سيداتى آنساتى سادتى
يشرفنى أن أقف أمامكم مشاركا فى احتفاكم بعيد مجلة (( الفكر )) بمناسبة مرور ثلاثين سنة على ميلادها الذى تصادف مع تباشير فجر الاستقلال الوطنى للوطن التونسى المجيد . ولعل هذه المناسبة تتجلى روعتها فى هذا الالتفاف الذى يجتمع فيه الادباء والقراء والقصاصون والروائيون العرب بعد أن حققت هذه المجلة الشامخة بانفتاحها على ألوان الادب الحديث والتيارات الفكرية جزءا فى رسالتها العربية التى أوضحها الاديب والمفكر البشير بن سلامه وزير الشؤون الثقافية فى كلمته فى ندوة أمس بما معناه أن هذه المجلة خطط لها لكى تقيم الجسور بين الثقافة فى تونس والثقافة فى الاقطار العربية الاخرى . ولكى تمثل الاصالة فى خصوصية البيئة التونسية والواقع اذ ليس من أدب حقيقى دون بيئة وواقع يعبر عنهما .
وهذا المفهوم الموضوع لخصوصية الادب لا يقلل من انتماء الحركة الادبية فى تونس لحركة الادب العربى . يل هو الذي يحق الالتحام بها والرفد لها .
ومن هذا المفهوم نحتفل معا فى عيد (( الفكر )) الذى يمثل عيدا لرافد خصب وفياض من روافد الادب العربى . وفى هذا تكريم للادب عامة وللاقلام البناءة فى تونس الحديثة بهمم قادتها الاوفياء الابطال وشعبها الخلاق الطموح .
واذا كنت لا أجد كلاما أضيفه على ما قاله الزملاء من أدباء وشعراء وباحثين عن مجلة (( الفكر )) . فانى أجد من المناسب فى هذه الوقفة أن أقول : إننى لم
أعرف هذه المجلة قبل عام 1975 . ففى تلك السنة كنت نائبا لمدير معرض الكتاب العربى الاول فى الكويت حين اشتركت تونس فى ذلك المعرض ممثله بالدار التونسية للنشر وكان رئيسها آنذاك الاستاذ عزوز الرباعى - النائب حاليا فى البرلمان - وقدم إلي بعض الكتب من الادب التونسى من قصه ورواية وشعر ومن بينها قدم لى أعدادا من مجلة (( الفكر )) وحدثنى عن مؤسسها الاديب والمفكر محمد مزالى وعن رفيقه فى الكفاح الاديب الروائى والمفكر البشير بن سلامه وكان الاستاذ مزالى آنذاك كما أذكر وزيرا للتربية .
وسمعت من الرباعى كما سمعت من الاستاذ محمد مزالى بعد سنه من ذلك التاريخ تقريبا عن التضحيات والصعاب التى واجهت المجله بداية صدورها. وهو ما سمعتموه قبل يومين من الاستاذ مزالى بالذات .
ومنذ ذلك الحين بدأت علاقتى بقراءة ما يتيسر لى من الادب فى تونس ، وكنت فى أواسط السبعينات محررا أدبيا فى جريدة (( القبس )) الكويتية فكتبت فى صفحتها الادبية وملحقها الاسبوعى عدة مقالات ودراسات عن هذا الادب . وكذلك فى جريدة (( الرأى العام )) الكويتية التى أقوم حاليا بالاشراف على صفحتها الادبية اليومية ومنذ ثلاثة أعوام أصدرت كتابا فى الادب التونسى يقع فى أقل بقليل من مائة صفحة بعنوان (( اتجاهات فكرية فى الادب التونسى الحديث )) . ورغم ذلك فاننى اعترف بأن احاطتى حتى الآن بغالبية انتاج الادباء فى تونس فى الرواية والقصة والمسرحية والشعر ما تزال قاصرة وتقتضينى المتابعة المستمرة ففى هذا الادب من رواية وشعر وقصة ما هو جدير بالدراسة والبحث . خاصة وان عملية ايصال ما ينشر فى تونس والمغرب العربى عامة الى المشرق العربى وبالعكس ما تزال بحاجة إلى جهود كبيرة تتحمل جزءا كبيرا من مسؤوليتها وزارات الثقافة العربية واتحاد الناشرين العرب . وكذلك النقاد والادباء والشعراء أيضا .
وفى هذا الاطار كذلك تتحمل مسؤولية ضعف الاعلان عن المؤلفات الصادرة فى أى قطر وكالات الانباء والصحافة الثقافية فى الصحف والمجلات ، والاذاعة والتلفزيون اذ ينبغى عليها جميعا أن تضاعف من نشر واذاعة مقتطفات وافية عن كل جديد من الكتب الصادرة عن دور النشر والمطابع العربية .
وألفت النظر هنا الى نقطة هامة وهى انه لولا ما تنشره مجلة (( الفكر )) من اعلانات أو دراسات عن الكتب الصادرة فى تونس لما عرفنا فى المشرق
شيئا عن أى كتاب جديد الا اذا انتظرنا هذا الكتاب فى المعارض التى تقام سنويا فى هذا البلد أو ذاك .
فهل لنا أن نتساءل عن اليوم الذى يصبح فيه الكتاب العربى الذى يصدر فى تونس أو دمشق أو بغداد أو بيروت أو الكويت أو القاهرة أو فى أى بلد آخر بعد شهر من صدوره فى مكتبات البلدان الاخرى ؟
وهل سنجد مجلة (( الفكر )) بعد صدورها باسبوع فى المكتبات العربية ؟
ان مشكلة التوزيع بين المشرق والمغرب بحاجة الى حل حقيقى . وأتمنى أن يبحث هذا الامر فى مؤتمر وزراء الثقافة العرب الذى سيعقد فى تونس فى نوفمبر المقبل . فهذه قضية واضحة وبسيطة فاذا لم تطرح وتحل فكيف يمكن حل القضايا الفكرية الثقافية المعقدة ؟
وقبل ختام كلمتى فانى أشكركم على اصغائكم الى هذه الكلمة التى تفرعت الى قضايا قد لا تكون من صلب هذه الجلسة ولكنها ليست بعيدة عن مدار الفكر والثقافة . بل هى تشغلنا جميعا وهى تشكل عائقا من معرفة الادباء والشعراء العرب لبعضهم البعض . بل تكاد تكون احدى عوائق التفاعل الحقيقى للثقافة العربية .
ولا يسعنى الا أن أشكر السيد وزير الشؤون الثقافية على اهتمامه بدعوة هذا العدد من المثقفين والادباء والقراء الى عيد (( الفكر )) ففى ذلك ما يخفف من عوائق الاتصال بين رجال الثقافة متمنا لـــ (( الفكر )) ومؤسسها وصاحبها الوزير الاول المفكر والاديب محمد مزالى ولرئيس تحريرها الاديب والمفكر الاستاذ البشير بن سلامه وأسرة تحريرها التوفيق والسؤدد وتحقيق الطموحات الكبيرة . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

