للاشهر الاولى من الحياة بل للاعوام الاولى منها اهمية مصيرية لها كل التاثير على تفتح الفرد ، فالطفل يتطور فى السنوات الخمس الاولى من حياته أكثر مما يتطور فى العشر أو الخمس عشرة سنة الموالية . وتمثل المسافة التى يقطعها فيما بين السنة الثالثة والسنة السادسة من العمر مرحلة بالغة الاهمية الى حد ان الاستاذ ( زازو ) يرى فيها : عظمة وجسامة فترة جيلوجية كاملة . لان الطفل وهو فى السنة الثالثة يكون فى مرحلة وسط بين الرضيع والانسان الراشد . اما المفكر بيفى فهو يردد بعد " روسو " : وقبل يباجى بانه فى السنة الخامسة من عمر الطفل يكون كل شئ قد حصل .
وفى هذا التطور بالذات تنجم وظائف يتحتم استخدامها حتى لا تتقلص تضمحل فمنذ الولادة يكون الطفل حاملا لامكانات عدة . فيجئ ومعه ذخيرة تتوق الى التفتح والنمو . لذلك تجدر اعانته على اعادة تفكيره لاثارة ما يقدره على الحركة والملاحظة والحكم ، اى باثارة كل الامكانات التى يحملها فى ذاته والتى اذا ما اكتمل نموها تساعده على توطيد حياته كراشد ولهذا يقال :
ان المرء يبنى حياة الرشد فى الفترة التى تتراوح بين الصفر والسبع سنوات .
ثم ان تطور الطفل لا يشبه نمو النبات . فهو تطور يتم وسط الآخرين . فالطفل الذى يكون متصلا بانداده ينمو ويتفتح بصورة اتم من الذى يبقى
محبوسا فى وسطه العائلى حيث لا يلتقى الا بعدد قليل من انداده أو هو لا يلتقى بهم بالمرة .
ثم ان مستوى افصاحه يكون رهين مستوى افصاح الاسرة . اما تشوفه الفكرى فيكون على مقدار تشوف العائلة . ففى هذه الظروف تتسبب الفروق الوجدانية والاجتماعية ، من اسرة الى اخرى ، فى عدم مساواة الحظوظ .
وحين يجئ ابان دخول المدرسة الابتدائية يلاحظ وجود فارق سنة بأكملها بين الاطفال المعوزين والاطفال المحظوظين ويزداد هذا الفارق أستفحالا بمر الايام . فكيف يمكن الحديث عن الديمقراطية الحق فى مجال التربية والتعليم ان كانت تنشأ مثل هذه العكسيات فى سنة جد مبكرة ؟ ! على انه ينبغى ألا ننسى ان تأثير الاسرة فى الاوساط المحظوظة ليس دوما تأثيرا سعيدا من حيث التفكير كما يخطر لبعضهم ، فكم من ابناء مدللين أصبحوا لا شئ : وبعد أو لم توجد أسر تكون فى الآن نفسه محظوظة وعديمة الثقافة ؟ أو لم يوجد أولياء مثقفون ومع ذلك غير عابئين بدراسة اطفالهم ؟ . ثم الم تبرز تجربة المعاهد الثانوية ان التلاميذ الاكثر حظوة هم الذين يكونون من اوساط متواضعة لها شغف بالتعلم والدراسة ؟ .
على انه اذا ما قارنا اطفال الاوساط المعوزة بغيرهم من الاوساط المحظوظة المثقفة نجد هؤلاء يحققون الاعمال والالعاب فى المدرسة بصورة اتم واكثر اطمئنانا من الاخرين الذين يكونون اكثر خجلا ويشعرون اكثر من غيرهم بواعز الوحشية . وبالفعل فان اطفال الاوساط المثقفة قد برهنوا على تفوقهم مدة بداية تعلم القراءة والكتابة والحساب وذلك بفضل معونة الاسرة .
ثم ان عدم النجاح بالمدرسة الابتدائية يعزى اساسا الى ظروف التعلم السائدة فيها ، كما يعزى الى الطرق وكفاءة المعلمين وبالخصوص الى الصورة السريعة التى تعلم بها القراءة اعتمادا على المنافسة بين الاطفال . فان ثلاثين بالمائة من المستمرين يكونون قد قرروا مصيرهم الدراسى نهائيا بالسنة الاولى من التعليم الابتدائى . واذا ما بسطنا الامور قلنا : إن الاطفال الذين يتقدمون لدخول المدرسة الابتدائية ينتمون عادة الى فيئتين .
- وفئة قليلة العدد من الاطفال المحظوظين يجدون لدى أسرهم سندا وجدانيا ولفظيا يتيح لهم الانتفاع بما يقدم لهم من تعليم .
- وفئة كثيرة العدد من الاطفال مكبلين ومعوقين من جراء المستوى الضئيل الذى تتمتع به اسرهم ثقافيا . فيصبح من الاكيد أو الاوكد القيام بعمل جد مبكر يكون " تعويضا " ومحاولة للتخفيف من عدم المساواة الناشئة من الظروف اللغوية والاجتماعية والثقافية والوجدانية التى لها دورها فى السنوات الاولى من الحياة والتى قد لا تكون مواتية لنمو افصاح الطفل وبناء شخصيته .
رياض الاطفال للجميع :
من البديهى والمتعارف ان رياض الاطفال ضرورية لتفتح الصبى . لذا يفضل ان ينتفع بها اكثر عدد ممكن من الاطفال ولا سيما الذين يكونون فى اشد الحاجة إلى ذلك : اى الاطفال الذين يكونون فى بيئات اجتماعية وثقافية غير محظوظة .
فالمهم - فى رأيى - وقد امكننا ترسيم كافة الاطفال الذين تبلغ سنهم العاشرة ان تبادر باحداث رياض للاطفال فى كل مكان من الجمهورية فلقد كانت روضة الاطفال تعتبر بادئ ذى بدء مكان حراسة متسم بسمة اجتماعية بحت لانها تمد يد المساعدة للامهات اللواتى يعملن خارج منازلهن . اما اليوم فلقد نمت الوظيفة التربوية للروضة الى حد انه اطلق عليها اسم " التربية ما قبل الدراسة " .
والتربية بالروضة ترتكز على الذات . فهى تهتم فى زمن مبكر جدا بمصير كل طفل كفرد ، لتعينه على السمو فى حياته الغذائية ولتعينه على انماء طاقاته ومؤهلاته التى ستتيح له فيما بعد تسيير نفسه بنفسه . ولكن ما هى المقاصد التى تهدف اليها رياض الاطفال ، ومدارس الامومة ؟
هناك خمسة مقاصد هامة تهدف إليها تربية ما قبل الدراسة 1) انها تهدف الى تحقيق الانتقال من طور الطفولة . 2) انها تهدف الى انماء اقتدار التعبير لدى الطفل . 3) انها تهدف الى تكييفه اجتماعيا وفكريا .
4) انها تعده لما ينتظره بالمدرسة الابتدائية من دروس دون ان تقوم بارغامه على تعلم مضبوط ، لكن بانماء وظائف تكون دعامة لهذه الاعمال : كالاقتدار على تنظيم الفضاء والزمن .
5) انها تهدف ايضا الى البحث عن بوادر كل خلل وكل العراقيل التى تكبل بعض الاطفال ، فلا بد اذن من ان تكتشف العوائق مبكرا حتى يصبح الاهتمام بالعلاج المبكر ممكنا عوض التدخل بعد استفحال الامر .
ونظرا لكونها تهتم بتلبية رغبات الصبيان المادية والوجدانية والفزيلوجية والحسية الحركية وتهتم بحاجتهم الى التعبير والابتكار والخلق وتبليغ الاراء والاكتشاف من مختلف ما تقدمه من انشطة توفقها حسب طاقة واقتدار كل صبي ، فان الروضة تتوخى الطرق النشطة التى ترمى الى تنشيط الطفل واقتداره على التبليغ . فهى تحرص فى جو ملؤه الابتهاج والمرح والاطمئنان على ايقاظ وظائف شتى تكون فى حالة سبات وهى تثير محاولة التفكير والشعور كما تثير الحاجة الى التعبير . فان جميع ما يقوم به الصبية من حركات : ألعابا كانت أو رياضة بدنية ، أو اشغالا يدوية أو افصاحا أو نشيدا انما تشكل فى واقع الامر نماذج مختلفة من التعبير وانماطا خاصة من الافصاح .
ترك المجال للحركة ومفعول ذلك على النفس :
ان الطفل ميال الى الحركة ، فهو ينفق من طاقته بلا هوادة . ذلك انه يلذ له العيش فى نشاط دائب ثم انه يكون فى حاجة الى اكتساب مزيد الرشاقة ومزيد الحرية ومزيد الدقة والاتزان حتى يمكنه فى السادسة من عمره التحكم فى الحركة التى ستفتح له ابواب التعلم المدرسى وفى تلك الظروف بالذات بتبلور لدى الصبى الرسم المبسط للجسم وهو عبارة عن الصورة التى يتمثلها الصبى لجسمه أما هذه الصورة التى يحملها فى داخله فهى التى تتيح له ادراك ذاته فى الفضاء . وتعتمد الروضة كذلك اهتمام الطفل بجسده لتحمله على القيام بتجارب يتدرج فيها حسيا : كأن يسعى أن يقفز أو يتسلق أو يتدرج على الارض أو يقف فى اتزان . . الى آخره . فان كل هذه الانشطة التى تنمى المادة والمرونة والتحكم فى الحركة ستكون فيما بعد منطلقا للتعبير عما يدركه الجسم وللترجمة عنه بالكلام والكتابة بحيث يكون التطور من " الادراك والنشاط " الى الافصاح والتصور عن طريق الرسم .
فباكتشافه لجسمه والتحكم فيه يتدرج الطفل نحو مكتسبات زمانية . فضائية تعينه على تحقيق هويته الجسمية اذ سيكون جسمه دعامة لبناء شخصيته .
اللعب والنشاط البدنى :
ليس هناك نشاط اكثر تلقائية واقرب من الغريزة وبالتالى ادعى للتعبير من اللعب اذ يلبى اللعب حاجة فى الطفل حيوية وملحة . ونظرا لكون الطفل يشكل امرا بالقوة سيتحقق بالفعل فيما بعد ، فانه يكون فى شديد الحاجة الى الحركة . فالطفل الذى لا يلعب انما هو مريض او ان شئت محبط ومعطل من قبل الانسان الراشد . فانما يسلط عليه من عدم الحراك انما هو أمر مناقض لطبيعته ولقد قيل : إن الطفل أبو الانسان الراشد . فمنذ نعومة اظفاره يميل الى الاقتداء بالكبار ، فتراه يحاول تقليد اوليائه عن طريق احسن وسيلة لديه ، اى اللعب ، وعن طريق تعويض امكانياته البدنية الضعيفة بخيال متسع الارجاء .
ان اللعب بالنسبة الى الطفل لا يعنى النشاط السطحى ذلك انه بواسطته يكتشف ذاته وإمكاناته وبالتالى يكتشف الصعوبة فلا يجوز اذن اعتبار اللعب كجزاء لاعداد مدرسية ممتازة . فهو لدى الطفل ضرورى كضرورة الحنان والعطف .
وقد يمزج اللعب بالتمارين الايقاعية التى تنمى وثوق الحركات فى الزمن والفضاء لان الايقاع انما يعنى نشاطا وحركية منظمة وهو يعنى ايضا تحكما عضليا وبالتالى تربية للارادة وضبطا للنفس وشعورا بالتعاون .
ان اللعب لدى الطفل ، اذا كان تلقائيا ، يحتل مكانة مرموقة بالروضة . فالمهارة والحذق بالنسبة الى المربى هو التدخل بكل تكتم فى لعب الطفل للاشارة إلى حركات تعين على نمو القوى الناشئة ذلك ان الطفل الذى يجرى ويقفز ويتسلق تلقائيا فى غير كلل قد يأخذ فى البكاء حين نضطره الى القيام بنفس النشاط ولا يجوز الحديث عن ذلك الالتزام الشخصى وتلك القوة المرحة اللتين تتألف منهما الحركية الباطنة لدى كل طفل ولا يجوز الحديث عن تربية الحركة ما لم نقم وزنا للتلقائية والحرية اللتين تطبعان اللعب الحركى بطابعهما .
وليس تعنى حرية اللعب الفوضى والصخب لان اللعب له قواعده الضمنية وقوانينه المحددة من قبل التقليد والمحترمة لدى الطفل . ولئن كان الراشد الكهل يراوغ ويزور الامور فالصبى لا يراوغ ولا يزور . وما برنامج الروضة سوى ان تمنح الثقة للطفل وان تترك له مجال المبادرة وان تشجعه على الحركة والعمل والتعبير الحر .
فان هذا البرنامج يمنح الصحة والمرح وينمى الاقتدار على الخلق وروح الملاحظة كما ينمى الحكم والحافظة ويتيح بلورة طبع الطفل .
التصوير والاشغال اليدوية :
ينتمى التصوير والاشغال اليدوية الى انشطة الطفل التعبيرية فهو يكتسب مفهومى اللون والقالب ويتعلم الافصاح عما كان يعبر عنه بالتصوير والايماء والاشارة .
وتقول الآنسة سورجان المختصة الكبيرة فى رياض الاطفال والتى كانت قد ادارت ترشيح المعلمات بتونس منذ 50 سنة خلت : " ان الاطفال يتوقون دوما الى صنع أشياء بأيديهم وبواسطة أدوات الكلام والالفاظ وبالجسم بأسره حين يجرى الاطفال ويرقصون ، فهم يتوقون الى صنع اشياء يعبرون بها عن ذواتهم ذلك الصنع المتسم بطابع التحويل الذى يطوق الطفل الى القيام به انما يمنحه الابتهاج ويعينه على فرض ذاته ويبين لديه سلطانه على الاشياء . فهو بمثابة المنبه لتربيته الاخلاقية والجمالية ، المثير لنشاطه الفكرى وهذا البيداغوجى الكبير هوبارت يقول :
" يمكن القول بان اليد مثل الدماغ هى عضو للتفكير ، وان تربية اليد تعتبر أكثر من تربية الحواس تربية للذكاء " فان التأثير على المادة يجند كل وظائف الذكاء ، فباستعماله وبتحويره للمواد يكتشف الطفل مميزاتها كما يكتشف مميزات الاشياء . . فهو يكتشف اشكالها وابعادها وصلابتها ووزنها الى آخره . وهو كذلك يكتشف العلاقات التى تكون بين الاشياء ( من حيث الوضع والاتجاه بالخصوص ) مكتسبا بذلك ، مفهومى الاتزان والفضاء .
ومما تجدر ملاحظته ان تشوفه يكون دوما فى يقظة وانتباه فهو يتوق الى المعرفة سائلا :
كيف صنع هذا ؟ لم هو هكذا ؟ ماذا فى وسطه ؟ واخيرا فهو فى حاجة الى ان يبتكر لذا نراه يبذل مجهود التفكير ومجهود الاختيار .
ان لتمارين التجسيم بالصلصال اهمية كبيرة بين مختلف التمارين التى تهتم بصنع الاشياء . انها هامة لانها قابلة اكثر من غيرها الى الاتسام بفردية الطفل وشخصيته ثم ان ممارسة الطين والتراب امر طبيعى بالنسبة الى الطفل كما هو طبيعى بالنسبة الى المؤهلات البدائية . فهو يتيح له منح قالب و حقيقة للمخلوقات الغربية التى تغذى احلامه . وعلى قدر استجابة وطاعة اليد فى ممارسة المواد والادوات تجده قادرا ، انطلاقا من ذكرياته وملاحظاته على خلق كائنات ينفث فيها الحياة حسب مشروع ما ينفك يعيده ويحوره . فهو يشعر حينذاك بابتهاج منقطع النظير وربما بابتهاج الفنان فى اوج حقيقته . وبما ان اليد هى مدخل الذكاء فانه يترتب عن كل ذلك تقدم فى الافصاح واللغة .
وهكذا يتبين لنا ان للعمل اليدوى قمة تحريرية وتربوية مثيرة تجعله يحتل المكانة المرموقة بروضة الاطفال حيث تنشأ مفاهيم جوهرية ( كمفهومى الزمان والفضاء ) يستغلها الطفل فيما بعد ابان التعليم الفكرى .
تمارين الملاحظة :
لتنمية الخيال علاقة بالتربية بأسرها . اما دافع المساهمة فى هذه التنمية وهو يكسب طرق التربية بالروضة اتجاها معينا . ومما تجدر ملاحظته ان تمارين الملاحظة هى التى تزود خيال الطفل بالغذاء النافع الاكثر استعمالا فهى تمد الطفل بصور حقيقية . ذلك انه متى ازدادت هذه الصور اثراء تركت المزيد من الذكريات والمزيد من الامكانيات التى يستخدمها فى بناءاته الخيالية . ويبدو مما تقدم ان الروضة فى نفس الوقت الذى تمكن فيه الصبى من الواقع تعده للتحرر من هذا الواقع . والانطلاق نحو الواقع .
وبالطبع فليست هناك معرفة انفس من التى تدخل الصبى فى معرفة الطبيعة الدقيقة وفى عالم الخيال فيما وراء عالم الواقع فالاطفال يبنون عالمهم الخاص انطلاقا من معلومات صحيحة وبواسطة الاحجار المتناثرة بحافظتهم .
الكلام : يبدو الكلام للطفل كاداة عجيبة تفتح له عالم الراشدين وكسلطان يعينه على تحقيق ذاته . فهو يتيح له النشاط المجرد لا سيما حين تستقل المفردات
بذاتها وتصبح غير لاصقة بالشئ المدلول بحيث تعوض تدريجيا الشئ والوضعية ، والتجربة .
ثم ان ارتقاء الصبى الى مستوى الكلام انما هو تكيف اجتماعى لا يتم الا بتأثير الوسط وبمشاركة الطفل التامة . فهو مجهود تساهم فيه انفعالاته ومبادراته وارادته وذكاؤه .
وما الروضة الا بيئة تيسر نمو الكلام بالدرجة الاولى فهى تتيح فرصا للحديث واسبابا ودوافع كما تقدم له مادة تتجسم فى المفردات والقوالب النحوية . فان ذلك " الاستحمام من الكلام " الذى يدعى الطفل اليه انما هو ميسر لتعلمه لانه يكون كمن يتشبع منه ويروى .
والطفل يعبر عن مختلف شواهد الحياة اذ يهمه كل ما هو نشاط وتحول وحركة . اما الروضة فهى ترغب فى الانشطة الحرة وتحفز على الكلام مدمجة الطفل فى نفس الوقت :
- ضمن الفضاء ، باكسابه مفاهيم ابتدائية لها علاقة بالاوضاع النسبية كاليمين واليسار ، والامام والخلف الى آخره . . ) - ضمن الزمن باستخدام ذكريات الطفل . - ضمن مجتمع يتوسع اكثر فاكثر وذلك باللجوء الى العاب تضطر الطفل الى التوجه نحو الآخرين والى اعتبارهم .
هذا ومن بين المواضيع التى تلهم تمارين الكلام هذه نجد الحكاية التى بها تكون ساعة سعادة الطفل ، حيث يترقبها بفارغ صبر والتى لها مفعول كبير على تقدير قيمة الصمت أحسن تقدير لضرورة المطالبة به قبل الشروع فى القصة . فان هذا الصمت انما هو بمثابة التمرن لانه يعلم الصبى الانصات ويكسبه الانتباه الضرورى المطلوب فى كل عمل ذكى .
وبالاضافة الى ما تزود به الطفل من مفردات جديدة تثرى رصيده اللغوى فالقصص الجميلة التى تحكيها الروضة تأتى بعالم منعتق لكن يتضمن اقساطا لا بأس بها من عناصر الواقع لكنه يتضمن قسطا لا بأس به من عناصر الواقع المجرب الذى يتيح للطفل - دون بذل جهد - الانطلاق نحو " عوالم أخرى " .
هذا ولئن كانت القصص ما زالت بعد مرور آلاف السنين ، على قيد الحياة ، تشد الطفل اليها شدا ، لانها تغذى خياله وبذلك تمنحه القدرة على الانفلات من ربقة الواقع وهو أمر ضرورى .
وحتى نعلمه الكلام ونرتقى به الى الافصاح البين والسرد الشفاهى المنظم نحويا ، تدعو الروضة الطفل الى التعبير بمفرده . فهى تثيره ليعبر تلقائيا لا بالاجابة عن اسئلة فحسب لكن بتعويده ابداء الراى الامر الذى يستوجب بيداغوجيا أن نهتم بالطفل ضمن اقسام يكون عدد الاطفال فيها قليلا وتناط عهدتها بمربين اكفاء .
وفعلا فان كثرة العدد تميت البيداغوجيا وتثير المهاجمة . ففى كثرة عدد الاطفال ازداد اضطرار المربى الى التصلب والسيطرة .
فان الارهاق والتوتر الناشئين عن صخب عدد كبير من التلاميذ لا يتبحان التقدم المرجو ولا يمكنان من تقديم نموذج للراشد يطمئن اليه فى حين ان حمل صورة للراشد جيدة لها اهمية عظمى فى ذلك الطور من عمر الطفل .
الموسيقى :
شبهت الروضة بعش تزقزق به العصافير طيلة النهار فان الموسيقى تنصهر تمام الانصهار مع كل نوع من الانشطة ان الاطفال يترنمون للترنم . لكن ايضا للمشى واللعب والحساب . فالنشيد يمازج كل هذه التمارين . فهو يتمم حصة الافصاح ويوضح الحساب ويدير حصة الاناشيد الايقاعية والالعاب والرقصات . وهو يصاحب حصص الرسم والنحت والتصوير ويشرف على العودة الى الهدوء ، فكل موسيقى فى هذه المدينة الصغيرة المترنمة - حيث تعود الفنون الى ينبوعها - متقمصة روح الطفولة التى تنشد بواسطتها التعبير عن ذاتها .
وليست المسالة فى تعليم ايقاعات مفروضة . وانما فى ترك الرغبة الى التبليغ تتجلى فى حركات تلقائية للجسد كله . أوليست الموسيقى فى كنهها والشعر والرقص فى كافة البلدان ، انماطا من التعبير تتجلى فيها روح الانسان ؟ .
القراءة والحساب وروضة الاطفال :
لا تهدف الروضة الى " تعليم القراءة " كما أنها لا تهدف الى تعليم الحساب " فانها لا ترمى الى اى مقصد تعليمى " اذ ليس لها برنامج وليس لها أى غرض تبلغ اليه فى زمن محدود . فان مشاغلها الاساسية تنحصر فى اكتساب الاطفال جملة من العادات الفكرية . وفى تدريبهم على الادراك والتفكر والمقارنة والاكتشاف حتى يمكن ، اذا ما جاء الابان ، تقبل المعلومات الاساسية . فهى تتوق الى منح الطفل مبادئ معرفة المكتوب فى بيئة واقعية حيث لا تكون القراءة كمادة منعزلة ، لكن كنشاط له شديد الوثوق بالحياة فى الفصل . فان العمل ينظم انطلاقا من اهتمامات الاطفال وامكاناتهم اذ هم ، باستثناء البعض ، لم يبلغوا بعد السن الذهبية للقراءة .
ثم ان اكتساب القراءة لا يحصل عن طريق تمارين آلية . فلا بد من ان يدلى الصبى بحاجته ورغبته الى القراءة . وقد اصبح يقيم وزنا للرمز " الدال على المعنى " الكفيل بتكوين مجموعة من الاختلاجات فى نفس الطفل شبيهة بالتى يشعر بها وسط الحياة .
ولئن كان التدريب على القراءة منحصرا فى مبادرة للتعلم او فى تعلم يكون قبل اوانه ، متسرعا وحسب تقنيات تقليدية . فالاجدر ان يحكم على هذا التعلم بعدم النجاح لان التلاميذ الذين يقاسون هذا الويل سيبارحون الروضة وفى أذهانهم صورة مبهمة عن القراءة ، كونها ليست من قبل جنات عدن الموصوفة بل من قبل الويل الذى تسبب لهم فى مقاساة الوان من اللوم والتوبيخ والتهديد ادى بهم فى النهاية الى خيبة سيعسر معها اعادة تجربة مماثلة ، ويا للاسف ! بالسنة الاولى من التعليم الابتدائى . فان المبادرة الحق بالتدريب على القراءة لا تكون ممكنة الا اذا ما كانت تسير بتأن وحذر معدلة تدرجها مع التطور التلقائى لاذهان الاطفال الذين يكونون قد بلغوا بحق النضج المطلوب .
أما تعليم الحساب فى الروضة فلا يدعو الشان فيه الى تدريب الاطفال على العد . فذلك دور المدرسة الابتدائية فيما بعد . بيد انه لا ينبغى ترك الوقت الذى يبدأ فيه الطفل يهتم بالاعداد يمر دون استثمار .
ان اول اتصال بالاعداد يكون اثناء حياة الاطفال ، فمن الواجب اذن الربط بين عملية بدء الحساب والاحداث اليومية . ان الاعداد هى فى أول الامر صفات متعلقة بمجموعات من الاشياء ، فى حين ان العمليات هى افعال مسلطة
على المجموعات ، وتصبح الاعداد والعمليات مواضيع للنظر العقلى المجرد الا فيما بعد أى فى وقت متأخر ، ومتأخر جدا ، تتيحها الحياة اليومية فى الفصل وخارجه هى التى تمنح الطفل المعرفة الاولى للاعداد والاهتمام بالعمليات . بعيش الاطفال فى المدرسة متجمعين مع بعضهم البعض ومن الجائز ان يولد تجمعهم فرصا عديدة تسمح بالتعبير عن الملاحظة المنجزة او العمل الحاصل تعبيرا عدديا ثم ان الحياة الخارجية التى تدخل الفصل دخولا واسعا ، تجلب كذلك فرصا للعد ، فالاتصالات الاولى بالحساب اذا ما ارتبطت بحياة الطفل ذاتها وتوجهت بحسب اهتمامه التلقائى ، لا يمكن ان ترضخ لبرنامج متصلب .
هنالك اذن اتجاهات ثلاث فى التدريب على الاعداد بالروضة
اولا : فى استثمار كل ما توفره الحياة العادية للطفل فى الميدان العددى استثمارا حاذقا . ثانيا : فى تنظيم هذه المكتسبات واستخدامها بواسطة تمارين ملائمة يقع تسييرها بمنهجية محكمة . ثالثا : فى تهيئة الفكر لتقبل هذه المعلومات وذلك بتنمية منطق الطفل ان تطبيق هذه المبادئ يسمح للروضة باعداد افكار تكون متفتحه لتقبل اولى مفاهيم الحساب الحقيقى .
تربية ما قبل الدراسة فى العالم : ان تربية ما قبل الدراسة هى فى كل مكان من العالم فى طريق التوسع بل هى فى طريق التعميم السريع فى البلدان المتقدمة ، وبالرغم من صعوباتها فان اقطار العالم الثالث ذاتها لا تتردد فى اعتبار الروضة أساس كل تربية " انها ليست من الكماليات ، بل هى ضرورة " هذا ما كتبته رئيسة المنظمة العالمية لتربية ما قبل الدراسة . (P.. C . M . E ) ويمتد ميدان تربية ما قبل الدراسة على فترات من السن تختلف بحسب البلدان من ذلك ان هذه التسمية تطغى آمادا ، آماد تتراوح بين ثلاث وسبع سنوات فى البلاد السكندينافية ويوغسلافيا ، وبين ثلاث وخمس سنوات فى المملكة المتحدة ، وبين ثلاث وست سنوات فى اغلب الاقطار الاخرى ، ومن بينها اليابان وامريكا الشمالية . هذا وتسهل تربية ما قبل الدراسة فى بعض البلدان قبل سن الثالثة فموعدها الثانية والنصف من العمر فى بلجيكا ، والثانية فى فرنسا . اما السويد ، فان مدارس الوقت الكامل فيه تقبل الاطفال نظريا
فيما بين سن ستة أشهر وسبع سنين واما فترات الدراسة فهى مختلفة ايضا : فان الوقت الكامل هو الاكثر استعمالا ، بيد انه قد يتداول مع الوقت الجزئى كما هو الشأن فى البلاد السكندينافية .
وتثبت الاحصائيات فى بلدان عديدة قيمة الدور الذى تؤديه الروضة وحميد اثرها فى مواصلة الدراسة . ذلك انه بقدر ما يبكر الاطفال فى مخالطة الروضة بقدر ما يقل رسوبهم ، وبالتالى تزداد حظوظ انتهائهم الى اقسام السنة الاولى من التعليم الثانوى ، وهذا ما أثبتته بعض احصائيات الدخول الى السنة الاولى من التعليم الثانوى .
ولاختم هذه الكلمة اقول : انه فى روضة الاطفال وفى نوع آخر من الاقسام حيث تكون للانشطة اليدوية مكانة هامة وقيمة لائقة يمكن للطفل فى نفس الوقت ان يعبر من خلال ما يقوم به من رسوم واعمال نحتية وألعاب وان يكتسب فى التحام وتفاعل مع المحيط مستثمرا لا معرفة جامدة فحسب بل جملة من المعارف على العموم ومعرفة عملية على الاخص .
فان كل ذلك يوفر للاطفال ما يستحقون من الوان الفرح والغبطة التى بها تنمو شخصياتهم .
ولذا فقد آن الاوان ليكون لتونس على غرار البلدان المتقدمة شبكة واسعة من رياض الاطفال المشرقة الفسيحة الجذابة وهى البلاد التى انشغلت الى حد الآن بتركيز قواعد تعليمها الابتدائى والثانوى والتقنى والعالى تركيزا محكما .
فلنا هنا عمل هام يتطلب الانجاز وينبغى لمخططاتنا المقبلة ان يعطيه المكانة التى يستحقها . والشأن يتعلق بتحسين الظروف التى يستطيع فيها أطفالنا رجال الغد ان يعيشوا فى صحة وسعادة .
