الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

في ثبات الحضارة البونيقية ، ، ،

Share

فى القرن الثالث قبل الميلاد كانت مدينة حنبعل تسيطر على قسط وافر من غربى البحر الابيض المتوسط . وبحكم وجودها بجنوب اسبانيا وسيطرتها على جزر الباليار ومالطة وسردانيا كانت الملاحة لا تجوز بهاته المناطق الا باذن منها  كما يجب ألا ننسى وجود قرطاجة بصقلية وقد تقاسمتها مع اليونان بعد أخذ ورد وحروب يعسر الحديث عنها فى نطاق هذا البحث ولا يخفى ما كان لصقلية من قيمة عسكرية استراتيجية .

هذا " وكانت روما انذاك فى أوج قوتها وازدهارها فقد تمكنت من غزو كامل القطر الايطالى كما باتت لها مطامع فى احتلال صقلية تلك الجزيرة الغنية بقموحها والعامرة برجالها . وكانت تلك المطامع الرومانية تنمو بقدر ما كانت تشعر به روما من ضيق بشبه جزيرتها وكان قرب صقلية من العوامل المشجعة . ولكن كيف العمل والقوات البونيقية على علم كامل من المطامح الرومانية وبات الأسطول البونيقى يطوف حول السواحل يراقب تحركات العدو . أما السلطات الرومانية فقد أصبحت هى الأخرى تفتش عن أسباب التدخل فى شؤون الجزيرة حتى تكون العملية قانونية فى عين الرومان وقد اشتهر هؤلاء بشن العدوان القانونى كما عرفهم التاريخ بالظالمين القانونيين

ثم أبت الظروف الا أن تمنحهم فرصة جميلة للتدخل فى شؤون صقلية وكان ذلك عن طريق المامرتيين ) les Mamertins ) . أطردهم البونيقيون من  مدينة ماسينا ) Mesine ( لأسباب لم يوضحها المؤرخون كل توضيح وعجز المامرتيون على الوقوف فى وجه القوات البونيقية فطلبوا النجدة من روما والمعروف أنها كانت تترقب ذلك النداء بفارغ صبر ولربما كانت روما نفسها هى التى تحث المامرتيين على القيام بتشويش يجبر السلطات البونيقية على رد الفعل ومعاقبة المشوشين مما ينتج عنه التدخل الرومانى حسب خطة شيطانية مرسومة منسقة فذلك هو العدوان والظلم القانوني الرومانى

كان ذلك سنة 263 قبيل المسيح حيث وقفت القوات البونيقية والقوات الرومانية وجها لوجه وكانت جيوش قرطاجة معززة بالرجال والعتاد غير أن النصر كتب للرومان بعد حرب طويلة دارت رحاها تارة في صقلية نفسها وطورا فى الديار الافريقية حيث هجم القائد الرومانى ريقلوس ) Reulus على شواطئ الوطن القبلى وعاثت جيوشه فسادا فى المدن والقرى البونيقية

حتى كادت تصل قرطاجة نفسها . وانهزام البونيقيين كان يعنى تخلى قرطاجة عن جزيرة صقلية وتركها للسلطات الرومانية ورحلت قرطاجة فعلا عن مراكزها بالجزيرة واصبحت تفكر فى استغلال بلاد الايباريين وعلاقة الفنيقيين بها عريقة اذ كانوا يأتونها سعيا وراء المعادن الثمينة كالفضة والقصدير وذلك منذ الألف الثانية قبل المسيح أما الايباريون فهم سكان اسبانيا القدماء وكانت لمدينة ترشيش الواقعة بجنوب هذه البلاد شهرة . تبنى هذه العملية عبد ملقوط أبو حنبعل الشهير وعمل جهده على انجازها فكانت عملية ناجعة رابحة مما جعل البونيقيين يسترجعون قواهم ومما جعل أموالهم تتضاعف

لقد نجحوا ولكن هذا النجاح بعث فى أنفسهم حب الانتقام وقد نشأ حنبعل فى جو ملؤه النشاط والحزم فى العمل والحسرة على ما أصاب الجيوش البونيقية أيام حرب صقلية . نشأ حنبعل وكبرت معه فكرة الانتقام وكأنى به فطر عليها وقد أدى يمينا أمام مذبح الالاه بعل حمون فحواه أنه سيضمر البغض والعداوة نحو روما ما بقى حيا . وجاء اليوم الذى بايعته الجيوش بالقيادة فحاصر فى جبال الألب وأبلى البلاء الحسن وأنجز الانتصارات الباهرة التى نالت صدى عظيما حتى أصبحت القلوب ترتعد اذا التقطت الآذان اسم حنبعل وكان هذا على وشك دخول معبد الكابتول ) Capitole ( رمز الرومانية غير أن الاهة النصر أبت الا أن تتخلى عن صفوفه وتعرض عن معسكره وضعفت فانحلت قواته وضنت عليه قرطاجة بالمدد

وبقى يترقب جواب حكومته ويترقب فرصة الالتحام بالجيوش الرومانية التى ما انفكت تتوارى ثم توجه القائد شبيون آلى ارض افريقيا وجعل منها ميدانا لهاته الحرب البونيقية الثانية فالتحق به حنبعل وقد التحم الفريقان قرب مدينة زاما ) zama ( سنة 203 فانهزمت الجيوش البونيقية وأصبحت مدينة عليسة مهددة بخطر حلول شبيون بها وأصبح البونيقيون يتساءلون عن نوايا القائد الرومانى هل هو سيتمادى فى غزو البلاد الافريقية أم يكتفى بهذا النصر العظيم ويقفل راجعا الى بلاده بعد أن يفرض على قرطاجة معاهدات تمس من قوتها وكرامتها مرة ثانية ؟

أما روما فكانت تتردد . لا تريد اقتحام مغامرة تتطلب وقتا طويلا وتكون عبئا ثقيلا لا يتحمله المواطنون وخاصة منهم بعض أعضاء مجلس الشيوخ لقد بين  روبار كانيا ) Robert Caagn بصفة واضحة جلية وجود شقين ازاء المشكلة الافريقية فكان بعض الأعضاء يعارضون فكرة غزو افريقيا ومنهم من كان يحبذ تلك الفكرة ويناضل من اجل احتلال البربر وبعد أخذ ورد دام سنين تغلب الشق " الأمبريالى " فكانت الحرب البونيقية الثالثة ولا شك أن الرومان قد وجدوا لها أسبابا قانونية كالمعتاد وانهزمت جيوش عزر بعل وحكم على مدينة  عليسة بالنهب والحرق والتخريب فكان ذلك فى منتصف القرن الثاني قبل المسيح وحلت روما محل قرطاجة بالديار الافريقية ، فهل كان نصيب الحضارة

البونيقية الفناء بعد أن هدمت الأسوار البونيقية وأصبحت أثرا بعد عين ؛ ولعل هذا قد يفسح المجال للحضارة الرومانية أن تحل محل الحضارة البونيقية . فالنظر فى تاريخ البلاد الافريقية بعد سقوط المدينة قد يمدنا بالجواب عن هذا السؤال

عند سقوط قرطاجة اضطر البونيقيون الى الهجرة فمنهم من التحق بالمدن البونيقية التى لم تمس بسوء من طرف القوات الرومانية لانها أعلنت قبل نهاية  الحرب خروجها عن صف قرطاجة وأبرمت صلحا مع العدو الجبار ومن المدن هذه سوسة واسمها العتيق حضرموت ومن المهاجرين من اندمج في المدن البربرية ليشاطروا البرابرة حياتهم وقيل انهم قد وجدوا قبولا حسنا من  طرف ملوك البربر وقد كانوا متشبعين بالحضارة البونيقية وكانوا يتكلمون لغة حنبعل وشيدوا القصور حسب القواعد البونيقية ولئن بادت تلك القصور فلنا بعض وثائق تشهد بتأثير البونيقيين فى الفن المعمارى البربرى ولا شك أن الذين فروا من قرطاجة خوفا من الهلاك قد مدوا يد المساعدة الى أخوانهم البرابرة وعملوا على بث الحضارة واخراج القبائل البربرية من الظلمات الى النور . كانت المدن البربرية اذن ملجأ الحضارة البونيقية مما جعلها تثبت وتدوم أمام حضارة الجيوش المنتصرة

حطمت معابد قرطاج وشرد البونيقيون غير ان الديانة الكنعانية لم تمت اذ نجد المعابد البونيقية فى غالب المدن البربرية الافريقية زيادة على المدن البونيقية التى لم تدسها الجيوش الرومانية ولم تعث فيها فسادا فمن المؤرخين  من يعتبر أن تلك المدن قد ارتكبت خيانة ازاء حضارتها ومهما يكن من أمر فالجدير بالذكر هو أن تلك المدن قد لعبت دورا عظيما فى ثبات الحضارة البونيقية فى الديار الافريقية . حافظت على استقلالها الداخلى ولم تتدخل السلطات الرومانية فى دواليبها الادارية والاقتصادية والدينية . وبقيت بحضرموت معابد تانيت وبعل حمون وما انفك سكانها يتقربون لآلهتهم بواسطة الصحايا البشرية . بقيت النفوس متعلقة بآلهة قرطاجة ولم تستطع روما تحجير ما كانت تعتقده خطرا على الانسان أعني القربان البشرى . لقد عثر الاستاذ فيفرى ) Frier ( على نقيشتين ترجع الى العهد الرومانى جاء فيهما أن طفلا ولد أصم أبكم فنذره والده لتانيت وبعل حمون على أن يمنا عليهما بطفل سليم وولد الطفل السليم فألقى الطفل العليل فى النار كما كان يفعل البونيقيون فى توفات سلامبو . فذلك من الادلة القاطعة على ثبات الديانة  البونيقية ورسوخها فى قلوب سكان هذه البلاد

ولكن لماذا نقتصر على هذا المثال والامثلة كثيرة فى الحقل الدينى : نعم قد فرضت روما ديانتها على المدن الافريقية كلما عن لها ان تلعب دورا سياسيا

فى نطاق المجموعة الرومانية وكلما أراد سكانها اتخاذ الجنسية الرومانية  فينبغي على المدينة أن تشيد معبدا لآلهة الكبتول( la Triade Capitoline )  وهم جوبتار ) Jupiter وجينون junon ومينارف )   Miner٧ ( كما يجب على مواطنيها ان يتعبدوا للامبراطور اذ يؤله هذا بعد وفاته ومن المرغوب أن تشيد معابد لبقية الآلهة الرومانية كماركور ) Mercure ( ومارس (mars وغيرهما الشئ الذى نلاحظه بالمدن الافريقية الرومانية التى كشف عنها الغطاء بأرض بلادنا مثل دقه وبولاريجيا ) Bulla Rgia ( وسبيطلة وغيرها . تلك هى الديانة الرسمية القانونية ولا يمكن حسب الرومان ان يتحضر شعب ويصبح جديرا بالجنسية الرومانية الا اذا اعتنقها وكادت تلك الديانة الرسمية أن تخلو من كل صبغة عاطفية روحانية . لقد كانت ديانة باردة ليس فيها ما يجذب القلوب تتلخص فى بعض جمل يفوه بها المتعبد وحركات يقوم بها

أما عيون الافارقة فما انفكت تنظر الى الآلهة البونيقية ولو تظاهرت بالتعبد لجبيتار وما انفكت قلوبهم تخفق وتدق طاعة وحبا لتانيت وقد اختفت هذه تحت اسم سليستيس ) Caelestis ( وصار بعل حمون يدعى ساتورن ) Saturn ) فالاسم رومانى والمعبود بونيقى . هذا وقد احتفظت بعض الآلهة البونيقية بأسمائها الاصلية ومثل ذلك هاتور مسكار وهو الاه معروف بمدينة مكثر حيث كان له معبد كبير . وقد وجدنا بالمدينة نفسها نقيشة كتبت بالحروف البونيقية الجديدة ) Yopmique تنص عن ترميم معبد هاتورمسكار وتذكر أسماء المواطنين الذين شاركوا في تمويل ذلك الترميم . وقائمة تلك الاسماء تمكننا من معرفة التطور الاجتماعى بمدينة مكثر فى اواخر القرن الاول بعد المسيح فقد يكون اسم المشارك في عملية الترميم اسما رومانيا " ماركوس " ) Marcus أما اسم والده يكون غالبا بونيقيا كعبد اشمون مثلا وهذا من الادلة التى تشهد أن الافارقة وان اتخذوا بعض ظواهر الحضارة الرومانية كالاسم مثلا تراهم مع ذلك متعلقين بديانة قرطاجة أو بالاحرى بحضارتها

بقيت آلهة قرطاجة متمكنة بقلوب الافارقة بعد تحطيمها ولم ترحل عن أرضهم والمعايد التى شيدت لها لم تشيد غالبا على النمط الرومانى بل كانت على شكل المعابد السامية البونيقية . فلنأخذ مثلا معبد الآله ساتورن وهو في الحقيقة بعل حمون كما قلنا سابقا . فمن يزور مدينة دقه الشهيرة يشاهد عند مغادرته تبرسق بعض الاساطين الرومانية الشامخة ذلك ما بقى من معبد ساتورن وشكله كما يلى : سقيفة تفتح على فناء أحاط به رواق . فتدخل السقيفة وتعبر الفناء حتى تصل الى ثلاث غرف

لم تكن المعابد الرومانية تشيد على هذا النمط بل نلمس فى تخطيط معبد ساتورن الدقي تأثير الهندسة البونيقية ووجد فعلا تحت الفناء المذكور بقايا معبد عتيق كانوا يتعبدون فيه لبعل حمون ذلك الاله العظيم الذي كان يمن حسب

اعتقاد البونيقيين على البشرية بالصابة كما كان يحمي الموتى من شر الشياطين . ووجود مقدس بعل تحت مقدس ساتورن يشهد أن الآه الرومان قد تقمص  شخصية بعل البونيقى ويقول الاثرى كلود بوانسو (Clade Poinso فى كتابه ) Les Ruines de Dougga ) " قمص الرومان الاله ساتورن شخصية الاله البونيقى بعل واحتفظ ساتورن بميزات بعل حمون فكان الناس ) اى الافارقة ( يعبدونه كما يعبده البونيقيون قبل انقراض سلطانهم " يبدو اذن جليا أن الديانة البونيقية بقيت حية فى دقة أيام عزة الرومان فيها

ويبدو أن كهنة بعض المعابد الافريقية كانوا يستعملون اللغة البونيقية في تعبداتهم ومهما يكن من أمر فلنا من الوثائق ما يبرهن على ثبات لغة قرطاجة رغم مضايقة لغة المستعمر الروماني . كان من العسير على المواطنين الأفارقة أن يرفعوا من مستواهم الاقتصادى والاجتماعي الا اذا أحسنوا لغة الأسياد وكانت فى ذلك العهد اللاتينية ومع كل ذلك لم تنقرض اللغة البونيقية وعدد وثائقنا فى هذا الميدان كبير . فلنذكر أولا ما لا سبيل للشك فيه أعنى النقائش التى رسمت باللغة البونيقية وان كتبت بحروف تختلف في شكلها عن التى عهدناها فى أيام قرطاجة ويجدر بنا أن نذكر أن هاته الحروف المعروفة بالحروف البونيقية الجديدة . لم تخلق بعد تحطيم قرطاجة بل نجدها أيضا فى بعض النقائش التى أخرجت من أرض التوفات غير أن هاته الكتابة الجديدة قد عم استعمالها بعد الحرب البونيقية الثالثة ومن النقائش ما تجدها كتبت بحروف مختلفة بعضها بونيقى كلاسيكى ان صح هذا التعبير وبعضها محدث ومثل ذلك نقيشة وجدت قرب مدينة بئر بورقيبة تنص على معبد شيد لبعل حمون ولتانيت ويمكنك مشاهدة تلك النقيشة بمتحف باردو وهي معروضة  بقاعة تينسوت ) Thiniss

وجدنا نقائش كتبت بالحروف البونيقية الجديدة بكثير من المدن الأثرية التونسية منها مدينة مكثر ونقائشها تكاد لا تحصى غالبها يرجع الى القرن الأول والثاني بعد الميلاد . قد سبق أن ذكرنا منها النقيشة التى تنص على  ترميم معبد هاتور مسكار والتى ستعرض للعموم في مقال شاركت الأستاذ فيفرى فى تحريره سوف يصدر فى مجلة " كرتاغو " ) Karthago ( ومن المدن الأثرية التى شهرت بنقائشها البونيقية نذكر مدينة أوزفة ) Uzappa وتوجد هذه بولاية الكاف بالقرب من مكثر كما لا ننسى مدينة لمسة وغيرها كلها نقائش تشهد بثبات اللغة البونيقية فى أيام الدولة الرومانية

ولا يمكننا الحديث عن هذا النوع من النقائش دون أن نتحدث عن نقائش أخرى تشهد أيضا يثبات لغة حنبعل . كتبت هذه بحروف لاتينية أما اللغة فكانت بونيقية وقد أبرز الأثريون الايطاليون نقائش كثيرة من هذا النوع بمدينة لبدة الكبرى ) Lpis Mana   وقام بدراسة هذه النقائش الثمينة

الأستاذ العلامة لفي دلافيده ) Levy Della Vida ) وهو من أكبر علماء اللغات السامية في يومنا هذا . يمكن الاطلاع على مقالاته فى مجلات ايطالية وأجنبية أذكر منها مجلة ) Oriens Antius ( التى تصدر بمدينة روما . وقد وجد الأستاذ دى فيطا ) Divita نقيشة فى اقليم طرابلس الغرب حروفها لاتينية ولغتها بونيقية ويبدو أنها تتحدث عن جندى ليبى انخرط فى الجيش الرومانى أيام الامبراطور كلود الثاني أى فى القرن الثالث بعد المسيح لقد سبق أن قلت ان هذا النوع من النقائش ثمين لا لأنه يشهد بثبات اللغة البونيقية فحسب بل لأنه يمكننا من معرفة النطق البونيقى فى ذلك العهد . ولا يخفى أن اللغة البونيقية كغالب اللغات السامية ترسم الحروف دون الحركات فحاسة السمع هي التي تمكننا من معرفة النطق لذلك يعسر النطق باللغات الميتة فنحن نفهمها دون أن نستطيع النطق بها نطقا صحيحا لا تشوبه شائبة . أما الذين استعملوا الحروف اللاتينية لكتابة اللغة البونيقية فقد كتبوا ما كانوا يسمعون فهي اذن تمكننا أو تسهل علينا معرفة نطق تلك اللغة

لنا اذن مجموعة من الوثائق الأثرية التى تبرهن بصفة لا يتطرقها الشك على ثبات اللغة البونيقية حتى القرن الثالث بعد المسيح . فهل انقرضت بعد ذلك الزمن ؟ نعم ليس لنا نقائش تثبت وجودها بعد القرن الثالث ولكن المصادر الأدبية تثبت استعمال لغة عليسة فى القرن الخامس والسادس بعد المسيح فقد تحدث القديس أغسطينوس ) Saint Augustin ( فى كثير من المناسبات عن اللغة البونيقية ذاكرا أن الأفارقة يتخاطبون بها والمعروف أن هذا القديس البربرى قد عاش فى المنتصف الأول من القرن الخامس وها نحن نعيد لكم ما قاله الأسقف في بعض تلك المناسبات كتب رسالة وبعث بها الى الأسقف كريسبين ) rispin ( وكان هذا يدعو الى المذهب الدوناتى وقد سمى المذهب نسبة الى مؤسسه دونانوس ) Donatus خرج عن العقيدة الأرتودكسية وتمرد على الكنسة ووضع مذهبا أعطاه صبغة اجتماعية اقتصادية حتى استهوى الطبقات الشعبية البائسة وكان مذهب دوناتوس قد يمكنهم من الثورة على المحظوظين وكثيرا ما ارتكب الدوناتيون ما لا يرضاه دوناتوس كالتخريب والنهب واستعمال العنف ازاء من لم يعتنق مذهبهم وبقى متعلقا بالكنيسة كان اذا الأسقف كريسبين يدعو الى مذهب دوناتوس وادعى يوما أنه استطاع اقناع سكان ما باليا ) Mappalia ) بالمذهب الدونانى فأجابه القديس أغسطينوس وقد كان من أعداء ذلك المذهب قائلا : " انك تدعي أن سكان مدينة  ما باليا قد اتبعوك عن طيب قلب فهيا بنا نحدثهم معا وكلانا يلقى عليهم أسئلة نحررها تحريرا ويترجمها لهم مترجم بونيقى xa nobis subseripta cis punice interpretentur < Epistola LXVI , 2 in Saint Augustin , Ours completes par Peronne , Vincent , Escalle . Paris 1870 .

وجاء فى حديث آخر للقديس نفسه يقول فيه : ان زميله فاليريوس ) Valerius (

سمع يوما بعض الريفيين يتجاذبون اطراف الحديث فنطق احدهم بكلمة " سلوس " فاهتم بها الاسقف فاليريوس وأراد معرفة معناها فقيل  له انها تعنى ثلاثة والمعروف أن " سلوس " كلمة بونيقية فذلك دليل على ان فاليريوس كان يستمع الى أناس يتخاطبون بالبونيقية . وفى رسالة اخرى بعث بها القديس أغسطينوس الى البابا سليستن ) le Pape Celestinيوصيه فيها بتسمية أنطونيوس ) Antonius ( أسقفا على مدينة فسالة لان أنطونيوس يحسن اللغة البونيقية مما يمكنه من مخاطبة الناس مباشرة . هكذا ينبؤنا الاسقف البربرى عفوا بأن الافارقة وخاصة منهم من كانوا يقطنون بالقرب من عنابة يتخاطبون بلغة حنبعل . لقد أراد بعض المؤرخين أن يشك في قول الاسقف ويدعون أنه اذا قال بونيقي فهو يعني بذلك بربرى لان لفظة بونيقى أصبحت فى ذلك العهد تساوى لفظة بربرى افريقي فلا يمكن اذا لرسائل سانت أوغستان أن تكون وثيقة تشهد بثبات اللغة البونيقية وقد انقرضت هذه منذ القرن الثاني . ومن بين الذين شكوا في بقاء لغة قرطاجة كريستيان كورتوا ) Christian Courtois ) وقد كتب مقالا في ذلك بعنوان < طالعSaint Austin et le Probleme de la survivance de " Revue Africaine tome XCII , 1950 P . 959-28 "

وقد أجابه الاستاذ شارل سومانى ) Charles Saumagne ) وأظهر بالحجج القاطعة صحة ما ورد عن القديس أغسطينوس فالاسقف البربرى قد شعر بالقرابة التى تصل بين لغة قرطاجة والعبرية وذلك يدل دلالة قطعية على أن الاسقف كان يحسن استعمال لفظة " بونيقى " ولا تعنى فى حديثه بربرى أو افريقي كما بين كريستيان كورتوا وقد صدر مقال الاستاذ شارل سوماني تحت عنوان < La Survivance du Punique en Afrique aux Yet siecles apres ( . طالع 178-1719585.169 , Karthago

هذا ويجدر بنا أن نظيف لهذا الملف ما جاء عن المؤرخ البيزنطى بروكوب   Procop الذى قام بتصنيف كتاب فى حرب الوندالBellum Vandalum                                           ومن بين ما جاء فيه من اقوال واخبار وقصص واساطير ما ينبئ لهم المسألة التى نحن بصدد دراستها أى بثبات اللغة البونيقية قال بروكوب ان الافارقة يتحدثون تلك اللغة وينبغى الا ننسى أن هذا المؤرخ قد عاش فى القرن السادس بعد المسيح يقول بلغته " our inosolae Punica lingua etiam nune utuntur inoae

بقيت اذا لغة البونيقيين حية قرونا بعد تحطيم مدينتهم ولنا من الوثائق ما يشهد على وجودها فى القرن السادس بعد المسيح وهذه الحقيقة التاريخية تجعلنا تفكر فى مسألة أخرى قد يكون لها اتصال مع ثبات الحضارة البونيقية وهى

مسألة هي دخول العرب الى أرض الافارقة وهنا يطيب لى أن أذكر ما كتبه أستاذنا حسن حسنى عبد الوهاب فى خلاصته لتاريخ تونس " فى خلال سنة 27 من الهجرة الموافقة لعام 647 من الميلاد أمر الخليفة عثمان عامله على مصر وأخاه من الرضاع ) عبد الله بن سعد بن أبى سرح ( بالمسير الى افريقية فقصدها فى عشرين ألفا من الصحابة والتابعين وبعد أن قطع هذا الجيش مفاوز برقة وطرابلس دخل القطر التونسى وأناخ على ) سبيطلة ( حيث يقيم أحد عمال الروم وهو المسمى ) جرجير ( الذي كان خلع طاعة حكومة قرطاجنة البزنطية وادعى الاستقلال فلما نزل الجيش العربى على عاصمته تأهب جرجير للحرب وخرج فى مائة ألف مقاتل من الروم والبربر والتحم القتال فنصر الله المسلمين وقتل جرير بضربة من يد ) عبد الله بن الزبير ( وانهزمت عساكره العديدة فدخل العرب سبيطلة ومنها بثوا السرايا فى الناحية الجنوبية الى جهة الجريد وقد أسرع الروم والبربر الى طلب الصلح فأمنهم الامير عبد الله بن أبى سرح وصالحهم على مقدار من المال . . . "

أناخت الجيوش العربية اذا على أرض الافارقة قبل انتهاء النصف الاول من القرن السابع ثم تم الفتح فى سنين قلائل وسرعان ما اعتنق الافارقة دين محمد وتعربوا ولئن وجد العرب بعض الصعوبات فى تدعيم نفوذهم السياسى فلم يبالغ المؤرخون فى قولهم ان لغة العرب ودينهم قد وجدا قلوبا متفتحة فما هو السر فى ذلك ؟ وجه بعض العلماء اهتمامهم نحو هذا المشكل منذ القرن التاسع عشر وبان من خلال بحثهم أن الاسلام والعروبة وجدا الافارقة متشبعين بالحضارة البونيقية فكانت لهما أحسن الاسس ذلك لان كلا من الحضارة البونيقية والحضارة العربية ينتمى الى التراث الشرقي السامي فمن كان يحسن الكلام باللغة البونيقية لا يعسر عليه تعلم لغة العرب اذ تتحد اللغتان فى كثير من عناصرهما . فلنأخذ مثلا كلمة " سلوس " الذى سمعها الاسقف فاليريوس   Valerius )  وهي تعنى كما قلنا " ثلاثة " ولا يخفاك أن الكلمتين (  ترجعان الى عنصر واحد والمعلوم أن الشين أو السين الفنيقية تساوى كلتاهما ثاء في لسان العرب . فمن العوامل التى جعلت لغة العبادلة تنتشر بسرعة  لدى سكان افريقيا ينبغي حسب بعضهم اعتبار ثبات اللغة البونيقية وقد تعرض المؤرخ ستيفان قزال ) Stephane Gsell ( لهذا الامر فى الجزء الرابع من كتابه المسمى < Histoire ancienne de I' Arique du Nord * " قال : " نستطيع اذن أن نفترض أن كثيرا من البربر قد اتخذوا لغة الاسلام لانهم تعلموها بدون صعوبة وذلك لانهم كانوا يحسنون لغة البونيقيين . فقد هيأتهم قرطاجة من بعيد لقبول القرآن . . . "

أما الاستاذ جيلبار بيكار ) Gilbert Picard فهو يقول  فى كتابه Le monde Carthage 5.184-85 ( قد افترض سابقا غوتى

  gautier ان ثبات اللغة البونيقية سهلت مهمة العرب فى غزو البلاد اذ وجدا    الافارقة فى الحضارة السامية المحمدية تجاوبا مع تقاليدهم غير أن هاته النظرية . الجذابة ليس لها ما يدعمها فلا يوجد فى لغات شمال افريقيا أى تأثير من طرف اللغة الفينيقية " ففى الحقيقة لم يهتم علماء اللغة بهاته المشكلة وهي تستوجب بحوثا طويلة متشعبة وحتى اذا أردنا فحص اللهجات التونسية يكون من العسير علينا أن نعثر على الكلمات أو العناصر التى قد ترجع الى لغة الفنيقيين ذلك أن اللغتين ساميتان تتحدان فى كثير من عناصرهما فمن  اليسير على الذين كانوا يتكلمون الفنيقية أن يتعلموا ويحفظوا الكلمات التى تعبر عن الأب والأم والأخ الى غير ذلك . ولماذا يكون حفظ تلك الالفاظ عليهم يسير لانها هى نفسها التى كانوا يجدونها فى لغتهم هذا ويجدر بنا أن ندرك عدم امكانية لمس التأثير الحقيقي الذي قد عملته اللغة الفنيقية فى انتشار لغة العرب فى بلادنا . فالتأثير واقع تاريخي الا اننا نجد صعوبة فى ابراز ذلك التأثير وتقديره حق قدره . واذا أردنا أن نعبر تعبيرا آخر استطعنا ان نقول : كانت الجراثيم موجودة قبل أن يكتشفها باستور ) Peur ( أعنى بذلك أنه لا يمكننا أن ننكر وجود ما لا نستطيع رؤياه  

ومهما يكن من أمر فهى مسألة يجدر بعلماء اللغة أن يوجهوا اهتمامهم اليها ولا تخفى علينا الصعوبات التى قد تعترضهم فى طريقهم . يبدو أن اللغة العامية قد احتفظت ببعض الكلمات البونيقية . فلنأخذ مثلا فعل سلك . انه معروف في اللغة العربية وان فتحنا المنجد وجدنا سلك سلكا وسلوكا ) المكان ( يعني دخل فيه ) الطريق ( سار فيه متبعا اياه - وسلكه المكان ) فيه وعليه ( أى أدخله فيه والمسلك هو الطريق ذلك هو اذا مدلول عنصر سلك . أما فى اللغة العامية نجد هذا التعبير : " سلكنى من فلان أى خلصني منه - فكيف تطور عنصر سلك حتى صار يعنى خلص ؟ فهل تطور معنى هذه الكلمة خاص بلغتنا العامية ؟ ان مادة سلك موجودة في البونيقية فمن الناس بقرطاجة من كان يحمل اسم " بعلسلك " ويعني ذلك الاسم " بعلخلص " أى خلص المرأة الحامل من حملها . نرى اذا أن عنصر سلك يحتوى على معنى الخلاص أو التحرير فى لسان البونيقيين وورثت لغتنا العامية هذا المعنى البونيقى

أعتقد أن البحث والتنقيب فى هذا الموضوع قد يمكننا من العثور على كثير من الكلمات التى قد ترجع الى لغة البونيقيين ولو اتفقت والعناصر العربية  فى تركيبها الحرفى . ومهما يكن فالمشكلة عويصة لا يمكن البت فيها الآن بصفة قطعية غير أنه ينبغى أن نتذكر أننا قد ورثنا كثيرا عن الحضارة البونيقية نذكر من ذلك الخمسة او نستعملها كتميمة ضد عين السوء وتكون من فضة أو من نحاس تراها عند النساء وعلى رؤوس الاطفال تبعد عنهم قوات الشر ولئن وصلتنا عقائد البونيقيين فلم لم تصلنا بعض مفردات لغتهم

اشترك في نشرتنا البريدية