يعاني المريض ضنكا شديدا من الآلام التى تنتابه فى مرضه ويدعوه ذلك الى السكوت العميق والصمت الطويل لأنه يجد فى ذلك راحته ، واذا تساءلنا فيم يفكر المريض وبماذا تهجس نفسه حين سكوته ؟ قلنا على البداهة لا يفكر الا فى مرضه ودواعيه واسبابه وكيفية الخلاص منه وهذا هو المعقول او هو المتبادر الى الذهن اذ ليس اعز على الانسان من نفسه ولا شئ اغلي عنده منها ، وقد اغرم الانسان بالتفكير فى نفسه كثيرا وتلك حاله وهو صحيح الجسم معافى من الادواء ، فكيف به وهو فى غمرة المرض ومعالجة الآلام ؟
نعم : قد يتعدى تفكير المريض الى ذويه وصاحبته وبنيه ، فهو يفكر فى مصيرهم بعده - حينما يخطر له خاطرة الموت - وقد تأخذه الحسرة على نفسه وعليهم ايضا ، فنرى الدمع يترقرق فى ماقيه من الأسى والأسف .
هذه هي الخواطر التى تخطر فى بال المريض غالبا ، ولكن ليس كل ذلك ما يفخر فيه المريض او يهجس بها ضميره وهو ساكت ، بل ان هناك من الخواطر المتنوعة والهواجس المختلفة التى تمر بسرعة البرق على بال المريض ما برغمة على التفكير فيها والاستجابة اليها ، وبغيرها من تفكيره وعنايته ما يدعه ينهمك في شبه غيبوبة لا يدري اثناءها ما يجرى حوله ، وهو فى هذه الحالة لا يحس بالم ولا يشعر بمرض ويجد من ذلك الاستفراغ الهادئ العذب احسن سنوي تريحه نوعا ما مما هو فيه ويخفف عنه وطأة الألم وشدته ولا أراني في حاجة الى التدليل . كثيرا على القول بأن خواطر المريض اكثر من خواطر الصحيح
لأن المريض اكثر تأثرا بالامور من الاصحاء وارهف منهم حسا وافيض منهم شعورا اذ ان المرض قد هذب من حواشيه وخفف من غنوائه وحض من غلظته الشئ الكثير ، فينتقل الفكر بالمريض الى عولم يسبق له ان حوم حولها ويسرع به فى مسارح من التصورات ما سبق له ان اجتازها ويمر به على مناطق من الاخيله مليئة بالروائع غاصة بالبديع الممتع فتنهال عليه الخواطر وتنئال عليه الافكار وتواتيه المعانى المستعصية مما يفيضه عليه رقة الشعور ورهافة الحس ، وان من الاخيلة ما لا تستجليه نفوس الاصحاء ولكن المريض يستطيع بنفسه التي صفاها المرض من ادران المادة ان ينفد من خلال الحجب الكثيفة الى استجلائها بوضوح تام ولا يعيقه عن تبيان ما يرى فى تلك العوالم المختلفة من صور المعانى والوان الخيال سوى ما منى به من ضعف لا يستطيع معه بذل ما يقتضيه البيان من جهد ، وبذلك افتقد الأدب كثيرا من الابانة عن الاحاسيس الغريبة والخواطر المختلفة التى يختلج بها صدر المريض وتعتلج بها نفوس افقدها المرض القدرة على الكلام ، ولو قدر للمريض ان يخبرنا ابان فورة احاسيسه وغليان مشاعره وتهافت اخيلته وافكاره عما يحس ويشعر لرأينا لونا من الوان الادب المتأجج بنار الصدق وصورا من صور النفوس المصهورة بشعلة الاحساس الرقيق والشعور العنيف الملتهب ، وهو بعد ابلاله من المرض لا يستطيع ان يستعرض كل ما مر بفكره وان استطاع لا يواتيه التعبير الموفق الذي يجلوه كان عليه حين الاحساس به والشعور بتدفقه وفورته
وانى احمل نفسى على المحاولة فى سرد بعض الاخيلة التى يستعرضها المريض بفكره او اصور بعض الاجواء التى تدعو خيال المريض ان يسرح ويمرح فى اكنافها حال سكوته وهمته فقد ينتقل الفكر بالمريض الى رياض الجنة فيطلع على ما فيها من انهار العسل المصفى وانهار يجري بخمر لذة للشاربين وانهار من لبن غير آسن ويرى الاحواض الزبرجدية قد ملئت بالكوثر والكؤوس العسجدية تفيض بالسلسل بدور بها ولدان مخلدون يشع من وجوههم البشر
وتضوع انفاسهم بالعطر يتحلون باسورة الذهب ويرفلون فى حلل الاستبرق . ويرى الخمائل الخضر قد انتثرت فى ارجاء الجنة والحور العين يدرجن حيالها ويتثنين خلالها ويتفيدان ظلالها ، تحف بهم اشجار دانية القطوف حالية الأثمار فذاك عنب يتلالا فى امد تلالا الجوهر وهذا تين يفوح منه عبيق كعبيق العنبر وتلك فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وهناك فرش مرفوعة وزرابى مبثوثة واباريق مصفوفة ، والمزامير تزجى الحان الخلود وتردد انغام السلام ، فتانس نفس المريض بذلك وتبدوه على وجهه نضرة اهل الجنة ويظهر عليه مبسم أهل النعيم المقيم ، حتى لكانه يرى ويحس بما غمر الله به اولياءه من انس وصفاء وبما شع عليهم من نور وسناء وبما قلبهم فيه من سعادة وهناء ، وناهيك بما يوحيه مثل هذا الاحساس العجيب والخيال السامى من المعاني الرائعة والتعابير المهذبة والتصوير الفاتن .
وقد ينحرف به الفكر الى اودية جهنم فيرى مزالق الحميم ، ومازق الجحيم ، ومهاوي الحريق واجواء الظلمة ، وامكنة العذاب ، فهذه فوهات ترمي بالحمم وتقف بالشرر وتلك انهار الصديد ، وهاتيك مقامع الحديد ، ويرى فيما يرى افاعى النار وهى تتلوى فى أعناق المفسدين ، وحيات جهنم وهي تنهش افئدة المرائين والمنافقين ، ويرى السلاسل كيف ينوء بها الفجار ؟ والاغلال كيف يتعثر بها الأشرار ؟ ويري من أهوال جهنم واحوال أهل النار ما لو تكشف لنا عن حقيقته لانهلعت له الأفئدة وعصفت من هوله الجوانح واندكت له القلوب التى فى الصدور ، فيصطك جبينه من الرعب ويتقطع نياطه من الهلع حتى لكانه يرى بعينه شجر الزقوم ، ويلمس بيده ماء اليحموم ويحس بما فى جهنم من نار وسموم فتجرى خواطره بصور من التعابير وتهاويل من البيان هى من الروعة بمكان لكنه لا يستطيع وهو فى غمرة المرض بيانا ولا يحاول تبيانا : فيتبخر ذلك الخيال الرائع وذلك الاحساس البديع مع ما يتبخر من ذرات الجسم الذي صيرته الحمى واضواه تعاور الاسقام ، دون ان يستجليه فكر او يستروح به خيال الساق .
وقد يسبح الفكر بالمريض الى مجتليات الامانى وأودية الاحلام فيبنى قصورا من الامال الطوال العراض التى يدور بها خلده وتتوق اليها نفسه : فيرى انه انتقل الى قصور عالية الشرف ووصل الى عيش كله نعيم وكله ترف ، وصار الى مجد تتقطع دونه الاعناق وجمع فى حوزته ثمين القيم ونفيس الاعلاق ، فهذه منشأته ، وتلك مقتنياته لا يغنيها الابد ولا يبلها طول الامد ، فتنفتح اوداجه فخرا ويشمخ بانفه كبرا حتى لكانه الامر الناهى او السيد المتناهى فلو ابان لنا عن شعوره ونشوته لعلمنا بالتحقيق شعور من وصل الى امنيته وبلغ الغاية من غايته ، ويا ليته بنبئنا كيف يكون شعوره اذا لفته احد حين مداعبة تلك الخاطرة له وفوت عليه تصوراته اللذيذة فى ذلك الحلم الجميل ، واراه انه ما زال يتقلب على فراش السقم وانه لم يزل نضو مرض والم ونصح له بان لا يستسلم لمثل هذه الاوهام التى قد تضره وتؤذيه وتنسيه حقيقة ما هو فيه .
لها بقية
