احمد تائب شيخ الهند فتوسط له بالتدريس في مدرسه شاهي ببلدة مراد اباد ثم توسط له ايضا في زواجه بكريمة ابنة شيخه محمود الحسن ) شيخ الهند ( فانجب منها بنات وبنين وبقى مكرسا جهوده
واوقاته لتدريس مختلف العلوم لتلاميذه وقد زرته فى بلدة مراد اباد ايام دراستى هناك سنة ١٣٤٣ - بمدرسة مظاهر العلوم فاستضافنى يوما عنده فرجوته ان يرينى شيئا من قصائده فاجابني بأنه هجر الغزل وبعد الحاح شديد اطلعنى على بعض نظمه الرقيق بيد انه رجع للشعر ونظم قصائد طويلة فى السياسة والاجتماع داعيا الى الوحدة مع الهند اقتداء بمسلك شيوخه من علماء الهند وفي مقدمتهم شيخه العلامة السيد حسين احمد وقد زار المدينة وحج مع قصائده الاجتماعية والسياسية وآسفانى لم احتفظ بشئ منها ولعل لدى زميلنا مع شيخه مرتين او ثلاثا . واسمعنا من
سيادة السيد عبيد مدني بعض تلك القصائد وهأنا أذكر نموذجا من نظمه ايام نضجه وصباه وقد ذكرت أن المذكور اشتهر بالغزل
الرقيق وخاصة فى التشطير والتخميس والتضمين والسجرات البديعة والقصائد المدحية . فمن قصيدة له فى مدح الشيخ
عمر كردى يوم تولى القضاء بالمدينة عام ١٣٣٨ ه يهنئه ويمتدحه :
عهد الخلافة قد جددت يا عمر
اذ كان أول قاضى شرعنا عمر
فاهنا بمنصبك الميمون مبتهجا
فانه اسم له بين الورى خطر
وليس للمجد صرف عن سما علم
اذ يمنع الصرف عدل فيه مشتهر
فالمحد حلة مجد ليس يبلغها
الا كريم به العلياء تفتخر
وسؤدد المرء اخلاق يسود بها
مدارجا في المعالي دونها الوزر
ما كل من حاول العلياء فاز بها
اذ لم يكن للعلا في بعضهم وطر
وكيف يلتمس الجوزاء ذو وهن
يوما إذا رقي التلعات ينحدر
ومن له فى اقتناص النيرات يد
الى حبائله يوما يفي القمر
ان المناصب مهما جل صاحبها
تسمو والا فاعلاهن تحتقر
ومن يعلل نفسا غير راقية
يقول للحظ في درك العلا اثر
فلتهن طيبة ما قد نلت من شرف
ولتبتهج بك في الجلى وتفتخر
ولتزه محكمة الشرع الشريف بما
وليته من قضاء ساقه القدر
فالشرع مبتهج والحق منبلج
والغدر منحدر والخصم منبهر
شكرا لسيدنا حامي حمى حرم ) ١ (
للمجد وهو لبيت الله معتمر
لا سيما من بدار المصطفى عقدت
له الامارة مقرون بها الظفر
سامي الفخار " على " القدر ) ٢ ( من بزغت
شموس عليائه يحلو بها النظر
وها فرائد شكر صغتها دررا
فاستجلها وهي فى جيد العلا غرر
وافت على قدم تسعى اليك وقد
يهدى الى البحر من انوائه المطر
والفضل منك ابا سامي يقدرها
إذ غيرك اليوم في تقديرها حصر
لا زلت تحرز غايات العلا ابدا
ما شاع فضلك بين الناس فانبهروا
وما صدى هاتف الاسعاد ارخه
) قرت عيون هدى للعدل يا عمر ( ١٣٣٩ ه
وله فى تضمين البيت المشهور :
كنت من كربتي افر اليهم
وهمو كربتى فأين الفرار
ولهذا التضمين سبب لطيف وهو أن الامير على ابن الشريف الحسين أمير المدينة
يومئذ اقترح فى حالة تأثره ممن يحبه ويهواه على شاعره الشيخ عمر كردى أن يضمن له هذا البيت فى قصيدة مناسبة وكان الشيخ عمر مشغولا بمهام القضاء فكلف صديقه عبد الحق بتضمين البيت في ابيات لطيفة مناسبة للمقام فنظم المذكور هذه القصيدة العصماء :
ما لعينيك دمعها مدرار
وبخديك لوعة وزجار
هل يد البين جرعتك كؤوسا
من سليمي ام هل جفتك نوار ؟ ام اثارت لك البلابل ورق
فى الحمى قد اهاجها الادكار ؟ روح النفس لا يروعك بين
انما البين ساعة وتدار وطن النفس بالتجمل واصبر
انما الصبر للكريم شعار ودع الهم فالنوائب يوما
تتجلى وللدجى اسفار
ليس صدع الفراق يورث هما
اذ بعيد الديار سوف يزار
انما تصدع الفؤاد خطوب ليس ترقى كلومهن جبار
انما الرزء ان يطوق وغد حلة دون نيلها الاحرار
انما الرزء ان يسام كريم
ذلة او يضام منه نجار
انا من جرعته ايدى الرزايا
اكؤسا ذوب مزجهن مرار
كان لي معشر الفت اخاهم لى عهود عليهمو وذمار
كنت اعددتهم لكل مهم راعنى حيث عزت الانصار
كنت اشكو لهم تحامل دهرى وهم اليوم سيفه البتار
كنت اعددتهم دروع حروبي وهم اليوم للحروب اثاروا
كنت في الخطب التجى بحماهم فغدوا نكبتي فأين اجار ؟ !
" كنت من كربتي افر اليهم وهمو كربتي فأين الفرار ؟ (
كنت في لوعتى افر اليهم فهمو لوعتي فاين الفرار
نبذوا عهد خلتى ظهريا واساؤوا بي الظنون وعاروا
فالوفا بالجفا يقابل منهم ذلك الضيم ان علمت صغار
سمة تلك فى الحقيقة ضيزى وهي في الدهر للفتى تسيار
ليس في الدهر راحة ترتجيها انما الدهر اهله غدار
فاحذر الدهر لا يغرك عيش صفو ذا العيش كله اكدار
وله في تخميس أبيات لأحمد شوقي : وهى من بدائع التخاميس
بمرآك تزهو لي حدائق ايناسى
وريقك يغني عن مناولة الطاس
فدعني عن الصهباء والورد والأسى تبسم وشعشع على المدامة فى الكاس (
فثغرك في ليل الحوادث نبراسى (
مدير الحميا ! اكؤس الراح عفتها
وحسبي سكاب من دموع ذرفتها
فعاط الندامي اكؤسا قد صرفتها
ولا تلمس الكاس التى قد رشفتها (
" اخاف على كفيك من حر انفاسى (
كتمت الهوى دهرا فلا العين تدمع
ولا القلب من فرط الهوى يتوجع
فمم واني لم اكن قط اجزع
) يقول لي الآسي فؤادك موجع ؟ (
فمن انبا الآسي بفعلك ياقاسي (
عصارة تفاح الخدود حفظتها
كؤوسا وقالوا بنت كرم عصرتها
اأصغى الى اللاحى واكسر دنها
) وينصحني الاخوان بالخمر انها (
" على زعمهم تشفى من الالم الرأسي (
فلو كان مافي الكاس منضوج كرمة
لما رمتها والله يوما برشفة
ومذ صح عندي انها عصر وجنة
فها انا استشفى بها كل ليلة (
) الم تر اني اتبع الكاس بالكاس (
فاصل سقامي منه حمرة وجنة
يصفحها فى القلب مني بجمرة
على اننى اشفى بها فرط لوعتي
واعجب من نفسي ودائى ومهجتى ( اعالجه بالخمر ترقى الى رأسي
هذا غيض من فيض لما للشاعر من النظم الجيد والشعر الرصين ويمتاز شعره بالعذوبة والرقة والرصانة ولقد طاب للمذكور المقام بالهند حتى توفاه الله مبكيا من أهله وأصدقائه فرحمه الله رحمة واسعة وغفر له
