الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

في سبيل الفكر

Share

بمناسبة دخول مجلة " الفكر " فى سنتها الخامسة عشرة أجرت مندوب جريدة " العمل " الغراء السيد عز الدين المدنى استجوابا للسيد محمد مزالى مدير هذه المجلة . ونظرا لما يحتويه هذا الاستجواب من توضيح لمنهاج المجلة وأهدافها ومن بيان هام إزاء جملة من القضايا الأدبية والفكرية رأينا تعميما للفائدة نشره بين صفحات " الفكر " .

1 ) ما هو الوازع الأول الذى دعاكم الى اصدار هذه المجلة ؟

اقبلت على مطالعة المجلات الأدبية منذ أن كنت تلميذا بالمدرسة الصادقية فى أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وولعت بها لأنى وجدت فيها الغذاء الروح والمتعة الادبية واستقيت منها ما أكمل تكوينى العام وسد بعض الثغرات التى لم تخل منها البرامج المدرسية فى ذلك العهد . وقد اقبلت خاصة على مجلة " المباحث " التى كان يرأس تحريرها الاستاذ محمود المسعدى ويشارك فيها بالخصوص الاساتذة على البلهوان وعبد الوهاب بكير ومحمد بكير ومحمد السويسى والصادق مازيغ ومحمد الهادى العامرى وغيرهم من الشعراء والقصاصين والباحثين . . . وتألمت كثيرا عندما توقفت هذه المجلة كما توقفت من قبلها مجلات كثيرة وفى مقدمتها " العالم الادبى " .

وكانت " الرسالة " و " الثقافة " و " الكاتب المصرى " و " الكتاب " و " الهلال " وغيرها من المجلات الشرقية تبرز بانتظام ويقبل عليها الناس فى بلادى بكل شغف وكأنهم يعتبرون طبيعيا أن تهب ريح الادب من الشرق فقط وان تأتيهم المعرفة ويهبط عليهم الوحى من البلاد العربية دون بلاد المغرب الكبير - بله تونس - وانه من المناسب لطبيعة الاشياء أن تكون هذه البلاد عقيما فاذا برز مشروع ادبى للوجود سرعان ما يصبه الوهن وتتألب عليه جاذبية الشك وداء فقدان الثقة فى النفس وعقارب التهافت والعصبيات الى هوة الموت وأعماق النسيان .

وكان من الهين ادراك ما لسياسة الاستعمار الثقافية من مسؤولية فى

تثبيط العزائم ووأد الهمم فكنت أتمنى وأنا طالب ثم أستاذ أن أساهم فى بعث مجلة تخدم الأدب التونسى وتحيى الثقافة القومية وتقاوم السموم التى كان ينفثها تعليم الحماية فى نفوس الاجيال جيلا بعد جيل .

وكنت حريصا على أن أقيم الدليل على أنه فى الامكان بعث مشروع ثقافى وتعهده وقبول كل أنواع التضحية فى سبيله كى يكتب له البقاء ويوفق فى أداء رسالته ، طالما كنت مؤمنا بأن التونسى لا ينقصه طول النفس ولا يعوزه الايثار والتفانى إذا اهتدى الى منهاج العمل الصحيح وتمسك بالقيم الصحيحة التى يجب أن تكون نبراسا له ومرجعا .

وكنت سعيدا بالعمل ضمن أسرة " الندوة " سنتى 1953 و 1954 ، وبذلت جهدى كى تستمر فى البروز رغم ما انتاب حينذاك مؤسسها ومديرها ، الاستاذ الصديق محمد النيفر - متعة الله بالصحة والعافية - من مرض أقعده عن تدبر شؤونها المادية خاصة .

وفى تلك الظروف القاسية التى كان الشعب التونسى يقاوم فيها الاستعمار بشتى الوسائل ظهرت بوارق الامل وجنح المحتل الى السلم وبدأت المفاوضات بين تونس وفرنسا على أساس الاستقلال الذاتى ثم التام ورجع المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبية من سجونه ومنافية مظفرا منصورا ، ففكرنا فى الحزب وفى أوساط الاساتذة والمثقفين ، الذين كان اكثرهم من المضطلعين بمسؤوليات فى الحركة التحريرية او فى نقابة التعليم الثانوى او الجامعة القومية للتعليم فكرنا فى انشاء مجلة ثقافية وتحملت - فى اندفاع متعقل ، وتفكير متحمس ومغامرة محسوبة - هذه المسؤولية بكل شرف واعتزاز ، يحدونى الامل فى النجاح حيث أخفقت مجلات أخرى كثيرة من قبل ، وتعم قلبى الثقة فى المثقفين وجمهور القراء بهذه البلاد التى طوت صفحة مظلمة واخذت تتهيأ لان تعيش حياة الحرية وتقرير المصير فى نخوة تضاعف طاقات العمل ، وحمية تتحدى المستحيل .

2 ) لقد كان مشروع " الفكر " فى ذهنكم فى فترة حاسمة من تاريخ البلاد ، فهل كان هذا الوازع وطنيا ، أم كان باطنيا فكريا ، أم مزيجا بينهما ؟ كيف ذلك ؟

ان فى ردى على السؤال الاول ما يجيب على سؤالكم الثانى غير أنى أود أن ألاحظ أن الفصل بين الوطنية والفكر لا يخلو من التكلف فى نظرى ، فالوطنية التى تقتضى محبة الوطن والايمان به والاستعداد للتضحية فى سبيله تتجاوز العاطفة البسيطة وتتعدى السلوك العادى ولا تقف بالخصوص عند مستوى

العمل السياسى بمدلوله المتعارف المألوف ، إنما هى وعي قبل كل شئ لطبيعة العلاقة العضوية بين الفرد وأمته وتصور واضح لأوساع مقومات هذه الأمة ولرسالة المواطن ضمنها ، وعمله الانشائى الخلاق بين صفوفها ، كى تتطور و " تتزوج " يعصرها ، وتسير فى أتجاه الخير والتقدم والازدهار والكرامة ، وفقا لسلم قيم واضح المعالم ، دور المثقف الاول يتمثل بالضبط فى مراجعته دوما ، وتغذيته باستمرار ، والحفاظ على أمانته والتشهير بكل أصناف الزيغ عنه .

واذن فان كل مفكر أصيل وطني " بالطبع " قد ينخرط فى حزب سياسى أو منظمة قومية وقد لا ينخرط ، ولكنه لا يقدر ان يعيش على الهامش وان يستوى على ذروة التفكير المجرد وينظر الى شؤون المجتمع من عل ، انه مدعو - بوحى من ضميره وبطبيعة عمله الفكرى وحرصه على تحديد نفسه من الدنيا والناس - الى جملة من الاختيارات المصيرية والوجودية ومطالب - بحكم أصالته - بحد أدنى من الشجاعة الادبية تجعله يصدع برأيه ويتحمل تبعات مواقفه .

والمجلة قد تكون الاطار العملى المناسب ليعبر فيها المفكر ، والمثقف عامة ، عن آرائه ويبلغ بواسطتها شهادته ، ويناضل فى إطارها عن أفكاره سعيا الى التجديد - أو إذا فضلتم - ثورة على الاوضاع البالية وتشهيرا بالاعراض الزائلة وتمهيدا الى الغد المرتقب .

والخلاصة أن الوازع الذى دفعنى دفعا الى تأسيس المجلة وتحمل المصاعب المتنوعة فى سبيلها وطنى فكرى فى آن واحد ، إنه وطنى بما فى الكلمة من عمق وشمول وتبعات ، وهو فكرى بما تقتضيه العبارة من وجوب تأصيل الفكر في الواقع المشخص الذي يعيشه المفكر بوصفه مواطنا ، وجدلية بينه وبين الحياة المتجددة دوما .

3) الشبان يعتقدون ان تحقيق مشروعكم لم يكن عفويا ، انما كان حتميا فتاريخيا . فما هو مدى صحة هذا الرأى ؟

لعلهم يقصدون بذلك أنه كان من طبيعة الاشياء ان تظهر مجلة ثقافية وان تعيش من يوم ان هب نسيم الحرية على هذه البلاد وأنها بذلك سدت حاجة ملحة كانت تقتضيها طبيعة المرحلة التى مر بها الوطن .

لكن لماذا عمرت مجلة واحدة ؟ ولماذا اختفت مجلات اخرى كثيرة بعد ان برزت فى عهد الاستقلال ؟

الحقيقة ان هذا النسق من التفكير يذكرنى بموقف عدد من المثقفين التونسيين كانوا يتفرجون أيام كفاح الشعب التونسى من أجل كرامته واستقلاله وربما كانوا يستهزئون من نزول بعض زملائهم الى الميدان وتحمل التضحيات ودخول السجون والمنافى ، حتى اذا تكلل هذا الكفاح بالنجاح واستقلت تونس وفتحت الباب لشعوب شقيقة وصديقة فى شمال افريقيا ووسطها ، قالوا : هو التيار التاريخى القاضى بتحرير الشعوب وأفول نجم الاستعمار . ان هذا التفكير لا يخلو من " جبرية " مشعور بها أم لا ، وهو يعتمد على معتقد ما ورائى يسمى " التاريخ " يحجب عن الاعين رؤية كفاح الرجال والزعماء والرسل والعلماء والباحثين والادباء وعما فى هذا الكفاح من جهد وجهاد وآمال وآلام ، ومحاولات واخطاء ، وتفاؤل وتشاؤم ، وحماس وانكسار ، من صبر مصابرة مغامرة حظ .

ولا أزعم أن المسؤولين عن مجلة " الفكر " فى هذا المستوى من التضحية والقيمة ، ولكنى أعتقد ان ايمان الفرد وقابليته على التعاون مع الغير وتجاوز الاعراض فى سبيل الجوهر من شأنها ان تخلق التاريخ أو أن تغير مجراه .

فاذا رجعت الى سؤالكم عن الفكر قلت أن هذا المشروع لم يكن عفويا طبعا لانه كان ثمرة عزيمة مترشدة وايمان واع ولم يكن حتميا فرضته قوة ما ورائية قد تسمى - اليوم - التاريخ - بل كان ولا يزال نابعا من اختيار شخصى ومستمدا قوته من غيرة جماعة من المثقفين فى هذه الديار على اصالة الادب التونسى وضرورة خدمته واعانة الشباب على حمل المشعل ومواصلة النضال .

4) من التف حولكم يوم أبرزتم العدد الاول ؟

ان أول اجتماع لاسرة الفكر انعقد يمقر مطبعة الشركة التونسية لفنون الرسم القديم بنهج سيدى البنا وحضره مع الاساتذة على البلهوان والطيب السحبانى ومحمد الطالبى .

والى جانب الاستاذ على البلهوان الذى مد المجلة بتوجيهاته ومقالاته الى ان مات رحمه الله لكنه لم يحضر اجتماعات اسرة المجلة الاسبوعية ، التف حول المجلة فى الاشهر الاولى الاساتذة محسن بن حميدة والطاهر ڤيڤة ومحمد الطالبى والطيب التريكى والعروسى المطوى والبشير العريبى والهادى حمو وخميس المكنى والبشير بن سلامة ، والحقيقة ان الكثير من هؤلاء الاصدقاء حالت مشاغلهم دون مواصلة المشاركة فى أعمال أسرة المجلة بانتظام ، وانضم مثقفون آخرون كثيرون كل حسب شواغله أو طول نفسه ، والباب مفتوح دائما على أساس خدمة الادب التونسى وتجاوز القضايا الهامشية والعاطفية

والسعى المتواصل لتشجيع الشباب واعدادهم للاضطلاع برسالتهم فى تونس الجديدة المتجددة .

5 ) المثقفون يعتبرون ان الفكر ( من ناحية التفكير التونسى ) هى العمود الفقرى للادب التونسى اليوم ، كما كانت بعض المجلات التونسية فى الماضى ولا سيما مجلة " العالم الادبى " فى الثلاثنيات ، ثم مجلة " المباحث " فى الاربعينيات ، واخيرا مجلة الندوة " فى الخمسينيات الاولى ، فهل هنالك خطة تسير بهديها بل بمقتضاها مجلة " الفكر " منذ صدورها الى اليوم ؟

يمكن تلخيص هذه الخطة فى النقط التالية

I ) الحرص على الاصالة القومية وتحسس طرافة الشخصية التونسية وخصائصها ، تخلصا مما علق بها أو لوثها من غريب النزعات واجنبى التيارات ، طيلة قرون ، ودرءا بالخصوص لرواسب ما سعى المحتلون الغاصبون الى غرسه فينا من سموم وتنشئتنا عليه من ردود فعل دخيلة على مزاجنا وأعمق أعماق نفوسنا ، متنكرة لواقعنا ، مخلة بكرامتنا ، فنحن أمة عربية اسلامية تتوق الى المطلق وتؤمن بالله وتخلص للقيم العليا ولا تساوم أو تتواطأ فى نصرة المبادئ السامية ، ونحن كذلك أمة تنتسب منذ فجر تاريخها الى حوض البحر المتوسط قد أخذت من حضارته المشرقة وتراثه الثرى وامتزجت بشعوبه المختلفة وتفاعلت مع تياراته الفكرية المتكاملة ، ورسب فى أعماقها من هذا وذاك ايمان بالانسان وبقدرته على تجاوز منزلته وتحدى المطلق ومحاولة الخلق والابداع ، كما طبعت نفوس ابنائها على الاعتدال والتسامح والتفتح وجبلت على الشعور بالتضامن مع البشر ، كل البشر ، والرضا بتحمل تبعات وحدة مصير الانسانية .

فنحن أمة مثالية وواقعية ، معتزة بماضيها ومنصرفة بكليتها الى بناء مستقبلها ، متشبثة فى كفاحها بنبل الغاية على قدر تمسكها بسلامة الوسائل , حريصه فى مستوى الفكر على التعاون مع كل الامم على قاعدة : الاخذ على قدر العطاء .

اذن فنحن لا نؤمن بما يسمى " الأممية " المطلقة او الجوفاء التى تدعو الى تجاوز الشعوب والسمو عن الاوطان بل نعتقد ان كمال الانسانية وانتصار الانسان فى مغامرته الوجودية الكبرى وتحقيق السلم بين الناس على أساس التعارف الحق والتقدير المتبادل . . . لا تكون كلها الا اذا تخلصت كل أمة مما قد يشوهها أو يمسخها ، واذا أخلصت لروحها وهويتها ، ثم انتسبت الى البشرية

فأشعت وأعطت وساهمت بقسطها فى رفعة الانسان واثراء الحضارة البشرية وتطور المعارف والعلوم والفنون .

هذا الوضوح فى مقدمات العمل الفكرى ، والسعى الى معرفة النفس قبل معرفة الآخرين ، بله الاعتماد عليهم أو الذوبان فيهم ، وهذه المساهمة فى نماء الثقافة الاصيلة وازدهار الادب التونسى الصميم بوصفهما عينا ثرة ، واجبة الوجود والتدفق المعطاء ، من بين عيون الثقافة الانسانية والآداب العالمية ، لم نزل يؤمن بها منذ اربعه عشر عاما وسنظل دائما ندعو لها ونرفع الغشاوة عن أعين ضحايا الاستعمار الثقافى أو كل من لا يميز بين التعاون والتطفل , الابتكار والتقليد ، القيادة والتبعية ، الانتاج والاستهلاك .

2 ) بقدر ما نتشبت باختياراتنا الكبرى السابقة التى هى مصرية في اعتقادنا ، اذ من دونها لا نرى ضرورة فى نشر كتاب او خلق مجلة بحيث يمكن الاكتفاء بالتقاط الفتات من موائد الغير - كما يقال - بقدر ما نجتنب التقيد بمنهاج دون آخر أو مدرسة دون أخرى أو جيل على حساب جيل آخر بل نحن نؤمن بأن شر ما يصيب المفكر اذ يفكر الحد من حريته فى الخلق بدعوى الاخلاص لشعار معين او الوفاء لعقيدة بالذات .

فالتمذهب الاعمى هو عدو الفكر وهو بمثابة السجن أو الكفن ، انه حجاب يحول دون رؤية الكون واستشفاف الحقيقة المجردة ، النسبية فى المكان والزمان دائما ، و " المذهب " الذى نادينا المثقفين بالعمل على تبينه وتحديده منذ العدد الاول من مجلة " الفكر " هو فى الواقع اجتناب التمذهب المطلق , المنغلق على نفسه ، انه أولا تبين جملة من المبادئ والقيم تعطى الحياة الفردية والجماعية معنى وهو ثانيا دعوة متواصلة للاجتهاد الجسور ، والتفكير الفاتح وإيثار العقل " العاقل " على العقل " المعقول " ، بل انظر الى اغلبية المذاهب الفلسفية والادبية فى الماضى والحاضر كيف تتصلب ويجف ماء الحياة فيها فتذوى وتموت بعد نوبات عصبية تبلغ فيها حمى التعصب أو برودة الاحتضار درجات قصوى .

3 ) لذا لم نزل ولن نزال نتوسم الخير فى الشباب ونفسح المجال أمامهم ، لانهم النسغ النابض والطاقة المتجددة ، والحياة المتدفقة والقوة الواقبة من داء التحجر ومغبة التعصب وكارثة التحنط ، ولان الحوار معهم هو الضمان الاكبر لترابط الاجيال وتفاهمها وتمتين صلة الرحم بين عناصر الامة الواحدة فى سعيها العنود الى الوجود الاكمل وتعزيز التواصل والاستيحاء المتبادل بين الماضى والحاضر والمستقبل .

وليس المقصود بالشباب الشبان وصغار السن وحدهم ، بل الشباب هو حالة نفسية واستعداد فكرى وحيوية قد تجدها فى الكهل وحتى فى النسيج تفتقدها فى بعض المراهقين الذين انبروا يلوكون شعارات اعتقدوها - ما منهم فى آذانهم " - الحق المطلق ، ويدعون الى بعض الافكار ظنوها - فى غباوتهم - الخبر المجرد أو الواقع الذى " لا يختلف فيه اثنان" .

فالشباب حده وماهيته - كما قد يقال - الشوق الى المعرفة والطموح إلى مخبئات المجهول والتجاسر على مغلقات الكون والاخذ بالشك المنهاجى كطريق  الى المعرفة التى تتطور بدورها وتضطر العقل الشاب والفكر الحى الى اعادة النظر والملاءمة من جديد بين الرأى والواقع والسيطرة على الكون والتاثير فيه ليكون الانسان بذلك خليفة الله فى الارض .

لذلك لا نزال نحرص على التواضع الشديد ازاء انتاج الشباب ، ننتظر منهم الكثير ونقدر فيهم الطاقات الكامنة ، وتتراءى لنا من بينهم النجوم التى ستتألق فى سماء الادب والثقافة ببلادنا فنشعر بأنا قمنا بالواجب ووفينا بالغرض اذا نحن أخذنا بأيديهم وساعدناهم فى خطواتهم الاولى ويغمرنا الاعتزاز الفخر اذا هم قلقلوا معتقداتنا وحملونا على مزيد التفكير ومجدد الاجتهاد واعادة النظر فيما اعتقدناه حقا وخيرا وجمالا ، نقوم بكل ذلك على أساس المحبة لكن من دون محاباة أو مركبات ، ديدننا خدمة الثقافة والادب بهذه الديار .

وليس يعنى ذلك - وهل أنا فى حاجة الى تأكيده ؟ ان انتاج الشباب مقبول وواجب التشجيع لمجرد كونه من انتاج الشباب ؟ لا ، طبعا بل اننا دائما نحاول ان نتعرف الى ملكات الشباب ومواهبهم واستعدادهم الى التحسن والتكون والنظر الى انتاجهم لا فى حد ذاته بل بوصفه مبشرا - أو غير مبشر - بما هو خير وارقى وأعمق ، وأعتقد أنا وفقنا فى ذلك الى حد كبير .

4 ) العمل على أساس الهواية ولوجه الله ، لانا نعتبر مجلة " الفكر " مجلة مناضلة ، ومضطلعة برسالة فى تونس الجديدة ، يلتف حولها وينتسب اليها ويشارك فيها بالكتابة أو الارشاد والتوجيه كل من يؤمن بقداسه الحرف وبعد اثره فى المجتمع ، وكل من يؤمن بنفسه ويعطى لحياته معنى ولنشاطه هدفا , وكل من يؤمن بأن الخلق الادبى والمخاض الفنى ليسا من الاعمال التى تقاس بالمادة أو تكافأ بالمال .

ان تجربة الخلق الادبى الأصيلة عفوية ، تلقائية ، لا تفتقر الى الوازع الذى ليس من جنسها أو الملوث لطهارتها .

والادب نضال من اجل المبدأ ، من اجل الحق ، والخير والجمال والرفعة الانسانية ، ومناخه الطبيعى الحرية ، فاذا أصبح الاديب يكتب ليعيش ويوفر قوته فمن ذا الذى يضمن له الحرية والكرامة فأصالة الانتاج وسلامة التجربة ؟

والفكر ستظل دائما مجلة المثقف الحر و الاديب الاصيل  .

تلك أهم أسس الخطة لا تزال مجلة " الفكر " تسير بمقتضاها .

6 ) هل تقتصر مجلة " الفكر " على انتاج معين أم تفسح المجال لكل انواع الانتاج مهما كانت اتجاهاتها ؟ بآختصار ما هو المعيار الاساسى الذى تعتمدونه فى النشر ؟

الانتاج انواع فاذا كان من النوع الوصفي - ان صح التعبير - أى إذا قصد الكاتب التعريف بتيارات واتجاهات فكرية أو علاج شؤون قضايا أدبية وتوخى فى بحثه أو دراسته الموضوعية والامانة وقصد الى الافادة ووفق الى الجديد الطريف ، فنحن نشجعه عليه ونرحب به ، لكن اذا كان فى ما كتب داعية لنظرية تتضارب مع المبادئ التى من اجلها تأسست مجلة " الفكر " لا نرى موجبا لنشر انتاجه ، من دون ان يتضارب ذلك مع مفهومنا للحرية اذ فى وسع هذا الكاتب ان ينشر ما يراه فى نشريات اخرى وفى امكانه بالخصوص ان يؤسس جريدة أو مجلة للدعوة لما يراه صالحا وان يتحمل تبعات كل اختياراته وتلك الرجولة الادبية الحق .

اما اذا كان الانتاج من النوع الاننشائى ، شعرا أو قصة أم مسرحية .... فنحن لا نتردد فى نشره مهما كان موضوعه أو مضمونه ومهما كان منهاجه والمدرسة الادبية التى ينتمي المؤلف لها أو الجيل الذى ينتسب اليه .

المعيار الاساسى الذى نعتمده فى هذا الصدد هو القيمة الذاتية ، فاذا كانت الطرافة والفكرة الرشيقة والخيال الخصب والعبارة الجميلة والتجربة الصادقة واذا حصل التأثير أو الاثارة وتم الاتصال الروحانى أو الوجدانى أو الفكرى بين المؤلف والقارئ فكان بذلك الانتاج ادبا حقا ، تتتبناه حينذاك مجلة " الفكر " وتضطلع بمسؤولية نشره .

فأنت ترى أنا تجاوزنا منذ أول عدد للمحلة الخصومات التافهة حول الادب الهادف أو المجانى ، والالتزام ، والقديم والجديد ، والموزون والحر . . . واهتدينا الى الاهم وهو التمييز بين الادب واللا أدب .

لقد فتحتم الباب عريضا وواسعا في وجوه الكتاب والشعراء الشبان خلال السنتين الاخيرتين . فهل معنى ذلك ان الجيل السابق من الادباء لم يعد بقدر على التعبير مثلا أم ما هو القصد الذى ترمون اليه ؟

لا نعتقد أنا غيرنا موقفنا من الشباب وانتاجهم الادبى ، فالكثير من الادباء المتفوقين اليوم في الشعر أو القصة مثلا كانوا منذ عشرة أعوام أو أكثر شبانا مجهولين وطلبة مغمورين ، أخذنا بأيديهم فى الابان لأنا توسمنا فيهم الخير

فنشرنا محاولاتهم الاولى ولم يتردد حينذاك بعض " كبار الحومة " فى التعبير عن اشفاقهم من انحدار " مستوى المجلة " وازورارها عن مسلك الثقافة القويم , بل ان بعض أعضاء أسرة المجلة من الاساتذة المحترمين لم يبخلوا علينا بانتقاداتهم وربما زهدوا فى محاولة التعاون معنا خوفا من تعايش أسمائهم اللامعة مع من كانوا يعتبرونهم نكرات ، ولا فائدة فى التذكير - علاوة على ذلك - بما كان يعلق به بعض الجامعيين على " تهريج الصبيان " وفى هذا الصدد أرجو ألا يصاب اليوم شبان الامس الذين شجعناهم وثبتنا أقدامهم منذ أكثر من عشر سنين بمركب الغرور ، فينظروا الى انتاج اخوانهم نظرة استعلاء ويعاملوهم بما عاملهم به بعض " سدنة الادب " ومحتكرى الثقافة .

على انه مما يلفت النظر فعلا ان نسبة ما ينشر بمجلة " الفكر " منذ سنوات قلائل من ادب الشباب فى تزايد واضح وانما مرد ذلك الى النهضة العارمة التى شملت الثقافة والادب فى تونس والى ما بدأنا نجنيه من ثمرات ديمقراطية التعليم ونشر الثقافة فى تونس البرقيبية ، ومرده كذلك الى تضاؤل مركبات النقص التى كان يقاسى غصصها ويعانى عقمها غالب المثقفين والى الايمان بالادب التونسى ومستقبله الزاهر والمنزلة المرموقة التى أصبحت له فى المجتمع .

ففتح الباب عريضا واسعا فى وجوه الادباء الشبان ليس منعرجا فى حياة المجلة ، انه مبدأ لازمها منذ نشأتها ، وهي بهذا الاعتبار مرآة ينعكس فيها مستوى الادب التونسى وتتبلور حيويته أو هذا على الاقل ما نطمح اليه .

ولا نزال في أول الطريق ، وصدقونى اذا قلت إن مستقبل الفكر والادب بتونس خير بكثير من حاضره ؛ وأول الغيث قطر . . .

8 ) ما رأيكم فى " التفرغ الادبى " ؟

أجبت عن هذا السؤال فيما يتعلق بالخلق الادبى وقلت انى لا اؤمن بالتفرغ لانه ليس ضروريا ولا كافيا ، ولانه قد يحد من حرية الكاتب ويحرجه ( راجع الجواب عن السؤال 5 ) أما إذا كان التفرغ للبحث والدرس والعمل الصحافى مثلا فانه مستحسن خاصة عندما يكون مورد الحياة الوحيد أو شرطا لتوفر الصحة البدنية والراحة النفسية .

، كيف ستستأنف " الفكر " سنتها الخامسة عشرة التى نرجو أو تكون زاخرة ؟

استأنفت " الفكر " سنتها الخامسة عشرة وهى أقوى ما تكون على مواصلة الجهاد الثقافى المقدس وأخلص ما تكون للمبادئ التى اعتمدتها من نشأتها والتى دلت الاحداث والتطورات على انها صالحة جديرة بالبقاء " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض " .

اشترك في نشرتنا البريدية