أحرزت تونس في الستينات على إستقلالها ، وتبنت النظام الجمهوري، وأعلنت رسمياً دستورها الجديد .
غير أن السيادة التونسية بقيت مهددة بسبب بقاء العسكر الفرنسي بميناء بنزرت ، ولم يكن من الممكن فتح مجال للمساومة مع فرنسا على أي شبر من الأرض التونسية ، وخاصة أن دعوة الوحدة والعروبة والحرية وعدم الإنحياز وحرب التحرير كانت على أشدها في مصر والجزائر والمملكة السعودية ، وأصر المناضلون التونسيون بقيادة الحبيب بورقيبة على إعلان الجهاد بعد ما رفضت فرنسا إجلاء قواتها عن قاعدة بنزرت وتسليمها . وبات من الواضح أن فرنسا لا تنوي التفريط في هذا الميناء الحربي الكبير الذي تعتبره مركزاً استراتيجياً لجيوشها وقوتها بشمال إفريقيا ، بل بالبحر الأبيض المتوسط بعد ميناء طولون . وبذلك تستطيع فرنسا قمع حركات التحرير بإفريقيا ، وبالجزائر الشقيقة خاصة .
ولم يتردد القائد الأعلى للقوات التونسية في إلهاب حماس الجماهير لإجتثاث ما بقى من آثار الإستعمار . وقاطع الرجال " حلاوة العيش " وقاطعت النسوة أحمر الشفاه ، وأنشدوا جميعاً :
لقد صرخت في العروق الدماء نموت نموت ويحيا الوطن
وهبوا جميعا متهافتين على حلاوة الجهاد ، وباذلين أحمر الدماء ودوت المدافع تصك الآذان ، وغارت الطائرات ، وزلزلت الأرض زلزالها بمدينة بنزرت وقامت القيامة .
وبعد أربعة أيام غلاظ شداد ، وضعت الحرب أوزارها .
وكانت النتيجة أن خسرنا وربحنا في ذات الوقت . وكانت الخسارة كبيرة ، غير أن الربح كان أكبر ، فقد فقدنا عدداً هائلا من الأيدي التي دقت باب الحرية ، ولكننا كسبنا كامل الحرية ، على حد قول حافظ إبراهيم :
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
وقد بادر الصحافي الامريكي طوماس برايدي إلى تصوير تعطش الشعب العربي المسلم بتونس إلى الحرية ، كما صور تعطش المحارب الفرنسي الغربي إلى السيطرة والقهر ، في ظروف تلك الأيام العصيبة فقال :
"لقد كانت الخسارة في بورسعيد جسيمة لكن بنزرت كانت مجزرة مريعة لا سابقة للإنسانية بمثلها ، وبعد وقف القتال ذهبت مع زوجتى إلى القصبة ،وشممت الأول مرة في رائحة الجثث النتنة الملقاة هنا وهناك ، وغير بعيد منها ، وقف المظليون الفرنسيون يضحكون ، ويرمون فوقها بعلب البيرة الفارغة " .
أما الشعراء التونسيون والأدباء فقد سبقوا الصحافي الامريكي في تصوير حبهم لوطنهم وولائهم له ، ولنا في أعداد مجلة " الفكر " الغراء الصادرة سنة 1961 ، وفي المجموعة الشعرية الصادرة بعنوان " عكاظية تونس لسنة 1961 " باقة طيبة الشذي من هذا الشعر الوطني الذي يؤرخ لحدث قومى بارز فى تاريخ تونس المعاصر .
يقول محمد الشعبوني إثر إستشهاد " البنباشي البجاوي "
يا شهيداً لم تزل أناته صاعدات في سما الخلد صعوداً
يا شهيداً ظل رمزاً خالداً هذه تونس وقتك العهوداً
ويقول محسن بن حميدة :
يا إخوتى ولكم ببنزرت الشهيدة ، نازف ملأ الشوارع والديار
والبحر يبتلع النزيف بحر ونار .
إن العذارى ، هل خلقت إلهى أحلى من عذابانا العذاب
إن العذارى تمسهن يد الكلاب
أما المرأة التونسية هذه التي استضعفها المحارب الفرنسي وعمد إلى إغتصابها فلم تكتف بتضميد الجراح ، وإنما رفعت صوتها عالية على لسان زهيدة المؤدب لتقول :
بنزرت أعلت للفداء بنوداً حيوا الجلاء ويومه المشهودا
ما نال منها الغادرون وإنما وثبت ترد الغاصب الرعديدا
ولم يسكت الأستاذ ناصر الصدام عن تفنيد خرافة " ديفول محرر الشعوب فقال متهكماً :
أتدعي الصدق والإخلاص ديفول كذبت ! أنت على الإجرام مجبول
أنت المصاب بداء الكبر نعهده وصاحب الكبر مهما عز مذلول
مستعمر قد بدا في عقله قصر بقدر ما بدا فى أنفه طول
والخلاصة أن الشعب العربي المسلم بتونس قد رفض على مر السنين منذ 1934 وما قبله أن ينال من سيادته نائل وعرف - رغم تواضع إمكانياته المادية - كيف يجلي عن أراضيه الغاضب والدخيل ، ولن ينسى التونسيون الصغار منهم والكبار هذه الذكرى الخالدة ذكرى إجلاء القوات الأجنبية عن بنزورت .
ونحن اليوم أوفي ما نكون لزعمائنا وشهدائنا الأبرار ، الذين ماتوا في ساحة الشرف لتحيا تونس عربية مسلمة حرة أبد الدهر.
وصح قول الشاعر العربي :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم

