كل الناس يتحدثون عن الثقافة اليوم ، ولا أحد يحاول تحديدها تحديدا يقبله الجميع ، فكل يضع تحت هذه الكلمة ما يتمناه لنفسه أو لقومه ، حسب ميوله الخاصة ، واتجاهاته الفكرية العامة ، وعادة ما نرى انهم يميزون وجها من اوجه هذه الكلمة على غيره بدون تعليل ، وانما ذلك بالاعتماد على الهوى والنزوة الطارئة ، وتجدهم كثيرا ما يتركون هذه الميزة الى وصف آخر عثروا عليه اثناء مناقشاتهم ، أو أثناء قراءاتهم . فهم بذلك يتحدثون عن اشياء غامضة ، تغلب عليها الفوضى فى نفوسهم ، وفي محاولة اقناعهم لغيرهم بها .
لكنه من الميسور للمرء ان يرجع الى ما يجده من معان لهذه الكلمة فى الاستعمال اليومى ، لكى يرجع الامور الى نصابها ، ويحاول شق طريق تبتعد به عن الهوى والغموض ، ويستوحى ما يتصل بهذه الكلمة من حياة الناس اليومية التى هى البرهان الحى ، والشهادة التى لا ترد .
فنحن نعنى أول ما نعني عندما ننطق بهذه الكلمة أن صاحبها له من المعارف العامة الكثير ، وهذه المعارف تتميز عنده بتنوعها واتصالها بجميع ميادين التطلع الانسانى تقريبا ، وهو فى ذلك يعمل برأى القدماء الذين كانوا يقولون (( ان الادب هو الاخذ من كل شئ بطرف )) وهذه الظاهرة هى اول ما يميز المثقف عن غير المثقف فى عرفنا .
وهذه المعارف ، بالنسبة للمثقف ، متجددة تجددا مستمرا بمطالعاته التى لا تنتهى وبحبه المكين للاستزادة من المعرفة ، والميل الى التطلع الذى لا يخبو مدى الحياة فى شخصه . فلا يسمى مثقفا ذلك الذى يكتفى بما حفظه فى المدرسة . او بما قرأه أيام حداثة سنه فى بعض الكتب .
وليست هذه الثقافة النظرية التى تعتمد الكتب فى تنميتها بكافية ، وانما يجب إكمالها بالمعرفة التجريبية . فكلما اتسع تفتحنا للطبقات والاصناف المختلفة
فى المجتمع ، وكلما تحققت مشاركتنا فى الحياة الاجتماعية وفى مؤسساتها المختلفة ، كلما ازدادت ثقافتنا تأصلا وعمقا . فهؤلاء الذين يهذبون المعرفة النظرية بالتجربة ، والتجربة بالمعرفة النظرية ، هم المثقفون الحق فى نظر الكثيرين منا . ومن هنا نرى ان المعرفة عند المثقف ليست غاية فى حد ذاتها وانما هى طريق الى الحياة العملية ، والتاثير فيها ، والانتفاع منها والنفع بها فالمثقف رجل أميل الى الحياة العملية منه الى الاغراق فى الخيال والنظريات ونحن لا نعنى بذلك أنه يقبل الواقع قبولا مسلما ، وانما هو ياخذه على علاته ليحاول اصلاحه وخلقه من جديد ، بالاعتماد على معارفه وتجربته ، لكى يصل الى التكيف معه والتحكم فيه - الا ان هذا الوجه الاول للثقافة ليس بكاف فى نظر الكثيرين منا ، فلا بد للمثقف اذن من التخصص فى ميدان من ميادين العلوم يتقنه ، ويشارك فى تقدمه ، أو على الاقل فى افهامه . وبذلك يبتعد عن السطحية فى حياته ، وعن الانغلاق فى آرائه ، ويتسنى له فتح الافاق الجديدة الخصبة فى ميدان تخصصه وفى غيره من الميادين ، بالاعتماد على ما بين وجوه حياة الانسان من تشابه ، أو تخالف ، او تكامل .
لكن العلم والمعرفة مهما بلغ شأوهما عند الفرد ، فانهما لا يفيدانه شيئا فى هذا الميدان - اعنى الثقافة - ان لم يكن هذا المتعلم متخلقا . فهذا العالم الذى ان اخرجناه من تخصصه صار فى زمرة العميان لا يعد مثقفا ، وكذلك هذا الذي له من اتساع الافق فى ميدان المعرفة الحظ الاكبر ، لا يمكن ان نعده - فى استعمالنا اليومى - مثقفا ان كانت اخلاقه لا ترضى ضمائرنا - فالمثقف هو ذلك الذى يجمع بين المعرفة والاخلاق ، هذه الاخلاق التى يرتضيها الناس فى كل مكان وزمان . فهذا الذى يتكبر ، وهذا الذى يظلم ، وهذا الذى يعير لغيره وزنا . لا يدخل فى نظر الكثيرين منا فى زمرة المثقفين اذ ان هذه الاخلاق هى التى تصد صاحب الثقافة عن جلب المكاره لنفسه والشر لغيره , وتنتهى به الى الايمان بحق نفسه عليه ، وحق الناس على نفسه ، فيصبح العادل العاقل .
ومن مظاهر هذه الاخلاق ، الشعور بالمسؤولية بمعناها الاوسع ، فهو يشعر بانه مسؤول لا عن الوظيف الذى يقوم به ، اذ انه فى مثل هذه الحال مجبر على ذلك ، لكنه يؤمن بانه مسؤول عن الانسان فى نفسه أولا ، وفي مجتمعه ثانيا ، وفي غيره من بقاع الارض ايضا ، وهو الذي يحارب الظلم اينما كان , ويغيث المستضعفين اينما وجدوا ، ولا يؤمن بان حياته ناعمة ما دام هناك
من يرزح تحت اعباء الظلم والقهر ، والحاجة ، والمرض ، فى بلاده او اى بلاد من بلاد الله ، فيكون بذلك القدوة فى انارة الراى العام بسلوكه وافكاره ، وايمانه بحقوق الانسان كانسان ، والدفاع عنها بكل وسيلة . وهذا الضمير الحر الذي يدفع به إلى نيل الغايات الشريفة ، لا يجعله ينسى نصيبه من الدنيا ، فليست الثقافة قتلا للشهوات الطبيعية تقربا الى الله أو غيره من الآلهة ، وليست هى السير مع الهوى - ان ما يطلبه المثقف هو ان لا يكون لعبة لشهواته ، او عبدا لبعض الاتجاهات المتطرفة فى ميدان الديانة أو الفكر ، أو السلوك .
وهذه المشاركة الاجتماعية التى تعتمد على الافادة وترى انه لا خير فى حياة لا تفيد ، لا تنسينا ان علينا ان نبتدئ بانفسنا فنفيدها بعلمنا ، ونهذبها بما وجدنا من عبرة فى تجاربنا - فان كان العلم لا يتم الا بالعمل ، فان عنصر الافادة لا يتم هو ايضا الا بالبدء بالنفس - ويتضح لنا مما سبق ان غاية المثقف ليست هى ان لا تكون له غاية الا نفسه ، وانما الغاية عنده ان يربط عالم الافكار بعالم الواقع ، ويتخذ الممكن طريقا الى تحقيق اهدافه البعيدة ، فكلما توصل الى ممكن فتح له بابا لممكن آخر ، وهكذا دواليك الى ما لا نهاية له فى الطلب والنظر . بذلك تكون الحياة المتجددة ، وبذلك لا يقف المثقف فى معرفته ، وعمله لشخصه ولغيره ، عند غاية يمكن أن يعدها الغير حدا لاحد بعده . . وفي الواقع ان هذا التفتح هو روح الثقافة ، وما بقى من معارف وفنون ، وتجربة ، انما هو مادة هذه الثقافة لا غير .
وان كانت غايتنا من ذلك كله هى التكيف المستمر ، فنحن لا نعنى بذلك تكيف السوائم ، وانما نعنى به التكيف البصير بمواقع الخطا يصلحها ، وبمواطن الفساد يتجنبها وبطريقة السير الى الغايات يحققها تحقيقا يعتمد التدرج ، والتييز بين الصالح والطالح ، والتفطن الى ما يجب ازاحته ، وما يجب تقويمه فى هذه المسيرة الكبرى نحو مستقبل الانسان الكامل .
وان كانت الاخلاق طريقا الى هذا الانسان الكامل ، فانه لا يخفى على المثقفين ما للفنون الجميلة من دور فى تهذيب الذوق ، وفتح المدارك ، وتنمية الطاقات عند الانسان لكى يشعر بنفسه شعورا كاملا ، ويفكر فى شؤون الحياة تفكيرا عميقا ، لا يتسنى له لو اعتمد على التجربة اليومية وحدها ، فهذه الحياة اليومية هي المدرسة الاولى ، الا ان بها من التعقيد والتشعب ما يجعل المثقف يحيد عن طريق الوضوح ، والتفطن الى الغايات والاسباب البعيدة ان هو وقف
عند حد الاكتفاء بها - لذلك فهو يستعين بهذه الآثار الفنية الخالدة ليوضح ما كان غامضا ، ويجلو ما كان متشعبا ، للاستفادة منه فى معرفة نفسه ، ومعرفة النفس هي باب الحكمة كما يقولون ، ومن عرف نفسه فقد عرف قدره ، ومن عرف قدره استطاع افادة غيره عن دراية وتثبت - وهذه الفنون الجميلة ، فى نظر المثقف ، ليست الا وسيلة من وسائل الوصول الى المعرفة الحق ، معرفة النفس الانسانية وما تصبو اليه ، وما تنزوى عنه وترده وان كان العقل هو الراعي لكل ما يتصل بحياة المثقف ، فانه يؤمن بأن هذا العقل البحت لا يمكن له ان يقوم بكل وظيفة فى حياة الانسان - هو محدود فى قوته ، وهو محدود فى نتائجه ، وما اعتمدت الحياة يوما على العقل وحده ، وانما العقل هو عنصر من عناصر الحياة فقط ، وان كان فيها من أهم العناصر ، لذلك فان شخصيتنا لا تكتمل ان نحن اعتمدنا عليه وحده ، اذ الكل يعرف ان للمشاعر والمبول والغرائز الانسانية الدور الاكبر فى حياة البشرية منذ ان خلق الله الانسان - فهذه النزوات لا يوضحها الا الفن ، وهذه المشاعر لا يخلدها الا الادب ، وهذه الغرائز لا يجلو غوامضها الا الشعر . هكذا تكتمل التجربة وتتضح الاتجاهات الانسانية ، القارة والمتغيرة فى آن معا ، بحكم تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية بوجه عام . وبهذا تتضح ايضا روح النسبية التى يتميز بها المثقف فى نظرته الى الحياة نظرة تبتعد به عن التجريد المطلق ، وتربطه دائما بتاريخية الاشياء ، والمعاني ، والأوضاع ، ووجهات النظر فى كل فترة ومجتمع .
ومن معاني الثقافة فى مجتمعنا الحاضر ايضا التمدين ، ويعنون به الجرى وراء تحسين الحياة المادية ، والتذوق لما يجد فيها فى ميدان الملبس والماكل والمشرب والمسكن وفى ذلك جهاد لا ننكره ، وذوق لا يمكن التغاضى عنه ، وتسابق فى الاختراع والتنظيم لشؤون الحياة الظاهرة لا يجحد . وهذه المظاهر تعد فى بلادنا من مظاهر الطبقة الخاصة ، وهى عادة ما تكون - بحكم ظروفنا الاجتماعية والتاريخية - الطبقة المثقفة . فهؤلاء هم القادرون على التفنن فى حياتهم الخاصة ، والعامة ايضا فى بعض الاحيان ، وهؤلاء هم المتذوقون لما تجلبه المدنية الغربية اليهم من مظاهر تمتعية لا نجدها عند غيرهم فى بلادنا - ولئن كانوا لا ينكرون ما ورثوه عن مجتمعهم التونسى فى هذا الميدان من بعض التقاليد فى الماكل والمشرب ، وطريقة التحادث والتعامل اليومى ، فان الطابع الاجنبى كثيرا ما يظهر عند بعضهم ظهورا فاضحا يطمس من شخصيتهم ، وينقص من تميزهم كطبقة تنتمى الى مجتمع بذاته ، وتاريخ
بذاته - والكافة عندنا تعارض هذا الانحراف الذي يجعل من بعضهم عديمى العروق فلاهم اجانب ولا هم من الاهالي ، فتراهم يحسون بتذبذبهم هذا ، ويشعرون بغربتهم بين بنى اوطانهم ، فمنهم من يتالم لذلك وهم قلة ، ومنهم من يتمادى في عناده الى حد انكاره لمنبته ، وذويه ، وتاريخه ، فلا يرى فى قومه الا النقائص ، ولا يشهد لهم الا بالمخازى التى يختلقها لهم اختلاقا ، و يستنتج من ذلك ان الاجنبى هو الطهر ، وان الاهلى هو النجاسه والتخلف الاصيل ، الذي حكمت به الطبيعة ، وليس لحكم الطبيعة راد ، وقد يصل الغى ببعضهم إلى مفارقة الوطن فراقا لارجعة بعده - والملاحظ أن هذا الصنف بدأ يقل نظرا لما جد من حوادث تاريخية واجتماعية فى هذه البلدان التى تسمى بالمستضعفة ، سفهت الكثير من هذه النظريات المسبقة ، ودحضت الاغلب من هذه الافكار المبيتة .
فلا يمكن لنا اذن ان نتصور ثقافة اصيلة لا تنتمى الى مجتمع بعينه ، له تاريخه وتقاليده واوضاعه ولغته ، وحضارته ودينه . وما لم تتصل الثقافة اتصالا حذريا بهذا المجتمع ولغته ، وما يتبعهما من حضارة ، وتراث ، وواقع ، ومآل ، فانها تكون وصمة عار فى بعض الاحيان ، لانها تقود إذ ذاك الى مسخ الفرد ، وميوعته ، وذوبانه فيما هو بعيد كل البعد عما يتصل بذاتيته المميزة ، واندماجه في عالم حضاري غريب عنه كل الغربة ، ويبقى فى ذلك لاهؤلاء و لاهؤلاء فتنعدم شخصيته ، وتتعطل مواهب الحياة الكريمة فى نفسه ، ويشعر بالغثيان يقوده فى دوامة لا تنتهى ، الى العدم ، والجفاف ، والعقم ، وبذلك يكون كالزنبور فى جبح النحل العاملة المنتجة .
فواضح اذن ان المثقف الذي لا يعرف أصوله ، ولا يحدد ما يتصل بقومه من شخصية ، وواقع ، وحضارة وثقافة بين ما وصلت اليه الامم الاخرى فى هذه الميادين بعد أعمى ولو كثرت معارفه فيما لا يتصل بهذا الباب .
ومن البديهى لكل ذى عقل ان الثقافة وان كان التجدد المستمر من معانيها ، لا يعني الخلق من عدم ، او نكران الذات القومية فيما يتصل بالتراث الحضارى والفكرى ، والحياتى بوجه عام ، فليس هذا التراث الا التربة الخصبة التى تعين البذرة على الحياة والنمو الطبيعيين ، ومتى انعدمت هذه التربة الملائمة انعدمت الحياة للبذرة كائنة ما كانت من قوة ونفاذ ، وكذلك ان اخرجت هذه البذرة ل تربة غريبة عنها ، بعيدة عن المقومات الصالحة لنموها واكتمالها ، فانها
تذبل وتموت لامحالة ، أو انها تأتى بثمرة لا يستسيغها احد ، ولا يلتفت اليها انسان ، لانها فقدت كل ما يسمن ، وبدت فى مظهر اقرب الى الجفاف والموت والعقر منه الى مظهر يبعث على الانشراح والامل - ولا نعنى بذلك ان على المثقف ان يغلق بابه ، ويرتج نوافذه فيموت مختنقا فى محسبه هذا ، وانما الخير في التفتح ، الكامل المعتمد على التفطن لما لا يضر بالجوهر ، ولا يدوس الحرمة الذاتية ، ولا يمحو الاصالة المطلوبة - وبذلك يكون اللقاء المثمر والتجاوب المفيد ، والاستيحاء الخلاق ، والتكامل الذي يأخذ بعين النظر كل مفيد قار ، وبعد كل ما يقف حجر عثرة فى سبيل الفهم للمشاكل ، والوعى للذات الشخصية والقومية وعيا يبعد عن التعصب الاعمى ، والمسخ المقيت .
ولو سألت الناس فى بلادنا عن من هم المثقفون لأجابوك بأجوبة لها معناها . فهم يخصصون الثقافة بصنف من اصناف المجتمع المعروفة . فالمثقف فى نظرهم هو صاحب الوظيف السامى عادة او حامل الشهادات العليا فى الاغلب وكانهم يتعامون عمن نسميهم بالمنتجين للثقافة ، فهم قد تفطنوا الى اصحاب الوظائف المختلفة فى التعليم ، والقضاء ، والادارة ، والصناعة ، والمهن الحرة ولم يتفطنوا الى هؤلاء الذين يخلقون ما نسميه بالتراث الثقافي ، فعندهم ان الطبيب والمحامي ، والاستاذ ، والمهندس ، مثقفون لانهم عادة ما يجمعون فى انفسهم ، هذه الخاصيات التى اشرنا اليها منذ بداية هذا الحديث ( او هكذا يظنون ) ، بينما هم يرون ان هؤلاء الكتاب والشعراء بالاخص ، والمنتجين للموسيقى ، والرقص وغيرهما من الفنون الجميلة ، من الممكن بل هو من الاغلب فى مجتمعنا ، أن تكون ثقافتهم بسيطة ، وان تكون معارفهم محدودة ، فليسوا هم من حملة الشهادات العليا أو ذوى الوظائف السامية ، وعادة ما تكون اخلاقهم لا تتميز بهذه الميزات التى اشرنا اليها عند المثقف ، فى زعمهم . وكاننا نرى أنهم ينظرون الى الثقافة ككل لا يتجزأ إن نحن أغفلنا عنصرا من عناصره فاننا نكون قد مسخناه وشوهناه وابعدناه عما خلق له ، الا ترى انهم يخرجون بعض المنتجين للآثار الثقافية من زمرة المثقفين ، والرأى عندهم أن ما ينتجه هؤلاء من تراث ، يستفيد منه المثقف ، ولكن ذلك لا يعنى ، ان هذا الروائى الناجح ، او هذا الشاعر المجيد ، يدخلان حتما فى صنف المثقفين بالاعتماد على هذا الانتاج وحده . فالثقافة ، فى نظرهم ، هي قبل كل شئ ميزات فكرية ، واخلاقية عامة تتصل بشخص المثقف ، وسلوكه ، وطريقة عيشه وسط ظروف الحياة المتغيرة أكثر من أن تكون انتاجا لا نعتمد فى نقده على ما يتصل بحياة
صاحبه الشخصية - فللكاتب او الشاعر او الموسيقار ان يكون ملاكا اذا شاء أو أن يكون رجيما اذا أراد . فحياته الشخصية لا أثر لها يذكر فى تقييم ما أنتجه من فن ، بينما تراهم يحاسبون المثقف على ما بدر منه فى حياته الخاصة و العامة ، وينتقدونه بالاعتماد على ما ظهر منه فى هذه الحياة فعلا لا تخمينا ، وهو مطالب أمامهم بتبرير موقفه وتعزيز اتجاهه ان اراد ان ينجو من سهام نقدهم وانتقادهم .
وفى الختام يمكن القول ان الثقافة ليست شيئا موجودا مرة واحدة ، من الممكن لكل فرد ان يجده بين دفتى كتاب فيحفظه ويدرسه ، ويدعى من ثم انه وصل الى ما يبتغيه من ثقافة فما ذلك الا الوجه المزيف للثقافة التى يظن البعض انها الحفظ لبعض المعلومات ، والاطلاع على بعض الكتب ، والسكوت بعدها عن كل ما جد فى ميادين الحياة المختلفة ، والادعاء غرورا بأن كل ما لا يتصل بها ليس من الثقافة فى شىء - فالثقافة اذن هى خلق متجدد ، وغاية منشودة لا يمكن ان نصل فيها الى حد ، وكلما ظننا اننا اقتربنا من الهدف بعد عنا الهدف ، وهكذا دواليك الى آخر الحياة . وكل واقف فالى نقصان أقرب ، وكل قانع فبالجمود أحق ، وما الثقافة الحق الا هذه الروح المتطلعة دائما الى التجديد والتجدد فى ميادين الحياة المختلفة ، لانها ترى أن كل حياة فى الحقل العام او الخاص لا تضطرم فى احشائها هذه النار المقدسة ، لا تكون لها فائدة ، وانما هي لصاحبها كالاسفار يحملها الحمار ، تزيد من عنائه وتفسد عليه عيشه بوزرها كلما ازداد الطريق طولا - وما روح البحث الدائبة ، وجذوة الاستزادة من المعرفة والعبرة ، القارة فى النفس الا نور يقذفه الله فى قلوب بعض عباده ، فذلك هو الواقع وذلك هو الاصل .
