ان للعلم فى عصرنا مكانة الصدارة بين مختلف فنون المعرفه فعليه تقوم حياتنا اليومية وبه تتجدد فاذا كان القرن العشرون عصر الذرة - وقد يصبح فى مستقبل قريب عصر القمر - فانه فى ايجاز عصر العلم .
وليس من الغريب أن يقاس مدى تقدم الامم بمدى تقدم العلم فيها وازدهارها بمدى ازدهار شتى فنونه فالعلوم أصبحت تؤثر فى حياة الشعوب تأثيرا كبيرا وتسيطر على اقتصادها وسياستها وهما بدورهما يسيطران على العلاقات الاقتصادية الدولية فالدول الضعيفة هى التى لم يستطع علماؤها أن يجابهوا سباق التصنع والدول القوية هى التى استطاع علماؤها أن يدخلوا السباق بفكر خلاق .
فأين نحن من هذا السباق ؟
ليس لنا إلا الاعتراف بعزلتنا الخائبة فنحن عالة على الامم المتقدمة فى هذا الميدان ولا عيب فى ذلك فنحن فى ابتداء إفاقة من سبات طويل وأملنا ألا يصيبنا ما أصاب أهل الكهف وألا نشعر بالغربة فى الوضع العالمى إلا لنحاول فى جد الخروج منها فى ثبات .
إن المسافة التى تفصل بيننا وبين الغرب فى الميادين العلمية تكاد تكون نفس المسافة التى كانت تفصل بينه وبيننا فى أوج تفتحنا الثقافى فى العصر العباسى . فكيف نستطيع قطع تلك المسافة أو التنقيص منها ؟
إن الجواب عن هذا السؤال يبدو بسيطا : لا بد لنا من اعطاء العلوم حقها فى مختلف مراحل تعليمنا إلا أن سؤالا ثانيا ينتج عن هذا الجواب هو : أى لغة نستعمل لتدريسها ؟ . وهنا يكمن المشكل .
فاللغة العربية . وإن كانت غنية إلى حد الترف فى الأدب - فهى تشكو فقرا مدقعا فى الكلمات العلمية فهل نتركها جانبا ونتخذ لنا مبدأ ازدواجية اللغة حتى نخرج من المأزق الذى وضعتنا فيه أو وضعناها فيه ؟ أم نحاول جعلها لغة علم ؟
ليس لنا إلا أن نختار بين هذين الحلين إذ لا وجود لثالث لهما . ولنا حرية التفضيل .
إن الحل الاول - ازدواجية اللغة - يفرض علينا اختيار لغة أجنبية لتدريس العلوم . وليس لأى بلد عربى فى الواقع حرية فى هذا الاختيار إذ أن البلدان العربية كانت خاضعة سياسيا إلى دول غربية متعددة فرضت عليها لغاتها فاذا كانت الانكليزية مستعملة فى بث العلوم فى الشرق العربى فان الفرنسية أقرب الى القيام بهذه المهمة فى المغرب العربى .
وهكذا نكون قد اختصرنا الطريق وربحنا المرحلة الاولى فى السباق مع الزمن إذ تبقى المسافة التى تفصلنا زمنيا عن ركب الحضارة الغربية مقتصرة على تكوين علماء عرب يستطيعون الوقوف عن جدارة الى جنب زملائهم الغربيين فى مستقبل قريب او بعيد - والقرب او البعد فى إمكانية اعطائهم المنزلة الجديرة كى ينتجوا إنتاجا محترما .
ونكون قد استرحنا فى آن واحد من مشقة خلق لغة علمية ووفرنا لأنفسنا شيئا من الطاقة نصرفه فى عمل آخر مجد ولكننا نخسر شيئا هاما - إذا اتخذنا اللغة أداة تقارب متين بين البلدان العربية على تعدد نزعاتها السياسية - وهو وحدة اللغة .
ثم إننا نكلف أطفالنا مشقة كبيرة فى استيعاب لغة ثانية استيعابا كاملا لا بد منه للتمكن منها زيادة على التعب الذى يلاقونه فى تعلم لغتهم القومية لبعدها عن لغة التخاطب اليومى فى المنزل والشارع .
فهل يصبح الحل الثانى أخف مؤونة ؟ وهل فى الامكان تطوير العربية تطويرا يجعلها قادرة على أداء المعانى العلمية ؟
ليس من الضرورة التنبيه الى الصعوبات التى تعترض من يفضل هذا الحل فهى عديدة . وقد يصيح معترض : كيف يمكن وضع آلاف المصطلحات واستيعابها دفعة واحدة ؟. وليس من الصعب الاجابة عن هذا السؤال وقد أمكن للعبرية أن تصبح لغة علم فى بلادها وهى الميتة .
نعم إن وضع المصطلح العلمى ليس بالأمر الهين إذ يجب أن يراعى فيه فى نظرى أمران فى آن واحد : أولا - أن يؤدى المعنى المرجو دون أى التباس . ثانيا - أن يكون سهل التداول .
ولا بد للاشتقاق من المحافظة على الصيغة العربية الأصيلة ما أمكن ذلك . وليس معنى هذا أن يكون كل مصطلح من أصل عربى فقد تعددت العلوم وهى المتطورة بسرعة فائقة. وهل من حرج فى أن نعرب - نطقا - المصطلحات العلمية التى نجدها فى الانكليزية والفرنسية والروسية والألمانية مثلا مع اختلاف بسيط فى النطق تدل على نفس المعنى ؟
إن الصعوبة الناتجة عن ذلك تصبح فى دفع تلك المصطلحات الى السوق
قصد الاستهلاك ولكنها تقابل المشقة التى يلاقيها المتعلم فى الالمام بلغة أجنبية .
وإذا نحن ثبتنا لهذه الصعوبات فاننا نربح أمرا هاما هو العمل على إحياء اللغة العربية فلا بد من الاعتراف بأنها ميتة تقف عند العرب ولا تتجاوز حدودهم خلافا للانكليزية مثلا وهى اللغة الحية الاولى بين اللغات .
ان استعمال العربية فى العلوم من شأنه أن يزيد فى رسوخها عند الناشئة ثم هى إذا أمكن لها أن تكون أداة لتعليم العلوم ستستطيع فى مستقبل قريب أو بعيد أن تتجاوز حدودها الضيقة لتجد صدى فى الخارج نتيجة للضرورة التى يجدها أهل العلم الأجانب فى الاطلاع على آثار زملائهم العرب .
وليس معنى هذا أنى أنفى ضرورة تعليم اللغات الأجنبية إذ أنه لا مناص للباحث الجاد من الالمام بها حتى يتمكن من الاطلاع فى يسر على انتاج الاجانب ومن تلقيح أفكاره بأفكارهم ولست فى هذا الفصل مدافعا عن الحل الاول أو الثانى .
ورأيى أن المشكل فى الحل الأخير ليس فى ترويج المصطلحات الجديدة بقدر ما هو فى الترجمة عن اللغات الاجنبية ومحافظة منا على وحدة اللغة لا يمكن أن يكون هذا العمل مجهودا شخصيا فى نطاق ضيق محدود . فنحن نعرف أن محاولات فى تعريب العلوم جربت في عدة بلدان عربية وكانت النتيجة أن تعددت المصطلحات المستعملة للدلالة على معنى واحد ، على الصعيد العربى وعلى الصعيد الاقليمى والخطر كل الخطر ألا يكون وضع المصطلح العلمى مخططا تخطيطا محكما حتى لا يحدث تشويش فى أفكار الناشئة المتعلمة عندما يتغير الاساتذة . ومن أجل ذلك يتحتم علينا ضبط المصطلحات العلمية فى مجلس أعلى يقوم بتوحيدها .
إن الترجمة تتطلب مجهودا جبارا وثباتا فى وجه الصعوبات التى توهن عزم العاملين ولا بد لنا من تشجيع كل عامل فى هذا الميدان إذا ما فضلنا هذا الحل .
فأنا أذكر أنى كنت لا أتصور إمكانية تدريس العلوم باللغة العربية وكنت أظن أن ذلك يؤدى كل محاولة الى الفشل . حتى سنحت لى الفرصة أخيرا أن اطلع على أثر علمى مترجم .
هذا الأثر ورد علينا فى شهر فيفرى الفارط من سوريا هدية من المجلس الاعلى للعلوم بها وجد مكانه فى المكتبة الداخلية لمخابر الفيزياء والكيمياء بدار المعلمين العليا .
والتجريبية )) المحتوية على تسعة أجزاء ، والتى حررها P. Fleury الاستاذ بكنسرفتوار الفنون والصناعات ومدير معهد البصريات التطبيقية بباريس و J.P. Mathieu الاستاذ بجامعة باريس . قام بها أربعة سوريين من ذوى الاختصاص هم المهندس وجيه السمان والدكاترة أدهم السمان وعبد الرزاق قدورة وواثق شهيد .
صدرت هذه الترجمة فى مطبوعات المجلس الاعلى للعلوم بسوريا سنة 1964 فى كتابين يحتوى كل منهما على جزئين . وقد تعرض الكتاب الاول الى الكهربية الراكدة والتيارات المتواصلة والمغناطيسية Electrostatique - courants continus - magnétisme)) وتعرض الثانى الى التيارات المتناوبة والامواج الهرتزية courants alternatifs et ondes) (hertziennes
وجاء فى مقدمة هذه الاجزاء : (( تفتقر المكتبة العلمية العربية الى المراجع التى تقوم الى جانب الكتب الجامعية المقررة ، بدور المنبع الذى يستمد منه طالب العلم تكميل معلوماته وكمصدر كامل للباحث كما يستمد منه كل مراجع ما يحتاج اليه من معلومات قد لا توجد فى الكتب العادية التى تؤلف وفق برنامج معين محدود ... ولما كان من اختصاص المجلس الاعلى للعلوم فى هذا المجال ، العمل على تزويد المكتبة العربية بالمراجع العلمية باللغة العربية ووضع الخطط اللازمة لذلك فقد اختط لنفسه خطة يقوم فيها بقسطه فى المساهمة فى ايجاد هذه المراجع للقارىء العلمى العربى وابتدأ بعلم الفيزياء ... وسارت عملية الترجمة بعد الاتفاق على المصطلحات واعداد قائمة بها وستنشر إن شاء الله فى آخر بحث الكهرباء وكان المترجمون يعقدون الاجتماعات بين حين وآخر للتداول فى أمر الصعوبات التى يصادفها كل واحد منهم فيعمل الجميع على حلها مشتركين ... ))
ولا غرابة فى أن يخرج مثل هذا العمل فى سوريا فقد سمعنا عنها أن لتعليم فيها معرب فى كامل مراحله . إلا أننا لا نستطيع أن نقيم مقدار نجاح هذا التعريب من حيث المستوى .
تصفحت هذين الكتابين هازئا بادىء الأمر وقد درست العلوم بالفرنسية فما كان إلا أن انقلبت مستبشرا فرحا لأمر بسيط هو أنى لم أجد صعوبة فى فهم ما قرأت وتيقنت حينئذ أن فى الامكان تعريب العلوم وليس من الصعب فهم المصطلحات الموضوعة لدى من كانت له ثقافة علمية فى لغة أجنبية .
وقد اتبع المترجمون فى عملهم ثلاثة مناهج :
(1) التركيب : وتجد ذلك مثلا فى كلمة (( الكهرضوئية )) التى جاءت ترجمة للكلمة الفرنسية ((Photoélectricité)) وهى الكهربية الناتجة عن الطاقة الضوئية . وهى لعمرى ترجمة موفقة .
2) الاشتقاق . 3) القولبة : وتجد ذلك مثلا فى كلمة (( الكترون )) التى جاءت ترجمة للكلمة الفرنسية ((électron)) ولا فائدة فى أن نعدد الأمثلة .
إن هذه الطرق هى التى أراها صالحة إذا وقع اختيارنا على الحل الثانى .
وقد رأى المترجمون استعمال الحروف اللاتينية واليونانية فى المعادلات الرياضية وهو رأى مقبول إذ أنها اصبحت عالمية تجدها فى الكتب العلمية الصينية والفرنسية والانكليزية والروسية واليابانية وغيرها .
إلا أننا مهما كان إعجابنا بهذا العمل لا نستطيع أن نسكت عن بعض الهنات فاختيار الحروف اللاتينية واليونانية فى المعادلات كان لا شك مرتكزا على رواجها العالمى فى هذا الميدان فما دمنا نراعى ذلك لماذا فضل المترجمون استعمال الاعداد الهندية فى ترقيم الصفحات والمعادلات واستعمال الاعداد العربية فى المعادلات نفسها . إنه تناقض كان فى الامكان تلافيه لو روعى رواج الاعداد الاخيرة على الصعيد العالمى ؟
الى كل ليس لنا إلا أن نقدر فى نزاهة المجهود الذى بذله المجلس الاعلى للعلوم وعسانا نراه يصدر فى وقت قريب بقية أجزاء الموسوعة الفرنسية وقائمة المصطلحات المستعملة التى وعد بها حتى نتمكن من دراستها دراسة واسعة . وأملى أن يطلع عدد كبير من العلميين فى البلدان العربية على هذا العمل فهو تجربة قد يكون حظها من النجاح وافرا .
مخابر دار المعلمين العليا - تونس -

