الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

في تحوير التعليم

Share

كاتب هذه الاسطر * ( ممن طالب بتحوير التعليم منذ سنوات وتقدم الى ذوى الحل والعقد بدراسات فى ذلك بعضها قد نشرته المنظمات النقابية التونسية وبعضها بقى فى الملفات تقارير فنية لم يطلع عليها الا المسؤولون . وقد اتيح

له اخيرا المشاركة اليومية فى وضع البرامج وتخطيط المناهج ، واشرافه على جزء كبير من تلك الاعمال تتصل به مسؤولية فنية لم يفكر فى التفصى منها ، ومعنى ذلك ان رأيه فيما تم من تحوير قد وقع الادلاء به فى طور البحث والدرس والتحضير ، فلا داعى آلى بسطه من جديد في مقال يضيق عن البراهين الفنية وعن التفاصيل اللازمة فى ميدان لا يكتفى فيه بالاجمال ( 1 ) ، وهو مع ذلك لا يريد ان يتقدم باحتجاج لما تم او بضرب من الدفاع اذ يرى ان احسن الادلة على الاصابة فى هذا الميدان انما هو نجاح المناهج المسطرة وبلوغ النتائج

المرجوة ، وتلك النتائج لن تظهر الا بعد سنوات عند ما يتم تخريج الاجيال التى تزاول الآن تعلمها فى المدارس الابتدائية ، هذا مع التنبيه الى ان التعليم يعتمد قبل البرامج على كفاءة المعلمين وقدرتهم على بعث المواهب والملكات  الكامنة فى تلامذتهم

لكن ان بدا اليوم من الصعب الحكم بصورة باتة فى التفاصيل الفنية فان للتحوير الاخير اصولا يبدو من المفيد ايضاحها لانها تحتجب احيانا عن الباحثين فى حاضر تعليمنا .

واول ما ينبغى ادراكه فى هذا الصدد ان مشاكل التعليم ليست فنية صرفة بل هى متصلة  بالثقافة القومية اى بوضع الامة وباتجاهها او فى عبارة اخرى يجب ان يتفق التعليم مع حاضر الامة بما فيه من آثار الماضى ومن تكييف للمستقبل

ويبدو لنا ان الامة التونسية لها اليوم نظرة الى الماضى والحاضر والمستقبل وتوافق ما قلناه عند ما تعرضنا لدراسة التاريخ وملخص ذلك ان الحاضر  انما هو صدى لماض زاخر بافراح الانسان واتراحه ومجهوداته وآلامه ، وان التاريخ يساعد الانسان على ان يعيش فى حاضره مفكرا فى المستقبل مشاركا فى تكييف ذلك المستقبل ضاما مجهوداته وافراحه وآلامه الى مجهودات مواطنيه  وافراحهم وآلامهم والى مجهودات بني الانسان جميعهم فيكون فهمه  لتحول الزمان ولتطور أمته وتطور الانسانية فهم الانسان العامل الناشط وينمو شعوره الوطني ووعيه المدنى مسايرين لنمو شخصيته وبذلك يسلم من التعصب والتطرف

وعندى ان هذه النظرة الى الماضى واحترامه والى الحاضر وواجباته يجب ان نحافظ عليها وان نؤيدها وندعمها حتى تزداد سعة وفاعلية وينبغى ان نربى الشباب على الاستفادة منها لانها وحدها الكفيلة ببعث النشاط والاقبال على العمل والرغبة فى التقدم ، ولا يجوز لامة ما فى اى طور من اطوار حياتها . وخاصة فى المرحلة التى تقتطعها اليوم أمتنا - ان تكتفى بفخر الآباء والاجداد وان تعرض عن مستقبلها فتبدو بين الامم مولية متقهقرة

والطامة الكبرى والبلية العظمى ان تكون الامة " متخلفة " اقتصاديا واجتماعيا وان يثقلها مع ذلك عن السير الشيخوخة وذكريات الماضى

ومن اوكد ما يمليه حاضر الامة الاهتمام البالغ بنشر التعليم وتعميمه لاتصال ذلك التعميم بوضع الدولة الديمقراطية ولانه شرط اساسي لبلوغ ما نصبو اليه من ازدهار اقتصادى واجتماعى ، فتأكد هذا التعميم هو قرين تأكد المشاريع الاقتصادية اى ان جميع ذلك ينبغى انجازه فى اقرب الآجال بالامكانيات المالية التى لدينا فلا فى الميدان التعليمي ولا في الميدان الاقتصادى يمكن التراخى او يجوز التبذير

وان كان لا بد من اعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية فى بناء هيكل تعليمنا وفى الخطط التى نرسمها لتعليمه فالغايات التى نرمى اليها تملي ان يكون التعليم فى هذا الوطن عصريا فعالا يعيننا على طي المراحل طيا حتى نحقق الازدهار ورفع المستوى الفكرى والمادى فى اقرب الآجال

وذلك ما ادى الى الاهتمام بالعلوم العصرية وافساح المجال للفنون الحديثة والحرص على تمكين جميع المواهب من النمو على اختلافها وتباينها ، فاتجهت البرامج بفروعها الى موافقة تنوع الكفاءات والميول مع المحافظة التامة على وحدة الاتجاه ، وهي بذلك تضع اسس المجتمع الذي نرتضيه وهو لا يقع التفريق ولا التمييز بين افراده وان اختلفت المهن ومبادئ النشاط طبقا لاختلاف المواهب ولتنوع المصالح الاجتماعية

والتعليم الصالح هو الذى يحافظ على كيان الامة ووحدتها ويهئ لها مع ذلك الكفاءات التى تحتاج اليها فى جميع الميادين ويقي الافراد من الشلل  الناتج عن الجهل وعن عدم اتفاق المناهج مع المواهب

وما البرامج الا خطط نحاول بها اضاءة السبل ، والتعليم قبل ذلك وبعده نشاط بشرى جماعى ، النجاح فيه مناط بمجهودات المربين وبرعاية الامة لتلك المجهودات .

اشترك في نشرتنا البريدية