الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

في سبيل رؤية جادة للمجتمع الموريتاني

Share

- توضيح منهجى :

جرت العادة أن يبحث كل موضوع عن أصوله فى الماضى لان ذلك أصبح من مقدمات العمل ؛ وهذه الاولوية فى المناهج الفكرية هدفها أن تضع أمام القارىء مختلف التشنجات والالتواءات . ورغم اعتقادنا أن هذا النوع من البحث أصبح مبتذلا ، الا أننا لا نرى مانعا من السير فى اتجاهه لانه يمكننا من استشفاف ملامح المسار التطورى ، والوقوف على كل الملابسات الاجتماعية والسياسية .

وهكذا فانى عندما عدت فى بحثى هذا الى ما قبل سنة 800 ه أى قبل دخول قبائل مغفر ، اعتقادا منى أن هيكل موريتانيا كوحدة سياسية واجتماعية سابقه على هذا التاريخ ، وجدت من الصعب بل ربما من المستحيل القول بأمة موريتانية حسب المفهوم الحديث كما تم تعريفه فى الغرب .

كما لاحظت - خلال البحث - أن المجتمع الموريتانى لم يشهد سكونا ذلك أنه كان يتحرك تحت الضغوط والحروب الداخلية بأشكال مختلفة ومتتابعة ، ومن أبرز مظاهر ذلك تقسيم البلاد الى كتل اصطدمت من حين لآخر مع بعضها البعض ، فالقبيلة كانت هى الوحدة الاساسية التى ينبنى عليها الهيكل السياسى والاجتماعى فكل كتلة قبلية قائمة بذاتها وأفرادها متماسكون :

(( لا يسألون أخاهم حين يندبهم     فى النائبات على ما قال برهانا (1) فأفراد القبيلة أشبه ما يكون بالعناصر المتشابكة فى الوحدة العضوية الحية ،

لان المجتمع ما هو الا أسر كثيرا ما تكون من أصل واحد فيه التجار والصناع وأهل العلم والقادة العسكريون والسياسيون

ان الحياة الاجتماعية التى كانت تنعكس عليها هذه الصورة ، صورة المجتمع  الموريتانى تحمل معالم مؤشرات يمكن اجمالها فى ما يلى :

أولا : اذا رجعنا إلى البيئة الموريتانية وجدنا أوضح ما تمتاز به ظاهرتى الحرارة والصحراء فمناخ موريتانيا حار شديد الحرارة والمناخ عادة أشد سطوة وأكثر تغلبا من أى شئ سواه على البشر والصحراء تفرش معظم البلاد مما ترك آثارا على الحياة بصورة قوية ، فالاساس العام يرتكز على الزراعة والماشية مع تفاوت واسع حسب المناطق ، والحراثة تقوم على الامطار ومن ثم فان الارض أرض بعلية أى غير مروية وبالتالى فان نظامها لا سببيى .

فأي شئ يمكن أن تفسره لنا هذه الظاهرة ؟

يمكن أن نجيب فنقول : انها تفسر لنا ظاهرة الثبات والبساطة ، ومن هنا فان المجتمع الموريتانى كان شديد الثبات على التقاليد محبا لها ثابتا عليها .

ثانيا - ظهرت عوامل فى المجتمع الموريتانى عرقلت الكثير من تطوره منها الحوائل الطبيعية بينه والمجتمعات الاخرى من بحار ، وصحارى ، ومسافات شاسعة ، وكذلك البعد الكبير بين موريتانيا والعالم الاوربى ، من حيث الحالة الاجتماعية والدرجة العقلية ، والاقتباس غالبا ما يكون إذا تقاربت العقليات .

فقد شكلت الصحراء بعدا جغرافيا خطيرا ، عزل هذه البلاد عن بقية الوطن العربى سنين دأبا مما كان له الاثر البالغ فى تطور هذا المجتمع فقد قيل ان القاموس المحيط اشترى بعشرين بعيرا ، وذلك فى القرن 12 ه ، وان ديوان المتنبى اشترى بعيد شباب (2) .

ثالثا اعتماد الموريتانيين - بدون استثناء - على المذهب المالكى ، وهو مذهب يعتمد غالبا على الفروع وآراء الفقهاء أكثر من الاصول ( القران والحديث ) مما جعله يمنع كل اجتهاد وكل تأويل ، وكان من نتائج ذلك ظهور التفسير الظاهرى للقرآن

كما اعتمدوا العقيدة الاشعرية ورفضوا ما سواها ، كما كانت ميولهم السياسية شيعية زيدية

ولعل السبب فى ذلك هو ما يعتقدون من نسب هاشمى ، كل ذلك يجعل رباطهم الايديولوجى الدينى واحد (3)

رابعا - من سنة 1936 - أى انتهاء المقاومة فى مورتانيا حتى سنة 1960 لم يحدث فى البلاد أقل تغيير سياسى أو اجتماعى ، ولم تحاول الادارة الاستعمارية المحلية ولو اعطاء الصفة الانسانية للمجتمع الموريتانى وتخويل الموريتانيين بعض الحقوق واعطاءهم حق التسيير الذاتى ، وغاية ما هنالك أن الادارة الفرنسية كرست جهودها فى مواصلة (( التهدئة )) فلم تعرف موريتانيا والحالة هذه - خلال هذه الفترة - ما يمكن أن يسمى (( التنشئة الاستعمارية )) التى كثيرا ما تتولد فى أحضانها تنشئة وطنية .

وهكذا فلم تكد تعرف الاستعمار ، ولم تكد تتعرض لعواقبه السلبية كما لم تستفد من مكاسبه ومزاياه الايجابية (4) .

خامسا - ظاهرة الاقتصاد الطبيعى فقد ساد نظام (( المقايضة )) من وادنون على التخوم المغربية حتى بلاد السنغال ، فهذه البلاد لم تعرف سكة نقدية وانما عروضا ، ورغم ظاهرة (( الودع )) كعملة نقدية (5) بتأثير من السكان السود المجاورين رغم رواج الملح فى التبادل التجارى (6) .

فان نظام المقايضة والاقتصاد الطبيعى كان له تأثيره،البالغ فى تحديد علاقات الانتاج وانعدام ملكية تجارية وبالتالى طبقة تضغط اقتصاديا .

يقول الشيخ محمد المامى : وما بين آكمين ( ناحية من مدينة سنلويس السنغالية ) (( ووادنون )) لا سكة فيه بل عروض تغلب فى هذا البلد وغيرها يغلب فى بلد آخر كابن المخاض (7) .

الارض والسكان

في ذلك الطرف الاقصى وعلى ضفاف المحيط ووسط رمال تلك الصحراء المترامية الاطراف قام مجتمع متمسك بالاسلام دينا ، وبالعربية لغة ، مجتمع ((أهمل)) ردحا من الزمن .

فى هذه الارض (( المنسية )) يكون البحث عن هوية لهذا المجتمع امرا ضروريا يفرض نفسه على المثقفين من أبناء الوطن ، ويكون القيام بتحليل موضوعى ودقيق للحالة الاجتماعية والسياسية ، والقاء الضوء على الاسس الداخلية أمرا ضروريا .

وعن هوية هذه البلاد وحدودها السياسية ، لا نجد فى المصادر القديمة تسمية مضبوطة او حدودا مرسومة قارة .

فسيدى عبد الله بن الحاج ابراهيم يرسم حدودها من الساقية الحمراء إلى السوادنين الى أروان (1) - أقصى نقطة فى الشمال الشرقى من جمهورية مالى الحالية - واحمد بن الامين الشنڤيطى يراها من قاع ابن هيبه ( كيهيدى الحالية ) الى ما وراء ((ولاتة)) ((والنعمة)) شرقا ، ثم بلاد السنغال غربا (2) . أما الشيخ محمد المامى ، فيرسمها من نهر شمامة ، ازاء السنغال الى الحمادة جنوبا من سجلماسة ، والى الساقية الحمراء ، وهى حد بلاد السوس (3) .

ولم تكن التسميات أقل اضطرابا من الحدود ، فقد أطلق سيدى عبد الله بن الحاج ابراهيم على البلاد (( الارض السائبة )) وبلاد (( المغافرة

(( وشنڤيط )) (4) . وأطلق الشيخ محمد المامى (( البلاد السائبة )) (( وبرك الغماد )) وأطلق على الاقليم الغربى (( القطر الشنظورى )) (5) .

وعرفها محمد بن أبى بكر الصديق الولاتى البرتلى بـــ : (( بلاد التكرور )) (6) ويرى الاديب والمؤرخ المعاصر المختار بن حامدون أن هذه البلاد كانت تعرف باسم (( صحراء الملثمين )) (7) .

وهذا الاضطراب فى وجود تعريف قار متأت عن انعدام وحدة سياسية شاملة اذ ذاك ، ونظام مركزى قار .

ورغم ذلك فان هناك حدودا اجتماعية وثقافية قوية تربط البلاد ربطا قويا مثل اللغة والدين والمناخ ، والقواعد الذهنية المتبطنة فى سلوك الافراد ، وفى أحلام الرجال ، ورسوم لاطفال ، وحكايات الامهات ، ودروس التربية الاخلاقية

وعلى كل فان هذه البلاد أديرت وعمرت من قبل جنس (( البيضان )) مما جعل الفرنسيين يطلقون على القطر : (( أرض البيضان )) .

وقد دخل الاسلام فى تاريخ مبكر من ظهوره وبالضبط فى القرن الثانى الهجرى ، وتم توطيده فى القرن السادس الهجرى ، على يد عبد الله بن ياسين

تحرك معقل ودواعيه

وكان دخول قبائل (( المعقل )) فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين (8) بالنسبة للتاريخ الموريتانى فترة حاسمة ، فقد برزت بوضوح شخصية موريتانيا الحديثة ، وتشكل تاريخ البلاد بشكل قوى ، فقد سيطروا على البلاد ثقافيا وسياسيا ، ونشروا لغتهم العربية ، وأسسوا امارات عديدة متفاوتة الحجم والنفوذ وحظوظ النجاح .

وتعود تحركات هذه الكتل البشرية فى القرنين المذكورين ومغادرتهم بلاد السوس - فى الجنوب الغربى - الى سببين اثنين :

1 - سبب سياسى يعود الى الضغط الذى مارسه السلطان المرينى يوسف بن يعقوب لما كان يخشاه على مملكته من تهديد ، وذلك لكى تغير هذه القبائل الارض ، فتتوجه الى ارض أخرى حتى تكون بعيدة عن رعيته القروية.

2 - سبب اقتصادى وهو البحث عن تغذية الافواه البشرية المتزايدة ، فقد كان الهجوم على المناطق الخصبة والتحكم فى محاور ومفترق الطرق التجارية هو المنفذ الوحيد لسد حاجيات الناس ماديا .

توجهت - اذن - هذه الكتل البشرية تحت ضغط هذين العاملين نحو الصحراء المتاخمة للمحيط ونحو المدن المهمة ذات الشأن ، المتحكمة فى الطرق التجارية .

ونظرا الى صعوبة المواصلات وانعدام الانهار والأودية المتواصلة فان البلاد لم تعرف عاصمة قارة نهائيا ، ولم يتح لها البتة ان تحقق وحدتها حول عاصمة ما .

فلم تكن اذن المدينة بالمقوم الاساسى للوحدة وانما المقوم هو القبيلة منفردة أو متحدة مع جاراتها ، وبانعدام الامة أصبحت القبيلة أمة صغيرة تأخذ جميع صلاحياتها ، وأصبح رئيس القبيلة بمثابة الخليفة أو الملك .

فالوضع الصحراوى - اذن - وتركيب المجتمع اذ ذاك كانا مسؤولين عن ظهور ما يمكن أن نطلق عليه (( القبائل الدول )) كما حدث فى المغرب اثر دخول قبائل بنى هلال وبنى سليم حيث تأسست فى كل مدينة - تقريبا - دولة (9) .

فكان يبرز من حين لآخر زعيم جرئ يؤسس امارة او رئاسة ، ويتولى مسؤوليات مختلفة ، سياسية واجتماعية وعسكرية ، وتبقى زعامته مرهونة بالتفوق والجاه والسلطان والقهر تتوارث بعده طالما كان الابن أو الاخ ( ولى العهد ) حائزا لمثل تلك الصفات ، وكلما طال التوارث كلما أصبح الرئيس فى مركز من الجاه والشرف ، وقد تنهار امارته تحت ضربات منافسيه من بنى عمومته أو من قبائل أخرى . ان دخول قبائل المعقل - على هذا النحو - واستقرارهم غير كثيرا من مجرى الاحداث ، فقد كانت هذه المجموعات البشرية تشكل مجتمعات بدوية مختلفة تجوب الارض ، وكان على

رأس كل كتلة قبلية رئيس متنقل أيضا ضمنها ، فى رحلته (( ومحضره )) ، اذ لم يكن له مكان قار أو بالاحرى عاصمة الا نادرا ، فهو مثل غيره يتنقل وينتجع داخل حدوده الترابية ، اذ كان لكل قبيلة حدود لا تتجاوزها الا نادرا ، وهذه الحدود مشاعة بين أفرادها فلكل الحق فى زراعتها وانتاجها وحفرها وعليه الدفاع عنها .

وأصبح التكتل القبلى هو النموذج السياسى والاجتماعى لكل عناصر المجتمع الموريتانى فالى جانب (( القبائل الدول )) فى مجتمع البيض هناك العناصر السوداء وكانت لها قبائلها وامارتها المستقلة من التكارير وسرقله ، والولف التى كانت مجاورة للنهر - نهر السنغال -

وقد قاموا بدور حاسم فى نشر الاسلام ، ونشر اللغة العربية ، بالرغم من أن لهم لهجاتهم الخاصة وهى بعيدة كل البعد عن اللغة العربية ، التى أصبح لها لديهم حظ كبير فهى لغة العلم والدين ، ولغة الكتابة . والاتصالات السياسية .

ومن أشهر هذه الامارات (( امارات آلمان )) التكرورية التى شاركت كغيرها بنصيب وافر فى نشر الاسلام والجهاد مع المرابطين ، واكتسبت بذلك شهرة وصيتا وتقديرا ، فالشيخ محمد المامى العالم والمتصوف الشهير يقول عن نفسه انه (( سمى بوصيابا المامى )) (10) كما حاربت هذه الامارات السود ، الى جانب ناصر الدين ، وانضموا الى حركته (( السلفية )) ثم كانت لهم مواقف مشرفة ضد النفوذ الاجنبى ومحاربة الاستعمار .

دخول الاستعمار

- عرف المجتمع الموريتانى منذ مطلع هذا القرن صراعا ضد الهيمنة الاجنبية وصراعا بين الفئات الموالية للاجنبى والفئات المناوئة له فى الداخل ، وترك هذا الصراع تقاليد سياسية وفكرية راسخة ، من أهمها المنهج المستعمل فى تبرير ذلك الموقف .

لقد كان النظام السائد فى أوائل هذا القرن قبل التغلغل الفرنسى نظام مشائخ ، وأهم ظاهرة فيه أنه اتسم بالعداء الشديد لكل تدخل أجنبى وخاصة اذا كان غازيا (( كافرا )) .

وكانت كراهية الرجل الموريتانى لهؤلاء الاجانب شديدة ، وهى كراهية جاءت لتمكن الاسلام من نفسه .

وبالرغم من ذلك فقد وجد من بين الموريتانيين من لعب دورا بارزا ونشيطا فى مساعدة الفرنسيين خلال حملاتهم الاستطلاعية فى أواخر القرن الماضى ومطلع هذا القرن

واذا علمنا ان الفرنسيين مكثوا ستة وثلاثين سنة تقريبا ، أى من مطلع القرن سنة 1936 فى احتلال موريتانيا ، علمنا ان المقاومه كانت شديده وأن الكراهية كانت مستحكمة .

ولتكوين فكرة عن ظاهرة الصراع بين الفئات المناوئة للاستعمار الفرنسى والفئات المناصرة له أحيل القارىء الى مجموعة من الرسائل الواردة فى كتاب إسماعيل همات بعنوان يوميات موريتانيا السنغالية (1)

وأيا ما كانت الامور، وبغض النظر عن الاندماج المظهرى والعدوى السياسية فان النفور والكراهية - فى مجتمع (( القبائل الدول )) للفرنسيين كانا شديدين خلال فترة الاحتلال - فبالرغم من المغريات المادية والحيل التنظيمية (2) فقد بقى المجتمع الموريتانى خارج الدائرتين الثقافية والاجتماعية للاستعمار الفرنسى - خلافا لبقية المستعمرات .

فبقدر ما كان سائر دول افريقيا الغربية مستعدة منهمكة ، بكل جشع فى الحضارة والثقافة الفرنسيتين كمكسب يجزئ لثقافتهم ، كانت المقاومة والرفض لاتساع النفوذ التعليمى والاجتماعى الفرنسى من قبل الموريتانيين ، فعملية التماثل والتبنين السياسى والاجتماعى مع الدولة الكولونيالية كان منزعا من منازع المستعمرات السوداء فى غرب القارة ، أما موريتانيا فقد بقيت محافظة على شخصيتها وثقافتها وتنظيمها السياسى والاجتماعى .

فما هو السبب فى ذلك يا ترى ؟ يرجع الكثير من المهتمين ذلك الى العامل الدينى ، فالمجتمع الموريتانى الذى اعتنق (( الاسلام )) منذ عدة قرون لم يكن يولى أى اهتمام وبالاحرى أى

اعجاب لما جاء به الفرنسيون من ثقافة ومن تنظيم سياسى واجتماعى (3) خلافا لبقية الدول الافريقية السوداء .

الا ان السؤال الثانى الذى ينبغى طرحه للتقدم أكثر هو : هل كان هناك شمول وتدبير متعمد منذ البداية فى فلسفة الرفض هذه رفض الثقافة والحضارة الفرنسيتين ؟

ان الجواب على هذا السؤال يقتضى نظرة خلفية فى بعض المعطيات والملابسات الاجتماعية ، التى شكلت بصورة أو بأخرى ، سير الاحداث من المسلمات العامة أن جل قبائل الزوايا - الرئيسية - والقبائل السوداء تساكنت وتحاربت وتعايشت فى مشادات ومعاكسات - فترة قديمة تعود الى ما قبل الاسلام وبالتالى قبل دخول العرب الفاتحين .

وكانت لهذه القبائل نظمها السياسية ، ولهجاتها المحلية المتشعبة من بربرية ( لهجة أزير - و آزناق ) وبولارية وسرقلاوية ...

وعندما جاء المغافرة الى البلاد دخلوا مع هذه الكتل والتحموا معها فى صراعات حاسمة ، كان النصر لقائدتهم ، وذلك بقوة السلاح وكانت لذلك ردوده الفعلية التى شكلت على هذا النحو أو ذاك الايقاع التاريخى فيما بعد ، منها على سبيل المثال :

- انتصار اللغة العربية وانتشارها على نطاق واسع - تاسيس تحالفات شفوية أو ضمنية فى سبيل التعايش والتداخل بين المنتصر والمهزوم .

- حدوث تبرمات وصراعات نفسية فى نفوس الكتل المغلوبة ، وصلت فى اوضح صورها فى محاولة ناصر الدين الجادة - أولا - ثم فى تأييد أو رفض التدخل الفرنسى - ثانيا - مما هو موجود تحت أقلام الكثيرين من ((فحول)) الفقهاء ورجال الدين .

ان هذا الايقاع لسير الاحداث سيوضح لنا الكثير من الاستنتاجات المستخلصة .

سيوضح لنا الاندماج أو عدمه بالفرنسيين ، والاقبال أو عكسه على ثقافتهم وقد كانت فلسفة الكثير من القبائل (( العرب )) وقبائل الزوايا ترفض رفضا مستميتا التغلغل الفرنسى وترى فيه القضاء عليها ، وعلى سلطتها وعاداتها - من جهة - كما ترى فى قبوله والاستسلام له كفرا وردة يقطع على مرتكبيها طريق التوبة .

وبالمقابل ، كانت كتل أخرى تروى فيه منقذا للبلاد فى الحد من ((السيبة)).

وهكذا تشكلت فلسفة الاندماج أو الرفض ومدى تقبل الموريتانيين للثقافة الفرنسية وتعليمها أبناءهم وذويهم فتأسست دعوة تقوم على تشكيك الناس فى ماضيهم وهدم اعجابهم الذاتى بأحسابهم وأنسابهم فى سبيل شق طريق جديدة لاصلاحات أجنبية الشكل لائكية المضمون .

وقد تكون هذه الاستخلاصات معارضة لافكار شائعة ، وسبب ذلك بسيط فقد جرى حتى الان التحليل فى ضوء البنية الاجتماعية واستخلاصنا هنا يقترح قلب الادوار

اشترك في نشرتنا البريدية