كان لا بد أن يمر المسافر الى وطنه من مدينة فلورنسا بمدينة بيزا اولا ليستقل قطار روما السريع ، والحقيقة ان هنالك عربة تقطع الطريق بدون توقف ، ولكنها كانت تحجز دائما لنفر خاص من ذوى المكانة والاهمية . وبصرف النظر عن ذلك نقد كان كل مقعد تقريبا فى أى قطار بأيطاليا يحجز دائما للشخصيات البارزة من الناس او لكل من فقد عضوا من اعضائه فى الحرب وان كان من يكثر
السفر منهم قليلا جدا ، وقد لاحظت شخصيا ان هذه العربة التى تسافر إلى فلورنسا رأسا ، لم تكن قط مشحونة بالمسافرين من كبار الشخصيات لدرجة ان لا اجد لى مكانا فيها . وفى القصة التى أريد التحدث عنها كانت الآنسة برادلى من بين الركاب ايضا مع انها لم تكن من ذوى المكانة والجاه كما كان يبدو عليها فقد كانت اشبه بممرضة من الممرضات وقد لفت نظرى اليها ما بها من قبح بشكل غريب، يدعو الى الدهشة ، كانت مكتنزة الجسم بادية الطول فى الخامسة والثلاثين من عمرها ، ذات انف أحمر كبير عليه نظارة كبيرة ذات اطار من حديد ، يمتلئ وجهها بآثار الجدرى ، ان ما كانت عليه من منظر قبيح ، يكون جزءا هاما من القصة التى اسردها ، المهم اننى عندنا ذهبت الى عربة الطعام ، كانت الآنسة برادلى قد سبقتنى الى هناك وقد اجلسنى الرجل القائم على خدمتنا فى المقعد المواجه لها ، وكان تناول وجبات الطعام بقطار روما السريع يستغرق وقتا طويلا ، وكانت المدة التى مرت
بالنسبة الى كأنها الدهر ، كما لاحظت انها كانت قاسية بالنسبة اليها ايضا .
اذا كنت انكليزيا فان من الصعب عليك ان تتحدث باللغة الايطالية أو الفرنسية فى مناسبات كهذه ، حيث يكون الجرسونات مستعدين لممارسة ما يعرفون من اللغة الانكليزية ، معك . وكان الرجل الذى يقوم بخدمتنا على المائدة يتحدث بالانكليزية بطلاقة ومع ذلك فقد قررت الآنسة برادلى ان تطلب ما تريد من طعام باللغة الفرنسية ، وكانت تتحدث بها فى ركاكة اشبه باحدى طالبات المدرسة وكانت تتحدث ووجهها يحمر خجلا كأنما تشعر بحقيقة ما تفعل ، وكنت أجد صعوبة انا نفسى فى فهم ما تقول ، ويبدو ان الندل كان لا يفهم شيئا مما تقول فقد كان يأتيها بما فى متناول يده من اطعمة ، مما يحمل على الاعتقاد بان الآنسة برادلى لم تكن قبيحة جدا فحسب بل فى منتهى البلادة والغفلة ايضا .
كان لا بدلى من ان اتبادل معها بضع كلمات على المائدة فى تناول السكر والخبز كما كان من المستحيل ان تتناول الطعام مع احد بدون تبادل بعض الفاظ المجاملات، وكانت هذه بالفعل هى كل ما تبادلناه من حديث ، وبعد ان غادرت عربة الطعام لم اتجه بالآنسة برادلى مرة اخرى الى ان وصلنا الى كاليه ، حيث وقع نظرى عليها بهذا المحطة ، كما رأيت رجلا يجهد ايضا فى أن يفهمها ان من الضرورى ان تنزل بهذا الميناء ، حينئذ وحينئذ فقط تحدثت اليها بقولى :
- هذه هى مدينة كاليه الموقف الثانى للقطار . .
فردت علي ، شاكرة تقول وقد ازداد وجهها حمرة :
- حسنا شكرا لك . لم نكد نصل الى الميناء حتى كان كل منا قد تعرف تماما بصاحبه ، وتلك كانت غلطتى . . وكان هنائك كثير من الحمالين على اتم استعداد لنقل أمتعة المسافرين فدعوت احدهم الى من نافذة القطار بدون صعوبة الا اننى عندما خرجت وجدت الآنسة برادلى واقفة بالمحطة والى جانبها حقيبتان كبيرتان جدا ، الى حد ان احداهما كانت موثقة بالحبال خشية ان تتفكك . . وكانت تدعو الحمال فى صوت منخفض ولا أحد يلتفت اليها ، وصوتها لا يكاد يسمع بين ضجيج أصوات المسافرين المنتشرين فى المحتلة ، بل ان الحمال كانوا يمررون بها الواحد تلو الآخر بدون ان يعيروها اى التفات ، فقد كانوا يتطلعون للاغنياء ومن هم احسن حالا منها .
توجهت اليها فى تلك اللحظة ، ولو كانت أقل مما كانت عليه من دمامة وقبح لما فعلت ذلك . . نعم نقد كانت قبيحة بادية الحزن والحيرة فى وقفتها تلك والامتعة الى جانبها ولا من يجيبها من الحمالين مما جعلنى اشفق عليها .
ابتسمت لها فى اخلاص وشعور طيب بالواجب وقلت :
- ان حاملى على استعداد لنقل ما تريدين اذا اردت يا سيدتى . .
فاستدارت نحوى وتطلعت الي ، فرأيتها عن كثب قبيحة اكثر مما كنت اتصور ثم قالت :
- شكرا لك . . هذا من لطفك يا سيدى . .
قام الحامل على كره منه بنقل امتعتها وما هى الا دقائق حتى كنا على ظهر الباخرة وقد وضعت حقائبنا معا وجلسنا جنبا إلى جنب .
واعتقد ان القارىء معى فى اننى قمت حتى تلك اللحظة بواجب اللياقة معها وان يكن عن غير طيب خاطر منى ، اقول ذلك لان طبيعتى السيئة بدأت تسيطر على نفسى من ذلك اليوم . .!
لقد أدركت فى اقل من عشر دقائق ان الآنسة برادلى كانت الى جانب دمامتها وقبحها فى منتهى البلادة ايضا ، فقد كانت لا تفتر عن الكلام والحديث بمناسبة وبدون مناسبة وقد ذكرت لى انها امضت اسبوعين فى ايطاليا فى زيارة لاختها المتزوجة بأحد الايطاليين ، وانها لم يسبق لها ان خرجت من انكلترا من قبل ، وانها تعمل موظفة فى بلدها بأحد المكاتب وان عملها كان مرضيا مريحا لولا ما يكلفها الذهاب والعودة من جهد ومتاعب !
ولا اقول ان هذا الحديث فى ذاته كان ينم عن بلاد ولكنها كانت بكثرة كلامها وترديده تجعله كذلك . . وقد فكرت فى ان اكتفى بمرافقتها الى دوفر لتستقل القطار منها الى لندن ، ولم يكن لدى مانع فى الواقع فى أن أواصل الرحلة معها لولا نفورى منها خصوصا ان الرحلة سوف تستغرق اربع ساعات على اقل تقدير لذلك فقد ابتعت تذكرة فى القطار السريع ( جولدن آرو ) ، ولما كانت الآنسة برادلى تريد ان تستقل القطار المعتاد كان لا بد لنا ان نفترق ، وقد اخبرتنى فى رجوعى اليها بعنوانها فى لندن وكانت تسكن فى شقة مع زميلة لها فى المكتب الذى تعمل به .
وصلنا الى دوفر ، والآنسة برادلى لا تفتر
عن الحديث والكلام طوال الرحلة فاستأجرت حمالا لنقل امتعتنا وكانت معى حقيبتان جديدتان قدمت الي ، هدية من أحد الاصدقاء بالاضافة إلى حقيبتيها العتيقتين .
كانت العادة ان ينظر فى شئون ركاب القطار السريع أولا ، لانه يسافر قبل عشرين دقيقة ، لذلك فاننى عندما سألنى أحد المختصين : هل انا مسافر فى القطار السريع ؟ أجبته فى غير تردد بالايجاب وقد قصدت بالطبع الاجابة عن نفسى فلم يكن يعنينى ان اشرح لحضرة السائل اننى سأسافر وحدى بالقطار السريع اما هى فلا ، وكان ذلك فى صالح الآنسة برادلى حيث اخذت أمتعتها قبل غيرها من الركاب.
لقد أوضحت للآنسة برادلى ونحن متوجهان الى البهو - ان القطار الذى سأستقله سيسافر قبل قطارها ومع ذلك فان هذا لن يمنع من اهتمامى بأمتعتها قبل سفرى فسيقوم الحمال ، بنقل كامل امتعتها الى المكان الخاص به من القطار ، لتأخذ مكانها فيه فى غير عناء حتى يتحرك ولكن الرجل ضم امتعتنا جميعها معا ولم يلبث المفتش ان اقبل ونظر الى الحقائب الاربع نظرة فاحصة ثم قال :
- لمن هذه الحقائب ؟ وكانت الآنسة برادلى تقف خلفى فلم أرد لأن السؤال لم يكن موجها لى بالذات ، وكنت على وشك ان أقول : لنا ؟ الا ان كبريائى تغلبت على فى تلك اللحظة فقلت له :
- هاتان الحقيبتان لى أما الاخرى فهى للآنسة برادلى
فرد المفتش قائلا : - انها لكما معا أليس كذلك
فقدا ابتسم للآنسة حرصا على شعورها :
نعم انها لنا - هل انتما مسافران فى نفس القطار ؟ - كلا . . لقد قام الحامل فقط بنقلها معا فقال المفتش فى هدوء وبصوت واضح كما لو كان يتحدث الى اطفال :
- هل يتفضل كل منكما فيرينى المتاع الذى له لأقوم بما يلزم له ؟
( أشرت له الى حقائبى ولم يكن بها شئ ذو قيمة ، كما لم يطلب المفتش منى أن افتحها واكتفى بالتأشير عليها بالطباشير ، وبدلا من أن ينتقل الى يسارى ليقوم بمثل ذلك لامنعة الآنسة برادلى انتحى الى اليمين وراح يتحدث الى رجل كان متاعه يغطى أكثر من سبعة أقدام من الارض . فرجوت أن يقوم بما يلزم لامتعة الآنسة برادلى ايضا ولكنه لم يعرنى ادنى التفات ومضى فى تفتيش ما مع الرجل من امتعة .
أزاح أحد الحمالين امتعتى بعيدا ليفسح المجال لامتعة اخرى فغادرت المكان حيث لم تكن ثمة فائدة من الوقوف وانتظار الآنسة برادلى ولم يسعنى الا ان أقول لها :
- الوداع الآن فساذهب الى قطارى ولن يلبث المتاع أن يعود اليك ويتولى الحامل بعد ذلك نقل امتعتنا الى المكان الخاص بها من القطار .
فردت علي ، قائلة : - مع السلامة وشكرا جزيلا
تصافحنا ثم افترقنا وقد شعرت ببعض الارتياح وخالجنى شعور باننى قد قسوت معها بعض الشئ .
اخذت مقعدى بقطار ( جولدن آرو ) و بدأت فى مطالعة بعض الصحف ثم تذكرت فجأة بعد نحو عشرين دقيقة من جلوسى
بالقطار ان القطار سيتحرك بعد خمس دقائق وامتعتى لم يحضرها الحامل بعد فنهضت مسرعا للبحث عنها فاذا بالحامل يقبل لاهنا وهو يحمل الحقيبتين فسألته فى شىء من الحدة عما اخره عن المجىء كل هذه المدة فأجاب فى اقتضاب :
- انها هى التى . . - من . . الآنسة برادلى هى التى اخرتك .. ولكن اين هى الآن واين تركت امتعتها. - انها ما زالت فى مكانها الذى تركتها به . وسوف تظل كذلك وقتا اطول على ما اظن !
- لماذا ؟! - آه . . لقد وجدوا معها أكثر من اربعين ساعة يد وما زال التفتيش جاريا وقد خشيت ان اتأخر عنك فتركتها وأتيت . .
اما الشئ المحزن فى هذه القصة فهو اننى لو كنت ألطف معها ومصمما حقا على ايصالها سالمة الى لندن لصبرت حتى يتم تخليص امتعتها ونقله الى القطار . كما اعتقد اننى لو تساهلت ولم آنف من قذارة حقائبها لتم نقلها بسهولة مع امتعنى منذ زمن طويل . أو كان بامكانى التدخل فى الامر لانقاذها من ورطتها . . ولست ادرى الآن هل الآنسة برادلى ما زالت بمفردها فى مكانها أم القدر ساق اليها من يساعدها فى ورطتها ؟!
اخذت استعرض فى ذهنى ما مر بى معها فأدركت انها قد اختارتنى بالفعل لهذا الغرض دون غيرى ولكننى لا ادرى بالضبط ما حملها على ذلك ، ذلك مع اننى لم الاحظ انها كانت تحرص على التحدث الى أو التعرف بى فى لقائنا بتلك الرحلة .
عن الانكليزية -

