مداراة لرقيب ولا تزلف لمدير.

والشجاعة أن نعترف بخطئنا، ونقبل النقد، بله الانتقاد، والا نعتقد اننا على صواب دائما فى اجتهادنا وتصرفنا، وألا نسارع الى رمى منتقدنا بمرض القلب، والحقد الدفين، والنية المبيتة، والمنافسة على منصب او جاه. وقديما قال أبو حيان التوحيدى على لسان الخليفة المعتضد: ((كيف نقول للناس: كونوا صالحين أتقياء، مقبلين على معائشكم، غير خائضين فى حديثنا، والعرب تقول فى كلامها: ((غلبنا السلطان، فأكل خضرتنا ولبس فروتنا؟)) ويضيف: ((وحنق المملوك على المالك معروف)).

وقد أبدو، بهذا التحديد الجديد للشجاعة، من دعاة الالتزام، فأتعرض الى سخط من يدعو الى الادب المتحرر من كل إلزام. وفى الحقيقة، أرى أن كل أدب ملتزم، سواء قصد صاحبه الى الاصلاح، أو أراد تفجير الطاقات الانسانية الكامنة فى مجاهل النفس، أو طلب وجوها جديدة من الفن والجمال تعزز فى الانسان شعوره بالتقرب الى خالقه، والتشبه بمبدعه. حتى الأدب الترفيهى يكون اصلاحيا، فلنذكر الجاحظ فى بخلائه وموليار فى مسرحياته، وقديما نقش اليونان على مسارحهم: بالترفيه نهذب وبالضحك ندعو الى الاصلاح. وفى حديث منسوب الى الرسول (صلعم): أريحوا النفوس بشئ من الباطل فانها تصدأ كما يصدأ الحديد.

فلا أؤمن اذن بالأبراج العاجية، وخاصة اذا قصد بها الهزء والتهكم والتحامل: فقد كان المعرى - وهو رهين محابسه - ملتزما ثائرا مصلحا متحمسا. وكان الشابى - وهو المغرق فى الغنائية - شاعرا حماسيا مصلحا فى صرخاته المدوية. وكذلك المدرس القائم على تربية النشء وتكوين العقول والطاقات، وكذلك الطالب الذى يدأب على تجسيد شخصيته وتفتيح زهرتها من الأكمام والبراعيم. كل هؤلاء ملتزمون، وحتى ذلك التلميذ الذي كنا نتناقل أخباره فى صبانا: لقد أعيا أستاذه الفرنسى بوطنيته الفياضة، فتطفو على صفحة الانشاء سبا للاستعمار وشتما لرجاله، فطلب منه يوما أن

يصف قدرا، قدرا لا غير، أملا فى الخلاص من الحماس الدافق والوطنية الثائرة، فاذا بصاحبنا يصور قدرا خاوية، على نار خامدة، وحولها صبية جياع، وأم مسكينة يسبح لسانها بلعن فرنسا لأنها سجنت زوجها الوطنى الغيور الخ ... الخ ... وهكذا تصبح القدر وطنية، كما كان حمار أبى يزيد خارجيا، وسيف ابن هانى شيعيا:

(( لى صارم ، وهو شيعى كصاحبه         يكاد يسبق كراتى الى البطل))

ولعلى بالغت فى الاشارة الى الوطنية. ذلك ان فكرة الوطنية حديثة عندنا، بل هى وليدة هذا القرن، لأن أدباءنا ومفكرينا كانوا فى مدة غير بعيدة بنتصرون الى فكرة ال ((أمة)) الاسلامية، وهى امتداد للفكرة القديمة التى تقسم العالم الى قسمتين: دار اسلام، ودار حرب، اى دار جهاد. انظر دواوين شعراء القرن السالف وأوائل هذا القرن، تجدهم يتأرجحون بني الوطنية الاسلامية الواسعة التى تدين بالولاء للسلاطين العثمانيين، والوطنية الترابية الصرفة. بل نجد مثل هذه الازدواجية حتى عند بعض قادة الحزب الدستورى القديم: كانت أنظارهم - وأحيانا خطاهم - تتجه نحو الأستانة أكثر مما يولونها شطر القيروان أو تونس أو الجريد.

ولحداثة هذه الفكرة الوطنية عندنا، رأينا الرئيس الجليل وسمعناه فى خطب عديدة، يؤكد حب الوطن فى النفوس، ويغرس الحمية الوطنية فى قلوب الشباب. فالوطنية هى أول ميدان خليق بعناية الأديب، وأبطال الوطنية الكثيرون عندنا، لا تزال تضحياتهم مفتقرة الى من يحببها ويبعثها على صعيد الأدب الرفيع. وان أولى هذه البطولات بتفتيح قريحة الشاعر الحماسى والأديب الملتزم، لهى سيرة المجاهد الاكبر فى كفاحه الطويل المتواصل، وفي جهاده الذى حمل معنى من أسمى معانى الشجاعة والبطولة، وهو الثبات والمداومة والصمود، رغم العزلة فى المنافى والسجون، ورغم تراجع الصحب، ومغريات الخصم. لقد علمنا قائد الأمة ان البطولة لا تكون طعنة عابرة ولا جولة يوم، بل هي علم وعمل، وتفكير وعزيمة وثبات.

ثم ان لنا بطولات أخرى مجهولة، وهى سير ((أبطال الظلام)) حسب عبارة مالرو (A . Malraux)، ونعنى بهم جنود المظاهرات الشعبية ثم المقاومة المسلحة. فمن يشخص لنا يوما صورة ذلك الشاب من المكنين الذى ((تدستر)) فى صباحه، واستشهد فى مسائه، فلم يمض بين التحاقه بصفوف الحزب وتضحيته بروحه فى سبيل الوطن الا يوم أو بعض يوم؟

ومن يحيى لنا يوما صفحة ذلكم الشهيد الذى وقف أمام فرقة الاعدام، على عتبات الفناء، فقدموا اليه السيجارة الاخيرة، سيجارة المعدومين، فرفضها لأن الدخان يدمع عينيه، فخشى أن تحمل دموعه محمل الهلع من الموت؟

ولعلنا فى حاجة الى مزيد من التأكيد لهذه الوطنية فى نفوس من انصرف عنها ونفر منها: ينصرفون عن الوطن جريا وراء وطنية عالمية واهمة، وفاتهم ان ابطال ستالينغراد حين أوقفوا الزحف الالمانى بصمودهم، فبدافع النضال عن أوطانهم وديارهم وتراثهم وعاداتهم، لا بدافع وحدة عقائدية عالمية، وكذلك الشاعر الوار Eluard أو أراقون Aragon، لقد نظما شعر المقاومة ضد الاحتلال النازى لبلادهم، فوسما شعرهما لا بمعتقد وايديولوجية، بل بالوطن فرنسا.

وينصرفون عن الوطن جريا وراء المادة، وسعيا وراء الرفاهية العاجلة، فيستسلمون الى تجار العقول والمواهب، كانهم بضاعة هذه السوق الجديدة لعبيد جدد، عبيد المادة والمال brain - drain.

وينصرفون عن الوطن لانهم خلعوا كل أصالة، فلا اللغة لغتهم، ولا الدين دينهم ولا التاريخ تاريخهم، بل يجنون على صبيانهم، فيقذفون بهم الى محيط المنبتين بدعوى ضعف التعليم عندنا، وانحطاط البيئة الثالثة.

وينصرفون عن الوطنية ويخلعون كل حماس، ويخمدون كل حمية لانهم تملكتهم عقلية الاستهلاك، وحضارة المتعة السريعة، فلا هم لهم الا المنصب الرفيع، والمرتب الضخم، والمركب الفخم، مع الجهد القليل، والراحة الوافرة.

على ان من التعلق بالوطن ما قد يكون ضيقا فى التفكير، وانطواء على النفس، وانزواء عن حضارة العالم، وانغلاقا يجر الى الركود. ذاك ما بدا لنا - وأرجو ان أكون قد أخطأت التأويل - من دعوة بعض أدبائنا الى ((التونسة)) المفرطة، والتمسك بأمجادها البائدة، فاندرج فى هذه الجاهلية التونسية، الفخار بالكاهنة ويوغرطا والفيلسوف ترتوليان وأغسطنوس القديس، واندرج فيها الدعوة الى تعليم البونيقية بله اللاطينية، وأدرجت فيها ايضا خدمة الأهواء السياحية: فما من بطل قرطاجني الا وله اليوم نزله الشامخ، وما من غانية بونيقية الا ويلمع اسمها على واجهة مطعم عال او ملهى

رفيع، وقد طما بحر هذه الفرعونية الجديدة فقلنا: لئن حق لنا أن نشيد بمعالمنا العتيقة كما فعل المرحوم خزندار بأطلال دفة:

((لله مسرحها البهيج تحوطه             طبقات مدرجه على استهلال))

ولئن حق لبعض طلبتنا ان يقبلوا على تعلم اللغات الميتة حتى يساهموا فى الكشف عن ثروتنا الأثرية، ولئن سلمنا بان القديس أغسطنوس صاحب الاعترافات افريقى تونسى، فعلى شرط ان لا يكون هذا الانتساب المستحدث موجها ضد انتسابنا الحقيقى، وهو انتماؤنا الى دنيا العربية وعالم الاسلام، وعلى شرط ان لا نعوض أصالتنا الحقيقية بأصالة سياحية مفتعلة، وأن لا ينسينا حنبعل عقبة بن نافع، ولا هاميلكار أسد بن الفرات، ولا حنون سحنون.

ولا تكونن وطنيتنا ضيقة برفض ما يأتينا من الأوطان الأخرى، وخصوصا اذا كان فكرة أو كتابا، فكل ما يصنعه العقل البشرى، وكل ما يحققه عزم الانسان، يصير رصيدا مشتركا بين الناس وحقا مشاعا، ويصبح من كسب البشرية قاطبة. وقد أعطانا الأميركان درسا فى هذه الوطنية الانسانية اذ جعلوا خطوتهم الأولى القصيرة على سطح القمر، خطوة عظيمة للبشرية جمعاء.

اشترك في نشرتنا البريدية