وقد ينشط فكر المريض وكانما اطلق من عقال فيفكر فيما ينتظره بعد ابلاله . من ضرورة السعي وراء العيش فيعمل على ابتكار اساليب جديدة يستقبل بها الحياة ويستأنف بها الكفاح فى خضم هذا المعترك الحيوى الصاخب . وقد يجد فى تلك اللحظة - لكل مشكلة حلا ومن كل معضلة مخرجا ولكل امنية وسيلة . ولكل متعذر حيلة ولكل مقام مقالا ولكل طريق يريد ولوجها عدة . ولو كشف لنا عما اعتزمه لمقابلة الحياة لرأينا اسلوبا من الاساليب التى يتذرع بها بعض الافراد فى اقتناص الكسب والاحتيال على العيش لا تخلو من طرافة .
وقد يشتد شعور المريض بالخوف من الموت ويتوجس الهلكة كامنة فى مرضه ذلك : وهنا يتمثل لنا سخف الانسان وهو يحاول الافلات مما لا افلات . منه إذا حم القضاء وانتهى الاجل . فتراه يصم اذنيه اذا ذكر له الموت ويسمج في عينيه من يتحدث عن الحنوط والكفن . ويشح بوجهه عمن يذكر القبر وظلمته والميت ووحدته كان الكلام في مثل هذا مما يدني الاجل او يسرع بالوفاة او يشجع ملك الموت على التسرع في نزع روحه . وقد تزداد الهواجس بالمريض منفردا فتراه يهلع لأقل حركة فلا يكاد يحس بعرق ينبض او عضل يختلج او عضو يتحرك او
جفن يرف حتى تراه يذعر لذلك ذعرا شديدا كانما لسعته الافعي او دبت بجواره العقرب او ان الموت أخطره بالتهيأ لغشيته والاستعداد لسكرته فتزوغ عينه . ويجف ريقه ويتوتر عصبه ويجمد دمه ويصفر لونه ويطرد نفسه وينهج صدره . وناهيك بشعور الخوف من الموت إذا استحكم فى النفس وسلطان الوهم إذا استحوذ على الذهن . ولو كان له من القدرة والشجاعة ما يدعه يصف لنا شعوره ساعتئذ لعلمتنا على وجه التقريب كيف يكون شعور المحتضر وهو يجود بنفسه ولكان لنا من ذلك عبرة بالغة وعظة صادقة وقد يسبق الى ذهن المريض ان من الناس من يشمت به إذا راي هزاليا وضعه ظاهرا فيحاول المسكين ان يتجلد ليري من كان له عدوا وبه شامتا ) انه لريب الدهر لا يتضعضع ( فيتحامل على نفسه ويكلفها بما ليس في طاقته والظهور بما ليس من سجيته ليخفي مرضه عن الاعين ويزوي هزله عن الانظار ويزيد في ايداء القوة ظنا منه انه يبدو صحيحا معافا اذا هو عمل ذلك . لرايت الرضيع حين يتساى . والشيخ حين يتصاب والعجوز حين تتزين كذلك يبدو المريض وهو يحاول ان يقلب من ضعفه قوة ومن هزله سمنا ومن تداعية نشاطا ومن وقته صلابة . ولا ادري بم يشعر إذا احس من نفسه ذلك ؟ وأي الم يحجز فيه اذا آنس من اعدائه انهم يتغامزون عليه واخصامة يهمزونه بانظارهم جهرا ويلزونه فيما بينهم سرا ؟
وقد يشعر المريض بالندم على ما فرط منه في ايام صحته من هفوات الجهل وزلات الطيش . وتدركه الخشية لذلك ورينا سكب دمعة حرى تغسل عنه كثيرا من حوباته وتحط عنه كثيرا من سياته فيستشعر الطمانينة ويحس بالراحة وفي تلك الساعة تصفو نفسه من الدرن ويخلص ضميره من الحقد ويسع صدره المثلج بالرضا ونفسه المفعمة بالحب كل الناس . ويسمو الى ما يزيد فى قدر الانسان
ويرتقي الى مراتب ما كان ليرقبها لولا المرض . ولو كشف لك عن طويته لما وجدته يفكر الا فى البر ولا يهجى بغير التسامح ولا تميل نفسه الا الى الهدى والرشاد
وقد يستولى على المريض الضجر . فيسعي حظه العاثر ويبكى امله الخائب ويشكو عيشه الضنك وياسف على شبابه الفاني وعمره المضيع وامانية التى لم يتحقق .
وهكذا المريض يعلو بنفسه تارة ويهط بها اخرى وتنتقل به الهواجس إلى عوالم تبهج واخرى تحزن ويشطح به الفكر الى اجواء بعضها يسر وبعضها يسوء ، وتمر على فكره خواطر تضحك واخري تبكى ، ولو اردت ان اتبع ما يستولى على المريض من شعور وما يلامس المريض من احاسيس وما تفيض به نفسه من معاني لاطلت وامللت ، ويكفى ان اقول ان لدى المريض ثروة هائلة من الاحاسيس والمشاعر والهواجس والافكار لو قدر له جمعها لاطلعنا على كثير من الصور الشائقة والتعابير الرائقة ، وهو حين يصح يسر عليه التحليق في تلك الاجواء ويعز عليها الولوج فيها والالتقاط من معانيها لذهاب الدوافع والمؤثرات التى تدفع بالفكر اليها .
فاذا كان المريض ممن يقيمون للخيال الخصب وزنا ويعطونه من التقدير حقه ويقومونه بقيمته يشعر بشعورين مختلفين شعور الأسف على ما ضاع منه من معنى رائق وخيال شائق وشعور الغبطة بالشفاء ، وقد يجد في قرحته بهذا الابلال غذاءا يهون عليه ما افتقده من شيق المعاني وبديع الخيال

