الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

في علم النفس

Share

الذكاء

الذكاء موهبة من اسمى وأشرف المواهب التى لم تضن القدرة الالهية بها على الانسان . لقد قدر لكل حيوان يدب على وجه البسيطة نصيبه من الذكاء ، لكن الانسان فاق غيره من المخلوفات فى قسمة الذكاء ، فكان منذ عصور ما قبل التاريخ . . منذ مائة وخمسين الف سنة على اقل تقدير ، لا بل اكثر بكثير ، وهو يفكر ويمعن فى التفكير ، وما يفتأ ان يهديه ذكاؤه الى حياة افضل ، وعيش ارقي ، ومدنية أعظم وابقى ، تلك هى الموهبة التى صنعت الحضارات وأقامت المجتمعات البشرية بنظمها وقوانينها ومقدراتها ، وهي ايضا الطاقة التى تعمل  من وراء ما ننعم به فى الوقت الحاضر من تقدم وازدهار في ميادين العلم والصناعة  والفن .

ونحن نضع الكائن البشرى فى قمة سلم التطور بالنسبة لباقي الكائنات الحية ، ذلك انه يتمتع بهذه الالمعية وهذه القدرة على التفكير البعيد . ويتضح سبب ذلك إذا ما قارنا الانسان بالحيوان . فالحيوانات لها سلم تطورها ، فهي حشرات . أو حيوانات دنيئة ، ثم حيوانات غير ثديية فراقية او ثديية . ومما يلاحظ أننا كلما ارتقينا في هذا السلم وجدنا أن ضعف الطفولة يلازم الحيوانات الراقية مدة اطول من غيرها . والحشرة مثلا إذا خرجت من طور العذراء اصبحت قادرة كل القدرة على العيش معتمدة على نفسها اعتمادا كليا .

في حين ان الطفل الانسان لو ترك وشأنه  لمات بعد سويعات من ولادته . وقد يدهش الانسان اذا ما شاهد سلوك هذه الحشرة فهي تمثل حياة سلفها تمثيلا صادقا ، ونقوم بجميع ادوار الحياة على نمط رتيب لا اختلاف فيه ، وهذا يقودنا الى اتصال  الذكاء بالغرائز .  

وقد نفي جملة من علماء النفس الحيوانى  اتصاف الحشرات ، أو ماشابهها من الكائنات الدنيئة بالذكاء . لكن تجارب عديدة اجريت على سلوك الحشرات  فأبنت خطا هذا الزعم . فالحيوان مهما كانت مرتبته يتمتع بقسط من الذكاء يتفق مع مرتبته ومن  

عرف هذا الحيوان بسلوكه النمطى الذى توارثه عن اسلافه بدون تعلم او مشاهدة سابقة . وقد اعتاد ان يبنى عشه من عدد من الخلايا يضع بيضه فيها ثم يخرج ليتصيد العناكب ، فاذا ما عثر على واحدة منها ، لسعها في مركز من مراكزها العصبية وحملها الى داخل احدى الخلايا ، ويظل يواصل عمله هذا الى أن يملا جميع الخلايا ثم يقفل عليها بالطين وبعد ان يفقس البيض تجد الحشرات غذاء طازجا لا حيا ولا ميتا فتعيش عليه الى أن يكتمل خروجها من طورها الاخير فتسبح في فضاء الله لتعيد سيرة حياة آبائها وأجدادها على نمط رتيب مطرد . ولا شك أننا لو توقفنا عند هذا الحد من السلوك لقطعنا بأن لا ذكاء لمثل هذا الحيوان ، اذ انه لا يسير الا بدافع الغريزة ، وهو دافع آلى بدليل انه لا يتعلمه . لكن صاحب التجربة وقف الى جانب عش الزنبار الذى كان من سلوكه الغريب أنه لا يدخل بفريسته توا الى الخلية ، بل يضعها على فوهة الخلية ثم يدخل فيطوف فى ارجائها لكى يطمئن على بيضه وفريسته وبعد ذلك يخرج اليها فيدخلها . وقد أزاح المجرب الدودة عن فوهة الخلية وأبعدها بحيث يراها الزنبار . والذى حدث أن الزنبار ظل يبحث عنها ولما ان وجدها لم يدخلها مباشرة ، بل وضعها على عتبة الخلية - ان صح هذا - ودخل مرة اخرى ليطوف فيها كما فعل أول مرة . واستمر المجرب في عمله هذا . يبعد الدودة عن العش ويعود الزنبار ليتركها خارج الخلية ويقوم بعمله الآلى . اكثر من مائة مرة . ومن المضحك ان الزنبار حينما طال تكرار عملية المجرب اخذ يظهر اصواتا غريبة ويبدى حركات غير مالوفة تدل على غضبه وعدم

تقبله العناء وعبث الانسان به الا انه بعد ان خرج ودخل اكثر من مائة مرة التقط العنكبوت وأدخلها الخلية دون أن يتركها كما كان يفعل  

ويتضح من التجربة التي ربما  بدت مسلية ان هذا الحيوان الدنئ ، وهو أحط أنواع الحيوانات يتصف هو ايضا بالذكاء ، لكن ذكاءه ضعيف جدا اى ان قابليته للتعلم بطيئة ولو اننا اردنا تعريف الذكاء لقلنا انه القدرة على التعلم . وقد استطاع هذا الحيوان أن يتعلم ولكن بعد وقت ليس بقصير . وان كان هذا العمل يدلل على ضعف قدرة الزنبار على التعلم ، الا انه على كل حال لا ينفي اتصافه بالذكاء .

وهناك مظاهر كثيرة تفصح حقيقة عن قدر الذكاء أو مستواه بمعنى ادق وأوضح . سلمنا فى التجربة السابقة ان جميع الحيوانات مهما كانت درجتها ، لها نصيبها من الذكاء وان هذه الانصبة تتدرج علوا الى أن تصل الى مرتبة الانسان وهي أرقى درجه فى النوع على وجه الاطلاق . ولعل من تحصيل الحاصل ان نسير الى النبات الذى يتصف بعض نوعه بالادراك الحسى فهناك اشجار بحرية لها قدرة على التصرف ازاء عدوان الحيوان عليها . فمنها ما يميل بفرعه هربا من بطش الحيوان . وقد ذكر أن نوعا من أشجار البحر إذا أحس . بجسم غريب مد له اطرافه فتلقفه واحتفظ به حتى يلفظ انفاسه . وان نوعا آخر اذا ما أريد قطعه ابتعد بأغصانه وراوغ قدر طاقته لكى يبعد عنه الادى . وهذه الحقيقة ما زالت فرضية يمنع علينا الجزم بصحتها . على كل حال يجب ان نخرج بنتيجة عامة  شاملة وهي ان كل كائن حى سواء كان

حيوانا دنيئا أو راقيا فان له قدرا من الذكاء وان له امكانية التفكير

ومن مظاهر الذكاء بصفة عامة - قابلية الغرائز - أى الطبائع التى يرثها الحيوان للتعدل والمرونة . فحيوان مثل الزنبار أو النحل أو النمل قليل القابلية جدا للتعديل ، وقلما نفلح في توجيه سلوكه توجيها يختلف شبهه عن التوجيه الغريزى . الا أن حيوانا آخر مثل الكلب او القرد ربما استطعنا أن نعدل من سلوكه تعديلا يتفق مع ما نريد ، اذ أن قدرته على التعلم أكبر ، وقابلية غرائزه للمرونة أعظم . ولذلك أصبحت اعداد من هذه المخلوقات أنيسة مألوفة تعيش في مجتمعنا وتحي على فضلات قوتنا حياة يبدو أنها راضية بها رغم ما يلحقها منا من أذى وقسوة . ولكي نبرهن على هذه الحقيقة - مرونة الغرائز - علينا أن نعود بمخيلتنا الى مجتمع الانسان البدائى الذى اكتشف قابلية تعديل طبائع الحيوان وتدجينه " ويقدم لنا اكتشاف جمجمة كاملة تقريبا لكلب كبير فى طبقات أحد كهوف الكرمل ) مغارة الوادى ( أول برهان عن تدجين الحيوانات ، وهذا حادث له أهميته البالغة فى سير الانسان نحو الحياة المتمدنة . وقد دجن الكلب حين كان لا يزال الانسان صيادا . وفيما سوى فائدة الكلب فى الصيد والحراسة فانه كان أول جامع للنفايات وفضلات الطعام . وترينا ادلة اخرى أن تدجين الماشية الذى أدى الى حياة الرعى وما صاحب ذلك من توفر طعام يمكن الاعتماد عليه اكثر مما كانت الحالة عليه في حياة الصيد ، قد أتى بعد حين . فقد كان على الانسان ان يدجن نفسه قبل أن يتمكن من تدجين

سائر الحيوانات . واكتشفت أشكال نذرية من الطين تمثل حيوانات داجنة كالبقر  والماعز والغنم والخنزير فى مزار فى اريحا تعود الى أواخر الالف السادس ق . م . ) تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين للدكتور فيليب حتى ، الجزء الاول ص ١٦ . (

وثمة مظهر آخر يشير الى الذكاء وهو التصرف . وقد لازم هذا المظهر الذكاء عند العامة ، فيقولون مثلا : ان فلانا حسن التصرف ، أى انه ذكي . ولا شك في صدق هذا التلازم ، بل ونقطع به إذ أن قدرة الفرد على تكييف الظروف وحل المشاكل برأى حكيم يتبع كنتيجة حتمية الذكاء  وسرعة البديهة ، وبمعنى آخر فان سرعة البديهة عامل يغلب في تعريف الذكاء .

وان كنا قد المحنا سابقا عن تعريف الذكاء ، الا أننا لم نصل إلى تعريف شامل واضح . وقد قلنا أن الذكاء هو القدرة على التعلم . وقال آخرون : انه القدرة على تحقيق التكيف بين الشخص وبين المواقف الجديدة . وقال غيرهم : انه القدرة على القيام بعمليات التفكير العليا وخاصة التفكير المجرد . وهكذا نجد أننا تجاه تعاريف متعددة يمس كل واحد منها جانبا من جوانب العقل . فقدرة الانسان على تحقيق التكيف بينه وبين المواقف الجديدة تكاد تكون ملكة أو موهبة قائمة بذاتها ، وقدرته ايضا على القيام بعمليات التفكير العليا تجعلنا نبحث فى التفكير نفسه اذ أن هذا الاخير موهبة لازمة للذكاء . اذن فان الذكاء يتكون من جميع هذه المواهب الحادة ( واجتماعها بصفة نشطة تجعلنا نطلق عليها " الذكاء  

البقية فى العدد القادم

اشترك في نشرتنا البريدية