كائنان فى محور .
المحور دوامة . حلقتها مفرغة وسيرها بحسبان . لم يضم سواهما ، فكأنه لم يخلق الا لهما ، ولا يعيش الا من أجلهما . فهو قائم منذ قيامهما ، وملازم لهما الى أن يرث الله الارض ومن عليها .
الكائنان شقيان . تفتق عنهما رحم واحد . وأريدا لغاية واحدة . وأريد من وراء الجمع بينهما خلق معانى المحبة والاخوة والوئام
انهما متقاربان من حيث المكان باعتبارهما ينتميان الى محور واحد . ومن حيث الزمان باعتبارهما متعايشين
ولكنهما متناقضان ، من حيث انهما متكاملان . فحاجة الاول الى الثاني منهما تقدر حاجة الثاني الى الاول ، وصحيح ان كليهما يتحرك فى سلم الدرجات ، ولكن هذا يعلو وذاك ينزل . وصحيح ان كليهما على صلة بالحضارة ، ولكن هذا أدرك فعلا أولى مراحلها وعاشها ، وذاك تجاوز أولى المراحل تصورا ، وحلم أنه فى بحبوحة منها .
الاول سعيد الجد ، والثاني شقيه
وكثيرا ما كان يلتقي الكائنان فيتحدثان ، وكثيرا ما كان يطول الحديث بينهما ، ولم تكن من نتائجه فى كل مرة الا أن يخرج الاول وقد طرب لعقم النقاش ، وتحير وفكر في صورة عقد الحوار من جديد حتى يكون خيط جلب الثاني محكما بينهما ، وأن يخرج الثاني وقد طرب أيضا ولكن لفوزه بحمل الاول على الحوار ، مطمئنا من أمر المستقبل ، اذ يرى له مدى واسعا
وأكثر ما كان يرى كل منهما منصرفا الى نفسه مدبرا أمرها
الاول صموت ، رصين ، ثابت الخطى ، ذو نجاعة . والثاني ، مهذار خفيف ، متعثر الخطى ، دون جدوى
الاول بارد الطباع ، فاتر الحركة ، فى حدود النظام . والثاني ، عصبى المزاج ، نشيط الحركة ، فى غير نظام .
أكثر ما كان يرى الاول عليه : الوجوم للتفكير . وأكثر ما كان يرى الثاني عليه : التخمر فى شطحات كشطحات الصوفية .
نشط الثاني في احدى شطحاته للغناء ، فرفع الرأس ، وقام كما لو كان من حوله ناس ، ثم رفع العقيرة ، فقال :
أنا فى جيد الزمان لقديم درة من درره
فاح للآفاق من عتق شميم خمرة من خمره
لم ينصت الأول ، ولكنه قال وكأنه يجيب
أنا محدث ، قدم الزمان أضر بي لو كان
فتأخرت بي ثمرة الاشعاع والعمران
واصل الثاني ، وقد انساق مع ما ذاق من حلاوة التبجح :
الأرض والخيرات لى ، رحب مقامي ، واسع الأركان
فيها ضربت ، وقد أكلت ثمارها فى غفلة الشيطان
فقال الأول وقد قنع عن روية ؛
صغر المكان أفادني من حيث أنه سن لى معنى العمل
فأكلت منه وأدخرت مدى إلى يوم الأجل
فتحمس الثاني ، وكأنه أنصت فسمع ، وفقه ولم يقتنع ، فبدا على شفتيه الزبد ، فحمد وصلى وشهد ، ثم انفجر فقال :
عديد جمعنا فهنا يزيد
وعمرو ها هنا أفهل تزيد ؟
وفضل الله فينا حط رحلا
بلى فينا مشى الشرف التليد !
فقال الاول وكأنه يجيب على مفاخرة قديمة ضده :
شرف وفضل وعدد
خلق تعرت من ملد
فثارت ثائرة الثاني ، وقد خيل اليه انه هوجم ، فازداد إرعادا وإزبادا ، وقال :
النور عندى مطلق
فالشمس مني تشرق
والحق مني ينطق
فالرأى عندى أصدق
فتثاءب الثاني وقال وقد ضجر
" حديث خرافة يا أم عمرو "
فكان أن بلغ الغضب بالثانى مبالغه ، فقال
أنا باعث الرسل ممن خلق
وأول من هذب المعتنق
وكتب الشرائع نمقتها
فنور الحقائق مني انطلق
فقام الاول وقد كاد ينفطر ضحرا ويقع ضحكا ، دعاه العمل والثمرة القريبة . فأشرف الثاني خفية ولم يخيل اليه فى هذه المرة شئ ، فنظر فرأى شقيقه ينعم
بثمرة عمل طويل
فى أرض خصبة
أشجارها وارفة
وثمرها زاك
وبطنها معادنها حملها
لا دين يسيطر عليها
ولا شمس تحرقها
ولا أرض يتيه فيها
ولا عوائد ورثها عن الاجداد تذهب بها ولا عدد يلتهمها ولا يدخر .
ثم التفت الثانى وراءه ليرى ما كسب ، ويا ليته لم ير شيئا
لا نسغ للعمل يدب فى كيانه
ولا نسغ يدب فى كيان أرضه
كأن ربه ظلمه .
فاذا به يقول :
يا لتعاستي ، أدرك غيرى فى الحقيقة ما لم أسطع ادراكه فى الخيال . عدمت العمل .
ثم استأنف : عدمت ثمرات الارض مما تحمل على الظهر وتخفي فى البطن .
ثم توجه الى السماء بهذا الدعاء : يا إلاهى ، أذنبت وقصرت ، ولكن أيعقل أن تكون شريكى فى مصيبتى ؟
ولكنه ما يلبث أن يثوب الى رشده فيتلعثم لسانه - اذ قد كفر - فيبعث في نفسه أمل ، بصيص من أمل - وكثيرا ما كان يبعث فى نفسه الامل ، فى مثل هذه المواقف أمل الحدث الذى يغير حياته ، وحياة أرضه فى لمح البصر
أمل عصا موسى المعجزة تم تسلق جبلا ورفع عينيه ويديه الى السماء . . . فى انتظار المعجزة . .

